خواطر شخصية عن تونس

حجم الخط
14

طالما أن المرء لم يعد قادرا على زيارة بلده تونس لأنه لم يعد يشعر بالأمان كصحافي صاحب رأي، قد يُلاحق أو يعتقل لمقال كتبه هنا على أعمدة هذه الجريدة، أو موقف في أحد مواقع التواصل، ويمكن أن يؤخذ بسهولة على أنه «فعل موحش ضد رئيس الدولة» أو قد يُمنع من مغادرة البلاد بدعوى أن هناك قضية ضدّه لا أحد يدري من رفعها لكن قد يُشرع لاحقا في جمع «مستنداتها» حتى وإن كانت واهية بالكامل.
وطالما أن القضاء أصبح رهن إشارة السلطة السياسية ولم يعد قادرا على إنصاف أحد أو رد أي دعوى متهافتة لا قيمة لها، كما أثبت قضية المجموعة المتهمة «بالتآمر على أمن الدولة» وطالما أن أصوات المعترضين على ممارسات كهذه لم تعد مسموعة وسط أجواء الخوف أو اللامبالاة، فالكل ينصحك بعدم القدوم إلى تونس لأن لا أحد قادرا على أن يُقدّم لك تقييما موضوعيا لما يمكن أن يحدث لك إن أنت فعلت. المفارقة أنك قد تأتي وتغادر دون أدنى عراقيل أو منغّصات، تماما مثلما ما يمكن أن تقع في مشاكل لا أول لها ولا آخر.
لم يسبق لي أبدا أن ظللت بعيدا عن وطني لزهاء الأربعة أعوام، في البداية بسبب كورونا ثم بسبب ما هو أسوأ من كورونا نفسها، في أعقاب ما حل بالبلاد منذ انقلاب قيس سعيّد على الدستور والانتكاسة المريرة التي حصلت وجعلتها تعود إلى الوراء على جميع المستويات، وسط بهتة وصلت حد البلادة العامة.
وطالما أن ذلك كذلك، كما يقول عادة القضاة والمحامون في حيثيات أحكامهم أو مرافعاتهم، فالحنين إلى معرفة ما يجري حقا في البلاد، خارج ما يكتب هنا وهناك، يدفعك إلى سماع رأي العائدين إلى أوروبا أو الخليج من إجازاتهم هناك، بالتوازي مع البقاء على تواصل بآخرين ممن لم يحل بقاؤهم في تونس دون امتلاكهم الجرأة والقدرة على التمييز والحفاظ على مسافة واحدة من الجميع وتجنّب الأحكام المسبقة التي كثيرا ما تشوّش الرصد السليم.
يقول هؤلاء إن حالة عامة من الاستياء تسود لا محالة بين الناس تعود إلى الغلاء الفاحش للأسعار كافة وغياب العديد من المواد الأساسية والأدوية والوقوف في طوابير طويلة للحصول على الخبز حتى أن أحدهم قال إنه كان يتعرّف على المخابز في القرى أو المدن التي مرّ بها في سيارته من جنوب البلاد إلى شمالها من خلال مشهد الطوابير في كل منها.

التراجع المستمر في الأداء السياسي والاقتصادي، والإصرار على الفشل، وتجنب التشخيص الصحيح للمشاكل، خلق في النهاية انطباعا عاما بأن الدولة لم تعد كما عهدوها أبدا حتى في أحلك الظروف

الملفت أن هذا الاستياء، المصحوب بعدم الاقتناع المتفاوت بأداء رئيس الدولة، واحتكاره لكل الصلاحيات، و«تأميمه» لكل نشاط سياسي، وحالة الإنكار التي تلازمه في الاعتراف بمشاكل البلاد الحقيقية عبر رمي كل شيء على مؤامرات من هنا وهناك، لم تتحوّل إلى قوة غضب تسعى إلى التغيير، بل إنه لم يمنع معظم التونسيين من ارتياد الشواطئ والحفلات والتمتع بالمهرجانات الصيفية وكأن شيئا لم يكن. السبب، أن الناس لم تعد تكترث كثيرا بكل ما يدور حولها ولم تجد في خطاب المعارضة ما يحفّزها للتحرّك لأنها لا ترى في هذه المعارضة بديلا مقنعا لقيس سعيّد وبالتالي فهي تفضّل الصبر والانتظار.
المشكل هنا أن الرضى بالسيئ الموجود، بحجة الخوف مما هو أسوأ بتقديرهم، سيقود البلاد حتما إلى ما هو أسوأ من الحالي والسابق لأن حالة السيولة الراهنة والتسليم بما يمكن أن تأتي به الأحداث، أو حتى الأقدار، دون إظهار أي همّة نحو التغيير، قاد في النهاية إلى نوع من العجز والخنوع بلا أفق أو أمل، مهما كان محدودا، وهو شعور مدمّر وخطير إن هو تمكّن من الجميع لأنه حالة من التيه العام للمجتمع وقواه المختلفة مع ضياع كامل للبوصلة.
الأخطر في كل هذا، تأكيد كثيرين على ما يسمّونه «غياب الدولة» ذلك أن التراجع المستمر في الأداء السياسي والاقتصادي، والإصرار على الفشل، وتجنب التشخيص الصحيح للمشاكل، والدفع إلى الواجهة بوزراء ومسؤولين وطنيين ومحليين لا يملكون من صفات رجال الدولة والكفاءة شيئا، خلق في النهاية انطباعا عاما بأن الدولة لم تعد كما عهدوها أبدا حتى في أحلك الظروف، بغض النظر عمّن كان يحكمها. وإذا كان الرئيس سعيّد مغرما باتهام يكرّره دائما، بمناسبة وبدونها، لأطراف لا نعرفها ولا يسمّها، بأنها تسعى إلى «تفجير الدولة من الداخل» فإن الوقائع تثبت عمليا أنه هو وجماعته من غير أصحاب الكفاءة والتجربة، هم تحديدا، من يمكن أن ينطبق عليه فعلا اتهام كهذا.
سألت وزيرا تونسيا سابقا عما كان يرى أوجه شبه ما بين ما يجري حاليا في تونس وتلك الأجواء التي عاشتها البلاد في نهاية حكم الرئيس بورقيبة في ثمانينيات القرن الماضي، مع أن الفترة الراهنة طالت أكثر، فأجاب بأن القضية ليست في طول الفترة أو قصرها بل القضية الأهم أنه وقتها كانت هناك دولة، أما الآن فلا دولة تقريبا!! محزن جدا كلام كهذا.

كاتب وإعلامي تونسي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول صلاح الدين:

    يا أستاذ، السجن لايدخله إلا الرجال و الوطن بحاجة لكل أبنائه. فلا عاش في تونس أو خارجها من خانها.

  2. يقول الكروي داود النرويج:

    زملاؤك يا أستاذ ذهبوا لزيارة بلدهم مصر , ولم يرجعوا !
    لا فرق اليوم بالأمان , بين مصر و تونس !!
    ولا حول ولا قوةة الا بالله

  3. يقول كمال:

    احتمال كبير و جود اتهامات و شكاوي حاضرة تترقب نزولك الى ارض الوطن حينها يتم ايداعها لدا حاكم التحقيق. هناك من انتقد و كتب اقل جرءة مما فعلت و كان مصيرهم السجن!

  4. يقول سامح //الأردن:

    *للأسف ما زالت تونس في عهد الرئيس سعيد في متاهة لا يعلم نهايتها سوى رب العالمين.
    حسبنا الله ونعم الوكيل في كل فاسد وظالم ومضلل للحق والحقيقة.

  5. يقول تيسير خرما:

    شرعية قيس سعيد أقوى من شرعية زعماء دول متقدمة حيث أوصله الشعب للرئاسة بأغلبية ساحقة 70% بانتخابات حرة نزيهة مراقية دوليا لدفن نظام أحزاب فساد نهبت البلاد وأفقرت العباد عشرة سنوات كاملة فبات الشعب يترحم على نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، ولم يضيع الرئيس سعيد الوقت فأنجز ما انتخبه الشعب لأجله بكفاءة وإقتدار وفرض تموضع إستراتيجي لتونس وأركع قوى دولية لصالحها وأجبرها على تمويل ميزانية حكومتها وقضى على شبكات تهريب مهاجرين غير شرعيين ورفض عبورهم تونس أو توطينهم فيها ويسعى لاعادة أموال منهوبة

    1. يقول إبن آكسيل:

      صدقت يا أخي . لكن على من تقرأ مزاميرك يا داوود ؟

    2. يقول عابر سبيل:

      يا أخي فوز سعيٍد بأغلبية ساحقة لا يبيح له التصرف بتونس كما ولو أنها بيته، كما لا يبيح له الغاء الشعب التونسي ولا يبيح له إلغاء الحياة السياسية ولا الدفع بآلاف الأفارقة إلى الحدود مع ليبيا كي يموتوا عطشاً هناك. أما مسألة انجازاته، وإركاعه لقوى دولية فهذه مزاعم مضحكة للغاية. أما الأموال التي حصل عليها أو قد يحصل عليها من الاتحاد الأوربي فهي مقابل حراسة حدودها ومنع الهجرة إليها!!

  6. يقول الحبيب العماري:

    كل التقدير والاحترام استاذ محمد كما عرفتك في مجال الصحافة والراي ثابت على رايك صادع به
    دمت ودام رايك وقلمك بالحق صادعا وناطقا مناصرا لاهله

  7. يقول عابر سبيل:

    رغم كل المصائب التي قام بها قيس سعيّد (الانقلاب على الدستور ،حل المجلس التشريعي، حل الأحزاب، الاستيلاء على المجلس الأعلى للقضاء واستقلاليته)، ما زال هناك من يعتبره رئيسا شرعيا لتونس!!، مستندين على بوصوله للحكم بناء على أغلبية ساحقة (٧٠%) في الانتخابات الدستورية التي قام قيس سعيّد بنفسه بالغاء ذلك الدستور فيما بعد والتنكر له، ومستندين أيضا على قضائه على الهجرة غير الشرعية والتي راح ضحيتها عشرات الأفارقة المساكين الذين ماتوا عطشا وجوعا على الحدود التونسية – الليبية، متناسين أيضا أن الآلاف من شباب تونس يعيشون في أوربا كمهاجرين غير شرعيين!!

    1. يقول الكروي داود النرويج:

      صدقت !
      “فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور”
      إنها المسافة بين عالمي العمى والبصيرة !!
      و لا حول و لا قوة الا بالله

  8. يقول محمد الحسنات:

    شكرا أخي محمد كريشان، مشاعرنا وقلوبنا وعقولنا مصدومة، بما يجري في ثورة الياسمين من أجل : الحرية والعدالة الانتقالية للضحايا وجبر للضرر، ودستور 2014، والتي كانت ملهمة ومنارة هادية،والتي هرم البعض إنظارا لهذه اللحظة الفارقة والحلم والوعد بكل ما هو حق وعدل وكرامة .

  9. يقول الغريب:

    قيس منتخب بانتخابات نزيهة ولا يلام في فعل كل ما يراه قد انتخب لاجله ( حسب فهمه هو ) وانما يلام اذا رفضه الصندوق في الانتخابات القادمة ولم يسلم السلطة, حينئذ سوف يعتبر ديكتاتورا يجب طرده كما طرد بن علي

  10. يقول Mujtahed:

    كان اسوا كابوس للسوري العائد الى بلده هو ان يقول له موظف الجوازات ” روح راجع المحفوظات؟” وما ادراك مالمحفوظات في المطار باختصار يعني عليك اشكال امني او تشابه اسماء (لا اقصد اسماء الاسد، وعندما تذهب للمحفوظات التابع للامن غالبا سيعطى الشخص قصاصة مطلوب منه فيها ان يراجع الفرع رقم ٥٥٥ او ٩٩٩ او فرع فلسطين اذا كان سيء الحظ وبعدين تبدا معاناته وبتكون امه راضية عنه اذا بيقدر يتملص منهم و يغادرالبلد ثانية. كان احد اصحابي يقول مابعرف شو بيصير لي لما بتوصل الطيارة فوق مطار دمشق بشعر بالارتباك وبحس قلبي انقبض!

1 2

اشترك في قائمتنا البريدية