في خطوة مفاجئة، قدم رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء إلى المحكمة الاتحادية، في آذار2025 طعنين منفصلين في قرار المحكمة بشأن اتفاقية تنظيم الملاحة في خور عبدالله الموقعة بين العراق والكويت عام 2012!
وكانت المحكمة الاتحادية قد أصدرت بتاريخ 4 أيلول 2023 قرارا مسيسا قالت فيه أنه «على الرغم من أن الدستور قد خص مجلس النواب باختصاص المصادقة على الاتفاقيات الدولية، لكنه اشترط أن يتم ذلك بأغلبية ثلثي أعضاء النواب، لذا فان عدم تحقق النصاب المذكور يجعل القانون الذي يصدر بشأن عملية المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية مشوبا بعيب شكلي يخل بدستوريته». والحقيقة أن هذا تدليس واضح من المحكمة، لأن المادة المذكورة إنما تتعلق بالتصويت على قانون ينظم التصديق على المعاهدات والاتفاقيات، وليس التصديق على اتفاقية معينة؛ وما دام هذا القانون لم يشرع بعد، فقد صادق مجلس النواب على العديد من المعاهدات والاتفاقيات بالأغلبية البسيطة وفقا للمادة 59/ ثانيا من الدستور، من بينها اتفاقية الإطار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية عام 2008، ولم يعترض أحد حينها!
والحجة الثانية التي اعتمدتها المحكمة الاتحادية، هي أن قانون المعاهدات رقم 111 لسنة 1979 (وهو قانون نافذ بموجب الدستور العراقي الذي قرر أن تبقى التشريعات النافذة معمولا بها ما لم تلغ أو تعدل، وفقا لأحكام الدستور) مخالف للدستور، وأنه «لا يمكن إعمال نص قانوني مخالف للدستور»، وهذا تدليس من وجهتين: الاولى أن قانون المصادقة على اتفاقية خور عبد الله لم يشر مطلقا إلى هذا القانون. والوجهة الثانية أن المحكمة الاتحادية نفسها ما زالت تعمل وفق قانون رقم 50 لسنة 2005 الذي يتعارض تماما مع المادة 92/ ثانيا من الدستور التي تحدثت عن محكمة اتحادية مختلقة تماما بنية وصلاحيات، ومع هذا قضت المحكمة الاتحادية نفسها في قرار سابق لها أنها مستمرة في عملها إلى حين تشريع قانون جديد للمحكمة الاتحادية الموصوفة في الدستور!
والسؤال الذي يثار هنا، لماذا لم يطعن رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء في قرار المحكمة الاتحادية هذا لحظة صدوره، بل انتظرا 18 شهرا للتقدم بطعنيهما؟ ولماذا تزامن الطعنان معا؟ ولماذا كانت صيغة الطعنين المقدمين متطابقة؛ فكلاهما رفع الدعوى ضد «رئيس مجلس النواب/ إضافة لوظيفته»، على الرغم أن الطلب الوارد في الطعنين موجه عمليا الى المحكمة الاتحادية بالعدول عن قرارها بشأن اتفاقية خور عبد الله؟ وكيف قدم هذان الطعنان مع عدم توجه الخصومة؟ والسؤال الأهم لماذا لم ترد المحكمة الاتحادية هاتين الدعوتين في الجلسة الأولى وفقا للمادة 80 من قانون المرافعات المدنية رقم 83 لسنة 1969 التي نصت على أنه «إذا كانت الخصومة غير متوجهة تحكم المحكمة، ولو من تلقاء نفسها، برد الدعوى دون الدخول في أساسها»؟
عندما تحكم الشعبوية والجهل والتدليس وتضليل الجمهور القرارات السياسية والقضائية في الدولة، فهذا تكريس لفشلها بالضرورة
تكشف الإجابة عن هذه الأسئلة، بوضوح، عن السياق السياسي الذي حكم قرار المحكمة الاتحادية بعدم دستورية اتفاقية خور عبد الله من جهة، والسياق السياسي الذي حكم الطعنين غير القانونيين الذين تقدم بهما رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، والسياق السياسي الذي جعل المحكمة الاتحادية لا ترد الدعوى «من تلقاء نفسها»، بدلا من تأجيل النظر في الدعوتين مرتين متتاليتين الى 22 حزيران القادم (والذي يرتبط باقامة القمة العربية في 17 أيار 2025)!
بعيدا عن السياقين القانوني والسياسي، رافق الحديث عن اتفاقية خور عبد الله افراط غير مفهوم في الشعبوية، وكم غير مفهوم من الجهل الذي أتاح تسويق معلومات مضللة للجمهور. فالجميع، إلا ما ندر، يتحدث عن الموضوع دون أن يكون لديهم أي إطلاع على الظروف التي أدت إلى ترسيم الحدود البرية والبحرية بين العراق والكويت، أو أي إطلاع على قرار مجلس الأمن رقم 687 لعام 1991 الذي تشكلت بموجبه لجنة ترسيم تلك الحدود، أو أدنى معرفة بتقرير تلك اللجنة، أو أي اطلاع على قرار مجلس الأمن قم 833 لسنة 1993 الذي رسم الحدود البرية والبحرية بين العراق والكويت بموجب الفصل السابع، وعلى مدى الأسابيع الماضية امتلأ الفضاء السياسي والاجتماعي بكلام عبثي عن خور عبد الله عموما!
لم يقتصر الأمر على الإعلام أو وسائل التواصل الاجتماعي، بل تصدر المشهد نواب وسياسيون يفتون بما لا يعلمون، وبحديث ينضح منه الجهل! ولعل أبرز الخائضين في هذا الموضوع، رئيس مجلس الوزراء الأسبق نوري المالكي (الذي كان رئيسا لمجلس الوزراء الذي صادق على الاتفاقية في 12 تشرين الثاني 2012) الذي استرسل في لقاء تلفزيوني على قناة «آفاق» التابعة لحزب الدعوة في الحديث حول موضوع خور عبد الله بمعلومات غير صحيحة ومضللة بينها قوله: «خور عبد الله هو خور العراق، ولن نسمح بالمساس به أبدا ومجلس الأمن قرر إعطاء الخور للكويت ولكننا استطعنا إرجاعه إلى العراق»! والحقيقة أن قرار مجلس الأمن تضمن ترسيما للحدود البحرية في خور عبد الله اعتمادا على «خط الوسط»، وأتاح أن يكون المرور الملاحي للعراق والكويت ممكنا «الى مختلف أجزاء إقليم كل منهما المتاخمة للحدود المرسومة»، وأن حرية المرور الملاحي هذه «أمر مهم لضمان الطابع العادل وتعزيز الاستقرار على طول الحدود».
إن القراءة الدقيقة لاتفاقية تنظيم الملاحة في خور عبد الله نفسها تكشف أنها كانت تتضمن تنظيم هذا المرور الملاحي بين البلدين حصرا، ولم تتضمن أي ترسيم للحدود البحرية جنوب العلامة 162 التي انتهى اليها ترسيم الحدود في قرار مجلس الأمن. فما زال هناك خلاف كبير بين العراق والكويت على ترسيم الحدود البحرية بينهما شمال الخليج العربي، وصولا إلى العلامة 162 عند مدخل خور عبد الله. ففي 7آب 2019 وجه الممثل الدائم للعراق في الأمم المتحدة رسالة الى رئيس مجلس الأمن يحتج فيها على قيام الكويت «بإحداث تغييرات جغرافية في المنطقة البحرية الواقعة جنوب العلامة 162 في خور عبد الله من خلال قيامها بتدعيم منطقة ضحلة تدعى في الخرائط «فشت العيج» وإقامة منشأ مرفئي عليها». وفي 20 كانون الثاني 2020 وجه الممثل نفسه رسالة الى الأمين العام والى رئيس مجلس الأمن يعترض فيها على المرسوم الاميري الذي أصدرته الكويت بالرقم 317 لسنة 2014 الذي رسم تلك الحدود من جانب واحد. كما نصت الرسالة على أن «ترسيم الحدود بعد العلام 162… يتطلب الانتهاء من رسم خط الأساس للبحر الإقليمي وتوثيقه لدى الأمم المتحدة». ولم يرسم العراق هذا الخط إلا في رسائل العراق الى الأمم المتحدة بتاريخ 8 تشرين الثاني 2021 وهذه الرسائل تفند تماما المزاعم التي حاول البعض تسويقها من أن اتفاقية خور عبد الله تضمنت ترسيما للحدود البحرية بين البلدين جنوب العلامة 162.
عندما تحكم الشعبوية والجهل والتدليس وتضليل الجمهور القرارات السياسية والقضائية في الدولة، فهذا تكريس لفشلها بالضرورة!
كاتب عراقي
الكاتب لم يقل لنا هل الاتفاقية التي وقعها العراق مع الكويت والغتها المحكمة الاتحادية كانت لصالح العراق ام الكويت ام منصفة للطرفين