تطورات سريعة حصلت هذه الأيام في ليبيا، أدت للعودة مرة أخرى إلى الحديث عن الحل السلمي التفاوضي، لم تكن ممكنة إلا بعد الهزائم المتتالية التي منيت بها قوات حفتر في غرب ليبيا، والتي أدت إلى خروجه من كل المدن التي دخلتها قواته، بدءا من ضواحي طرابلس العاصمة.
شبه انتصارات عسكرية مؤقتة، أقنعت حفتر، برفض الحل السلمي والجلوس إلى طاولة التفاوض، بعد التقدم الذي قامت به قواته في مدن غرب ليبيا، وصولا إلى ضواحي طرابلس، واحتلال مدن ترهونة، وقبلها بني وليد وسرت. شبه انتصارات عسكرية أقنعت هذا القائد العسكري المتقاعد، برفض اتفاقية الصخيرات، ونفض يديه من المسار التفاوضي الدولي، بعد سكرة هذه» الانتصارات» العسكرية في الغرب البعيد، لابن أجدابيا الأمريكي، المتعود على الهزائم والانكسارات، منذ مسلسل حرب تشاد.
هزائم انطلقت، بعد أن فرضت قوات حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا، على حفتر الخروج من قاعدة الوطية العسكرية الاستراتيجية، بالقرب من الحدود التونسية، وصولا إلى الاندحارات التي يمكن أن تبعده نهائيا عن كل المنطقة الغربية، في انتظار الحسم في المنطقة الشرقية. دروس عديدة أبانت عنها مغامرات حفتر في الغرب الليبي البعيد، لها علاقة بما يحكم السياسي والعسكري في ليبيا، لا تفسر فقط بموازين القوى العسكرية والسياسية التي افرزتها معارك الأسابيع الأخيرة، بل بما هو أعمق في الحالة الليبية، مرتبط بالجغرافيا والديموغرافيا، والكثير من المتغيرات المتحكمة في الوضع الليبي الصعب والمتقلب. أهم درس تُعلمه لنا جغرافية ليبيا، أن الحسم العسكري على الأرض في هذا البلد الصحراوي الشاسع، غير ممكن لقوات عسكرية، هي أقرب لميليشيات أحياء وحوار تتنقل من أماكن بعيدة، من دون تدخل أجنبي على الجو، كما حصل في تدخل قوات الناتو ضد القذافي، وكما يحصل هذه الأيام من قبل القوات التركية، ضد قوات حفتر، التي لا تنفيها حكومة الوفاق. وكما حصل في السابق مع تدخل القوات الإماراتية لصالح قوات المشير المتقاعد، تأكيدا للواقع الذي يقول إن ليبيا لا تملك جيشا بعد مرور القذافي وحفتر، يمكن التعويل عليه لحسم الأمور العسكرية.
بمعنى آخر موازين القوى الحالية بين أطراف الصراع، غير قابلة للحسم على هذه الأرض الصحراوية الواسعة، بدون تدخل أجنبي جوي، يمكن أن يكون مفعوله سريعا على الأرض، لكنه يبقى مفعولا غير دائم وهشا بدون حسم أمره على الأرض، من قبل قوات برية كبيرة ومنضبطة، تستطيع ليس الاستيلاء على مدن وضواحي مدن، كما هو حاصل حتى الان، بل تأمين هذه الانتصارات العسكرية السريعة التي تحسمها القوات الجوية على الأرض. لتتحول إلى انتصارات دائمة، يمكن البناء عليها سياسيا.
الحسم العسكري بشكله الهش المعتمد على الخارج وعلى الجو، لا يبني سلاما ولا يؤدي لبناء مؤسسات الدولة الجديدة في ليبيا
القبول بهذا الدرس الأول معناه القبول بتبعاته السياسية وحتى العسكرية المرعبة. من بينها نوع من حتمية التدخل الأجنبي لحسم المعارك، على الأقل في مراحل معينة، يمكن أن يفكر البعض في تحويله إلى حضور دولي طويل المدى، أو متوسط المدى في أحسن السيناريوهات، كما بدأت تدل على ذلك بعض المؤشرات – وصول طائرات روسية من سوريا ـ ليتحول هذا التدخل إلى تواجد على شكل قواعد عسكرية دائمة للقوات الدولية، لا يمكن أن يتم القفز عليها كاستراتيجية عسكرية في هذا البلد- القارة الصحراوي، لمن أراد السيطرة والبقاء، وحسم الأمر على المستوى السياسي مع الوقت. لنكون بذلك أمام الدرس المرعب الثاني المستخلص من هذه الحالة الليبية المتميزة بجغرافيتها الصعبة وديموغرافيتها الأصعب. الحسم العسكري بشكله الهش المعتمد على الخارج وعلى الجو، لا يبني سلاما ولا يؤدي بالضرورة إلى استقرار وبناء مؤسسات الدولة الجديدة في ليبيا التي يطالب بها المواطن، في مجتمع مازالت فيه الانتماءات ما قبل الوطنية قوية وحاضرة، بل استفزت أكثر، جراء الازمة الأمنية والسياسية المستمرة منذ أكثر من عقد من الزمن. فليبيا لا تعاني فقط من هشاشة عمقها السوسيولوجي الذي يظهر على شكل انقسامية كبيرة للنخب، واستمرارية للبعد القبلي الذي تحفزه بشكل دوري الأزمات من كل نوع، بل تعاني كذلك من الضعف الديموغرافي البشري، بكل ما يترتب عنه من تبعات وأطماع في إقليم جغرافي يعرف الكثير من التحديات، كما بينته الهجرة الافريقية إليها ومنها. موقع جغرافي بين أغنى دول العالم على الضفة الشمالية للمتوسط، وأفقرها في الساحل الافريقي، زاد في تأكيد مكانة ليبيا كممر عبور تاريخي بين المغرب ومصر من جديد، كمنطقة فاصلة بين آكلي الكسكسي وآكلي الرز، كما يحيل إليه الكثير من الفروق بين أبناء الغرب والشرق داخل ليبيا نفسها، على أكثر من صعيد.
ضعف ديموغرافي مقرون بشاسعة جغرافية، وهشاشة سوسيولوجية، وأطماع دولية، يمكن أن يتولد عنه أسوأ السيناريوهات وأكثرها رعبا، إذا لم يحصل التوافق المطلوب بين القوى الشعبية الحية في هذا البلد، ودول المحيط الإقليمي الذي لم تقم بما عليها من واجبات حتى الآن، لأسباب موضوعية، كما كان الحال في تونس والجزائر، مقابل الجهة الشرقية التي لعب فيها النظام المصري دور العراب لقوى خليجية متنمرة. ذكرتني أكثر من مرة بالدور الذي حاول تأديته تاريخيا محمد علي باشا، بطلب من قوى أوروبية استعمارية في المنطقة المغاربية، على شاكلة مشروع احتلال الجزائر لصالح الفرنسيين الذي كلف بتأديته. في حين أن المطلوب من هذه القوى الإقليمية شرقا وغربا، بالتعاون مع دول الضفة الشمالية للمتوسط من جيران ليبيا، هو التعاون أكثر لإيجاد هذا الدعم الدولي الذي مازالت في حاجة إليه ليبيا، لإخراجها من منطق هذه السيناريوهات المرعبة، الذي قد يزيد في ترسيخه التكالب الدولي على ليبيا، مازال ينظر اليها البعض كمنطقة عبور صحراوي فارغة، لكنها غنية، بين المنطقة المغاربية ومصر.
تدخل إقليمي سياسي أكثر من ضروري حتى يتم إبعاد أكثر السيناريوهات رعبا، وهو أن يتحول التقسيم إلى قناعة شعبية تترسخ مع الوقت، نتيجة عدم قدرة النخب العسكرية والسياسية على حسم الأمور، بعد أن تكتفي بما ملكت أيمانها، من تراب وبشر ومال، في هذه الجغرافيا الواسعة والديموغرافية الضعيفة، ليتم في الأخير نسيان مشروع بناء الدولة الوطنية الموحدة والمستقلة. مشروع غير قابل للتجسيد الا بالعودة إلى الحوار الوطني بين الليبيين أنفسهم، بحضور قوي لدول المحيط، كما بدأت توحي بذلك بعض المؤشرات في الجزائر وتونس، التي من مصلحتها الوطنية – وليس مصلحة ليبيا فقط – أن يستقر هذا البلد الشقيق، ويستعيد عافيته ويبتعد فيها عن هذه السيناريوهات المرعبة.
كاتب جزائري
لو لعبت الجزائر الدور المنوط بها جيواستراتيجيا بما وصلت ليبيا إلى هذا الوضع. الجزائر أهملت ليبيا كعمق استراتيجي وبوتفليقة حجم بقر الجزائر الدبلوماسي والأمني مما سمح لدويلات بأن تاتي من الخليج وتتدخل وهذا خطأ جيوستراتيجي كبير.
المغرب قدم مبادرة “الصخيرات” ومصر قدمت “المبادرة المصرية-الاماراتية-الفرنسية” لحل الصراع، ألا يحق للجزائر و/أو تونس تقديم مبادرتهما ثم وضع تلك المبادرات في الميزان الاقليمي بل والميزان الليبي للخروج بحل سلمي دائم وعادل ومنتج للشعب الليبي والشعوب المجاورة دون تدخل أجنبي(غربي أو عربي). ألم يحن الوقت ليأخذ أبناء الشمال الافريقي مصيرهم بأيديهم بعيدا عن الغرباء والعرابيين العرب. لايجب أن يكون مصير الليبيين في يد غير اللبيينأساسا وأبناء الجيرة اكمالا.
الجزائر قدمت مبادرة الحوار بين الأشقاء.