دراما الحزن والفرح

ماهر زهدي كاتب وصحافي من أجمل وأدق من تقرأ لهم. منذ سنوات راح يكتب كتبا رائعة عن نجوم من حياتنا الفنية عبر التاريخ، مثل «فيلسوف الضحك والبكاء نجيب الريحاني»، و»ملك حزين.. إسماعيل ياسين» و»أميرة الحب والأحزان أسمهان». أيضا هو كاتب سيناريو كتب أفلاما قصيرة ومسلسلات. خطفتني كتب ماهر زهدي، لأني وجدت في ما يكتبه من سيرة، كيف يتحقق البحث التاريخي والاجتماعي للبلاد من ناحية، ومعرفة دقيقة بحياة من يتحدث عنهم من ناحية أخرى، وتتميز بشكلها الفني، الذي يجعل منها سيرة درامية بلغة أصحابها. هذه السيرة التي تحمل عنوان «الملاك الضاحك.. ماري منيب» صادرة عن مجموعة بيت الحكمة للصناعات الثقافية العام الماضي 2025.

ماري منيب من أصول لبنانية، ولدت عربية الملامح، تشبه بيروت في نضارتها وثلوجها البيضاء، وتشبه القاهرة بدفئها وخفة دمها. نظرة على لبنان وكيف كان يعاني في بدايات القرن العشرين من نير الاستعمار العثماني ثم الفرنسي، والتدخل الإنكليزي.
يأتي الحديث عن والدها سليم حبيب نصر الله فندخل في حياتها. كان دارسا للاقتصاد وعمل في أكبر مصارف بيروت، ولعب ألعابا كثيرة مثل، المراهنات على الخيل أو لعب القمار. حكاية زواجه من أمها «قاسمة»، التي أنجبت ابنتين، الأولى هي أليس والثانية ماري، بعدها عام 2002. خسر الأب سليم كثيرا في لعب القمار، فسافر إلى مصر حيث الأرباح من المُضاربة في البورصة، ليستعيد التوازن ويستعيد أموالا تكفي الأم والبنتين. انقطعت أخباره عن أسرته وعاد إلى بيروت، في الوقت الذي قررت زوجته السفر إلى مصر بابنتيها للبحث عنه. كل منهما ركب البحر في اتجاه مختلف تقريبا في اليوم نفسه فلم يلتقيا. ذهبت الأم قاسمة بابنتيها إلى خالها نبيه بك الذي يعيش في القاهرة، ومات الأب بعد ذلك في بيروت. كان الأب سليم قد ترك خمسمئة جنيه وديعة في البتراخانة. ووجد لها خالها شقة في شبرا. كان عائد الخمسمائة جنيه ست جنيهات في الشهر. تستمر الحياة مع عمل الأم في التفصيل والكانفاه وغيره. ألحقت ابنتيها إليسا وماري بمدرسة الراهبات في شبرا. كسبت الأم زبائن في الحياكة وذاع صيتها. هنا تأتي النقلة الجديدة. يحضر إلى البيت شخص هو جبران ناعوم ليتسلم ثوبا حاكته الأم. هو يعمل مشخصاتي في جوقة أو فرقة «أبو الكشاكش»، أي نجيب الريحاني. كانت أليس في عامها الرابع عشر وماري في عامها الثاني عشر، ومصاريف الدراسة والحياة أثقل من الأم وما تكسب، ولم تكمل الفتاتان تعليمهما، فأخذ المشخصاتي أليس وماري لتعملا في التمثيل عند الريحاني.

حين عرضهما جبران على الريحاني قال له الريحاني «انت اتجننت.. دول ملسوعين قوي يا دوب أعمل بيهم ملوخية واتغدى بيهم». لكنه يعجب بماري ويسميها «مرمر» ويقول لها «لما تكبري وتختخي تعالي وانا أشغلك». يأخذهما جبران للعمل في فرقة على الكسار. انفتح الباب لماري وأختها للظهور، وولدت ماري مع علي الكسار، الذي كان يقول لها» انتي طلعتي داهية وانا كنت فاكرك طيبة وغلبانة». أحقاد ممثلين وممثلات عليها بسبب اهتمام علي الكسار بها، فأوقعوا بينهما واستغني عنها وعن أختها أليس. يأتي عام 1917 والمقاومة في مصر وسعد زعلول والحركة الوطنية. كانت ماري قد تدربت على الغناء، فصارت تغني في ملهى بديعة مصابني، حتى ذاع اسمها. هنا تلتقي بالممثل فوزي منيب الذي خطف قلبها، رغم حب بشارة واكيم، الذي صارت تعمل في فرقته، لها، وطلبه من أمها خطبتها، هنا تأتي نقلة جديدة.
تتزوج فوزي منيب وتحمل اسمه. فتصبح ماري منيب. أسس لها فوزي منيب بيتا في شبرا. ذاقت السعادة معه. كانت أختها أليس قد تزوجت من المحامي فهمي عبد السلام. وضعت أليس مولودها الأول، كذلك أنجبت ماري ابنها الأول فؤاد. دنيا المسرح والمنافسات بين رموزه، وكيف كوّن فوزي وماري فرقة مسرحية. مع بداية الثلاثينيات والكساد الاقتصادي في العالم ومصر، شهد المسرح كسادا أيضا، وعرفت ماري منيب بخيانة زوجها لها. تم الطلاق بينهما ومعها طفلان منه. عملت بعد أن تجاوزت الأزمة مع فرقة رمسيس ليوسف وهبي. لازمها الحزن بسبب وفاة أمها. انضمت لفرقة الريحاني عام 1933. هنا نقلة جديدة تعلمت فيها الشكل الحقيقي للكوميديا. رشحها بشارة واكيم لمخرج سينمائي يوناني هو موريس أبتمان، يعيش في مصر في فيلم عنوانه «ابن الشعب»، ورأت نفسها لأول مرة على شاشة السينما عام 1934 ولم تصدق. مرضت أختها ورحلت فأصابها حزن كبير. مع كل نقلة جميلة يقفز الحزن. أخذت ابن وبنت أختها ليعيشا في رعايتها مع ابنيها. كانت في الرابعة والثلاثين، واختها رحلت في الخامسة والثلاثين فأصابها هلع أن تموت قبل أن ينضج الأطفال. صارت تعمل في مسرح رمسيس نهارا مع يوسف وهبي، وفي مسرح الريحاني ليلا، وقبلت أدوارا صغيرة في السينما، من أجل جمع المال. اشتهرت بدور الحماة النكدية وهي الأم الطيبة، والحماة الرائعة أيضا في ما بعد.

مع بداية عام 1937 تم ما لم تفكر فيه، وهو الزواج من زوج أختها. اتفقا على أن يظل اسمها يحمل لقب منيب من زوجها السابق، فصعب تغييره الآن بعد شهرتها. انتقلت معه إلى فيلا في روض الفرج ومعهم الأبناء الأربعة كأنهم ابناؤهما. هنا وجدت ماري منيب عالما آخر من الجمال في الطيور والحيوانات، فصارت تربي القطط والكلاب والدجاج والبط في خلاء الفيلا، وباتت الطيور والحيوانات تملأ حياتها إلى جوار الأبناء. صارت حبيبة القطط الشاردة في الشوارع تقدم لها الطعام. جاءتها العروض السينمائية من مخرجين مثل، كمال سليم في فيلم «العزيمة» وأصبحت حديث الصحف. هنا أشهرت إسلامها فصار اسمها الرسمي أمينة عبد السلام، وظل اسمها الفني كما هو. تتالت الأفلام فصارت تقدم أربعة أو خمسة منها كل عام. في عام 1945 قدمت مع الريحاني مسرحية «إلا خمسة» الشهيرة. كانت شخصية «شماردار هانم» التي كتبها بديع خيري والريحاني مذهلة لها وللجمهور. في عام 1946 جاءتها أول بطولة مطلقة مع فيلم» النفخة الكدابة» الذي أخرجه أحمد بدرخان. في عام 1948 مات فوزي منيب الحبيب الأول وبكته كثيرا رغم خيانته لها. أخذتها الأفلام عن الحزن وعرفت بأمر فيلم «غزل البنات». كانت تنتظر أن يأتيها دور فيه، لكن الدور ذهب لفردوس محمد. عاتبت الريحاني ولم تعرف لماذا كان لديها إصرار أن تشارك الريحاني في الفيلم، إلا يوم عرض الفيلم من دون حضور نجيب الريحاني، الذي رحل عن الدنيا قبل نهاية الفيلم. كانت صدمتها مروعة. عاشت مع الطيور والحيوانات تطلق عليها أسماء الفنانين فالديك المنفوش المزهو بنفسه هو يوسف وهبي، والديك الرومي طويل الرقبة هو سراج منير، والبطة الثمينة هي ميمي شكيب وهكذا. عادت الي السينما وكانت البطلة المطلقة لفيلم «أم رتيبة». عادت إلى المسرح مع مسرحية «إلا خمسة» ومثل معها عادل بديع خيري، بدلا من الريحاني الذي رحل، وحققا نجاحا فائقا. لكن الشاب الموهوب عادل خيري يرحل فجأة بالمرض اللعين، وتتوقف فرقة الريحاني.

يظهر في الصورة فريد شوقي وتعود فرقة الريحاني وينجح فيها فريد شوقي. تزدهر الفرقة ويكرمها جمال عبد الناصر في عيد الفن عام 1966.هكذا تستمر مع نجاحاتها الفائقة لتتوقف في النهاية، ويأتي موتها دراما مثل كل حياتها، فبعد عرض مسرحية «خلف الحبايب» دعت أولادها الأربعة وزوجاتهم وأولادهم، لمشاهدة المسرحية في الحادي عشر من يناير/كانون الثاني 1969. أصرت أن تأخذهم إلى بيتها في شبرا، وظلوا طول الليل يضحكون وتضحك، لتفاجئها نوبة قلبية حادة، فتسلم روحها بينهم قبل أذان فجر الثاني عشر من يناير. رحلت بعد أن تركت وراءها أكثر من مئة فيلم، وحوالي ستين مسرحية مصورة، وأكثر من خمسة أضعاف هذا الرقم لم يتم تصويره. ينتهي الكتاب الحافل بتفاصيل متحركة تأخذ القلب والعقل يعجز المقال عن إحصائها.

كاتب مصري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية