العشائر ترى أن وضع الجامعات والقضاء والمصارف والخدمات تحت إشراف الوزارات لا يكفي، في ظل بقاء السلطة الأمنية والعسكرية والإدارية الفعلية في مناطق واسعة من المحافظة بيد «قسد».
رفعت العشائر العربية في محافظة الحسكة سقف مطالبها عبر نصب أربع «خيام حرب» في الميلبية، جنوب مدينة الحسكة، ورأس العين غرب المحافظة، وتل حميس واليعربية في ريفها الشرقي. ويحمل اختيار هذا الرمز العشائري دلالة تتجاوز الاحتجاج الاعتيادي، إذ يُستخدم في أوقات النفير والأزمات الكبرى، ويعكس شعوراً متنامياً بأن تنفيذ اتفاق دمج «قوات سوريا الديمقراطية» في مؤسسات الدولة يسير بوتيرة أبطأ من توقعات أبناء المنطقة.
ويأتي التحرك بالتزامن مع خطوات حكومية لإعادة ربط بعض مؤسسات المحافظة بالوزارات والإدارات المركزية في دمشق، شملت التعليم العالي والقضاء والمصارف والمياه. غير أن هذه الخطوات لم تنعكس حتى الآن على واقع السيطرة الأمنية والإدارية أو على أبرز الملفات العالقة لدى سكان المناطق العربية.
وعلى خط موازٍ، دخل الوفد الحكومي على خط الاحتجاج، وعقد لقاءً مع وجهاء خيمة تل حميس في محاولة لاحتواء التوتر ومنع اتساع التحركات إلى مناطق أخرى. غير أن الاجتماع لم يؤد إلى إنهاء الاعتصامات، مع تمسك المحتجين بضمانات صادرة عن مستويات أعلى في السلطة قبل تفكيك الخيام.
وعلمت «القدس العربي» من مصادر قبلية في الحسكة أن المحتجين يرفضون الاكتفاء بتعهدات الوفد الرئاسي الموجود في المحافظة، ويشترطون الحصول على ضمانات من مستويات أعلى في السلطة قبل إنهاء التحركات. وأكد أحد المصادر أن بعض الوجهاء طالبوا بحضور رئيس مجلس القبائل والعشائر، الشيخ عبد المنعم الناصيف، ومستشار رئاسة الجمهورية لشؤون القبائل والعشائر، جهاد عيسى الشيخ، المعروف باسم «أبو أحمد زكور»، للمشاركة في المفاوضات وتقديم ضمانات واضحة بشأن تنفيذ المطالب.
عودة المؤسسات وبقاء السلطة
في هذا السياق، جاءت التحركات بعد سلسلة إجراءات حكومية أعطت انطباعاً بأن عملية دمج محافظة الحسكة دخلت مرحلة التنفيذ.
وفي قطاع التعليم العالي، انتقل مسار إعادة المؤسسات إلى الإطار الحكومي نحو الجامعات، إذ زار وزير التعليم العالي والبحث العلمي، مروان الحلبي، جامعة «روج آفا» في القامشلي، وبحث ترتيبات ربطها بجامعة الفرات وإخضاع العمل الأكاديمي والإداري لإشراف الوزارة.
وامتدت الإجراءات إلى قطاعات أخرى، مع بدء العمل على تسوية أوضاع القضاة العاملين ضمن مؤسسات الإدارة الذاتية وإلحاقهم بالجهاز القضائي السوري، بالتوازي مع إعادة تنشيط فروع المصرف الزراعي وإجراء تغييرات إدارية في عدد من الدوائر الحكومية. ومن شأن استئناف عمل المصرف تسهيل صرف مستحقات مزارعي القمح داخل المحافظة. وفي ملف المياه، أعادت الحكومة تشغيل محطة علوك بعد انقطاع استمر أكثر من سبع سنوات، إلا أن الاختبارات الأولى أظهرت حجم الأضرار المتراكمة في خطوط النقل والتوزيع. ومنح حضور الوزراء والمسؤولين الحكوميين عملية التشغيل بعداً سياسياً، باعتبارها مؤشراً إلى محاولة دمشق استعادة دورها في إدارة المنشآت الحيوية والخدمات الأساسية في المحافظة.
في المقابل، رفعت هذه العودة المؤسسية توقعات السكان أكثر مما هدأت مخاوفهم. فالعشائر ترى أن وضع الجامعات والقضاء والمصارف والخدمات تحت إشراف الوزارات لا يكفي، في ظل بقاء السلطة الأمنية والعسكرية والإدارية الفعلية في مناطق واسعة من المحافظة بيد «قسد».
وتكشف التطورات عن فجوة بين مسار إداري وخدمي يتحرك بوتيرة متسارعة نسبياً، ومسار سياسي وأمني أكثر بطئاً وتعقيداً. وتخشى العشائر أن يؤدي دمج المؤسسات المدنية إلى تثبيت الوضع القائم بصيغة جديدة، من دون تغيير حقيقي في طبيعة السيطرة أو في علاقة السكان المحليين بالسلطة الموجودة على الأرض.
وتستند العشائر في مطالبها إلى اتفاق 29 كانون الثاني/يناير 2026، وتدعو إلى تنفيذه بما يفضي إلى بسط سلطة الدولة على كامل المحافظة وتفعيل مؤسساتها. ويشير ذلك إلى أن التحرك لا يعارض مبدأ التفاوض بين الحكومة و«قسد»، وإنما يعترض على بطء التنفيذ وغياب جدول زمني واضح لانعكاس الاتفاق على القرى والبلدات العربية.
ومع مرور نحو ستة أشهر على توقيع الاتفاق، ما تزال الأسئلة مفتوحة بشأن شكل دمج القوات العسكرية والأمنية، ومصير الإدارات المحلية، ووضع المعتقلين، وعودة المهجّرين، وطبيعة مشاركة أبناء المنطقة في المؤسسات الجديدة.
وتتعامل العشائر مع عامل الوقت بوصفه مسألة حاسمة، إذ قد تتحول الخطوات التي يجري تثبيتها حالياً إلى جزء دائم من الترتيبات المقبلة. لذلك تسعى إلى إدخال مطالبها في المفاوضات قبل اكتمال إعادة هيكلة مؤسسات المحافظة، وضمان عدم اقتصار الاتفاق على تفاهم ثنائي بين دمشق وقيادة «قسد».
عودة المهجّرين والخدمات المتعثرة
في صدارة المطالب يأتي ملف المهجّرين العرب من حيي غويران والصالحية في مدينة الحسكة، ومن قرى قبيلة حرب جنوب مدينة القامشلي، إلى جانب سكان قرى في منطقة رأس العين ما تزال «قسد» تسيطر عليها.
ويرى وجهاء العشائر أن معالجة الملف يجب أن تجري بصورة جماعية ومنظمة، أسوة بقوافل المهجّرين الذين جرت إعادتهم إلى منطقة عفرين، مع تقديم دعم مالي للعائلات العائدة. ويطالبون بمنح كل أسرة عائدة مبلغاً يصل إلى ألفي دولار، لمساعدتها على تأمين احتياجاتها الأساسية وإصلاح منزلها بعد سنوات من التهجير.
ويربط المحتجون قضية العودة بمستقبل السيطرة والوجود السكاني في المناطق المتنازع عليها، ولا يتعاملون معها بوصفها ملفاً إنسانياً منفصلاً. فاستمرار منع المهجّرين من العودة، بالتزامن مع تقدم خطوات الدمج المؤسسي، يثير مخاوفهم من تثبيت الأوضاع التي نشأت خلال سنوات الحرب وتحويلها إلى أمر واقع دائم. كما يطالب المجتمعون بإطلاق سراح المعتقلين لدى «قسد»، وإزالة القيود الأمنية التي تحول دون عودة بعض العائلات إلى قراها وأحيائها، وتعزيز الأمن والاستقرار، وتسليم إدارة المناطق العربية إلى مؤسسات الحكومة السورية.
وعلى صعيد الخدمات، يحتل التعليم موقعاً متقدماً في مطالب العشائر. وبحسب مصادر في الحسكة، انقضت السنة الدراسية الأخيرة في مناطق من المحافظة من دون استكمال العملية التعليمية بصورة منتظمة، أو افتتاح المدارس والتوصل إلى صيغة واضحة بشأن المناهج والجهة المشرفة عليها.
ويخشى الأهالي استمرار تعطل التعليم خلال العام الدراسي المقبل، الذي يبدأ في أيلول/سبتمبر، في حال عدم التوصل إلى ترتيبات تنفيذية قبل موعد افتتاح المدارس. وقد يواجه عشرات الآلاف من الطلاب سنة دراسية جديدة من الاضطراب، في ظل غياب الوضوح بشأن المناهج والمدرسين والاعتراف بالشهادات.
لذلك يطالب المحتجون بعودة وزارة التربية إلى الإشراف المباشر على المدارس، وتأمين الكوادر والكتب والمستلزمات التعليمية، وتوحيد المناهج والجهات المسؤولة عن العملية التعليمية، لتجنب ضياع سنة دراسية أخرى على الطلاب.
وإلى جانب التعليم، يعاني سكان الحسكة من صعوبات في استخراج الوثائق الرسمية، ولا سيما بيانات القيد المدني وإخراجات القيد الفردية والعائلية. ويضطر عدد من الأهالي إلى السفر إلى محافظتي دير الزور والرقة للحصول عليها، بسبب تعطل المراكز الرسمية أو عدم ربطها بصورة كاملة بالسجلات المركزية.
وتفرض هذه المشكلة على السكان تكاليف إضافية ووقتاً طويلاً لإنجاز معاملات يفترض أن تكون متاحة داخل المحافظة، خصوصاً أن الوثائق المدنية ترتبط بالتسجيل في المدارس والجامعات، والتوظيف، وإثبات الملكية، والحصول على جوازات السفر، وإنجاز معاملات الزواج والولادة والميراث.
وعليه، يطالب الوجهاء بإعادة تشغيل دوائر الأحوال المدنية والسجل المدني في مختلف مناطق الحسكة، وربطها بوزارة الداخلية، وتسهيل استخراج الوثائق من مراكز قريبة من أماكن إقامة السكان، باعتبار ذلك جزءاً أساسياً من تفعيل مؤسسات الدولة.
البطالة ومصير المقاتلين العرب
اقتصادياً، تشكل البطالة سبباً إضافياً لتصاعد الاحتقان، في ظل ضعف فرص التوظيف والاستثمار وتراجع النشاطين الزراعي والخدمي في المناطق العربية.
ويرى المحتجون أن عودة مؤسسات الدولة يجب أن تترافق مع فتح باب التوظيف أمام أبناء المحافظة، والاستفادة منهم في المؤسسات المدنية والخدمية والأمنية، وألا تقتصر عملية الدمج على تغيير أسماء الإدارات والمسؤولين من دون معالجة الأوضاع الاقتصادية للسكان.
وفي صلب هذا الملف، يبرز مصير المنتسبين العرب الذين كانوا يقاتلون سابقاً في صفوف «قسد». وبحسب مصادر محلية، رُفض انضمام عدد منهم إلى ملاك وزارتي الدفاع والداخلية، رغم تركهم التشكيلات السابقة ورغبتهم في تسوية أوضاعهم والالتحاق بالمؤسسات الحكومية.
ويثير رفض انضمامهم مخاوف من بقائهم من دون دخل أو وضع وظيفي وقانوني واضح، ولا سيما أن العمل ضمن التشكيلات العسكرية كان أحد مصادر الدخل القليلة المتاحة لكثير من الشبان خلال السنوات الماضية. وترى العشائر أن استبعاد هؤلاء، أو التعامل معهم بصورة مختلفة عن بقية المنتسبين، قد يفاقم الشعور بالتهميش ويزيد الضغوط الاجتماعية على عائلاتهم.
لذلك يطالب الوجهاء بوضع آلية واضحة لدراسة ملفاتهم، ودمج من تنطبق عليهم الشروط في وزارتي الدفاع والداخلية، أو توفير وظائف مدنية بديلة لهم، ضمن تسوية تحول دون تحول الملف إلى مصدر جديد للتوتر.
أربع خيام وضغوط للاحتواء
أما على المستوى العشائري، فتستمد تسمية «خيمة الحرب» ثقلها من العرف القبلي، إذ تُقام عندما تريد العشيرة جمع وجهائها وأبنائها حول موقف موحد، ورفع درجة الاستعداد في مواجهة أزمة تمس أمنها أو حقوقها. ويعكس اللجوء إليها رغبة منظمي التحرك في إظهار أن مطالبهم تجاوزت حدود الاحتجاج المحلي المعتاد.
كما منح انتشار الخيام في أربع نقاط متباعدة جغرافياً التحرك طابعاً أوسع من احتجاج محدود في بلدة واحدة، وأظهر تقاطع المطالب لدى مجموعات عشائرية في مناطق مختلفة من المحافظة.
ورغم رمزية الاسم، لا تشير المعطيات المتاحة حتى الآن إلى قرار بالانتقال نحو مواجهة مسلحة. فقد استقبل المجتمعون الوفود الحكومية وعرضوا مطالبهم عليها، ما يؤكد أن الخيام ما تزال أداة للضغط والتفاوض.
وفي المقابل، تجري مشاورات للإبقاء على خيمة مركزية واحدة في الميلبية وإزالة الخيام الثلاث الأخرى، استجابة للضغوط التي مارسها الوفد الرئاسي الموجود في المحافظة. غير أن المحتجين يربطون الموافقة على ذلك بالحصول على ضمانات واضحة من جهات أعلى، ويرفضون إنهاء التحركات استناداً إلى وعود الوفد وحده.
ومن جهتها، تسعى الحكومة إلى منع تحول الاحتجاجات إلى تعبئة ميدانية يصعب ضبطها، خصوصاً في منطقة تتداخل فيها الانتماءات العشائرية وخطوط السيطرة والملفات الأمنية. كما تحاول الحفاظ على مسار التفاهم مع «قسد»، وتجنب مواجهة قد تعطل خطوات الدمج التي بدأت في المؤسسات المدنية والخدمية.
غير أن الضغط لإغلاق الخيام، من دون تقديم استجابة واضحة للمطالب السياسية والخدمية والاقتصادية، قد يدفع إلى تجدد الاحتجاجات بأشكال أخرى. فجوهر الخلاف يرتبط بمن يملك السلطة على الأرض، وما إذا كانت عودة الدولة ستشمل الأمن والإدارة والخدمات، إلى جانب المؤسسات التي بدأت الحكومة بإعادة تشغيلها.
وفي المحصلة، تحمل «خيام الحرب» رسالة ضغط مزدوجة؛ فهي موجهة إلى «قسد» باعتبارها الجهة المسيطرة على القرى والأحياء التي يطالب المجتمعون باستعادتها، وموجهة إلى الحكومة السورية لحثها على تسريع التنفيذ، وتوضيح ما إذا كان دمج المؤسسات مقدمة لبسط سلطتها الكاملة، أم صيغة للإبقاء على بنية السيطرة القائمة مع إدخال تعديلات إدارية عليها.
وتتحرك العشائر خشية أن تسبقها الترتيبات، وأن يجري رسم مستقبل المحافظة من دون مشاركة حقيقية منها. وتعكس الخيام انتقالها من الانتظار إلى الضغط العلني على طرفي اتفاق الدمج، ورسالة إلى دمشق بأن عودة الدولة ستُقاس بما تحققه في حياة السكان وواقع مناطقهم.