دفاعاً عن كورونا…

حجم الخط
14

أنا لا أكره أي كورونا أو كوروني، ليست عندي تجاههم أيُّ مشاعر سلبية، فما هو ذنبهم في ما ينسبُ إليهم من جرائم قتل المئات بل الآلاف من البشر، وفرضِ حظرِ تجوال على عشرات الملايين، وحجز الناس في الحجرات على البواخر، وفي المطارات، وتفتيشهم تفتيشاً مجهرياً، ليس فقط بفكِّ الحزام وإنزال السروال والتحسُّس على ثنِيّات الجسد، بل فحص لعابهم ودمائهم وحرارة أجسادهم.
هذا لا يعني أنني أحب الكورونا، علّمتني التجارب أن لا أقع في فخّ الحب بسهولة، ولكن أحاول أن أكون عادلاً قدر الممكن، لتبرير ما يقال عن مواليد برج الميزان بأنهم يسعون إلى العدل.
لو حاكمنا هذا الفيروس محاكمة عادلة، لتساءلنا أولاً، كم يصرف البشر على الأبحاث الصحيّة وخصوصاً الدول العظمى، مقابل صرفهم على التسلح والأبحاث البيولوجية السريّة والعمليات العسكرية؟
ما ذنب هذا الفيروس إذا كان بعضهم يتباهى بملكيته لأسلحة بيولوجية، فأقاموا لها المعاهد والأبحاث وجرّبوها على الإنسان والحيوان؟
كورونا لم يقتل أحداً مع سبق الإصرار والترصّد،
كل ضحاياه سقطوا بصورة عفوية، بلا تخطيط وهو لا يعرف عنهم شيئاً، ولا يحمل لهم أي ضغينة، ولم يوجّه صواريخه عبر مئات الكيلومترات للقتل، هو لم يُخرج أحداً من بيته كي يطلق عليه الرصاص في الشارع أمام زوجته وأطفاله وأبناء حارته.
من حق كورونا أو غيره من الفيروسات أن يكافح للحصول على مناعة في مواجهة اللقاحات، فهو مسؤول عن صحته مثل أي كائن آخر، أم تتوقعون منه أن يقف مكتوف الأيدي وأنتم تحاولون إبادته؟
ليس ذنب كورونا أن مناعة البشر ضعيفة، وليعرف كل كائن حجمه الحقيقي في هذا الكون.
كورونا ليس كله شرّيراً، هناك كورونا ينادي بالتعايش السّلمي بين مختلف الكائنات ولكنكم لم تسمعوه.
كورونا ليس رئيس دولة ولا رئيس عصابة،
ليس جمهورياً شعوبياً ولا مَلكياً ولا فوضوياً ولا ديمقراطياً، كورونا ليس مؤمناً وليس كافراً، هذه قيم من اختراعكم أنتم.
كورونا لا يملك جواز سفر ولا جنسية، ولا يعترف بالحدود السياسية أو الجغرافية، فهذا شأن بشري، فلا يميّز بين صيني وياباني أو بين عربي ويهودي، وأبيض وزنجي، ورجل وامرأة، وفقير وغني، وصهيوني وماسوني وفلسطيني ولا غيره، باختصار، كورونا ليس عنصرياً كما هو حال مليارات من البشر، فعنده كل الخلايا الحيوانية سواسية.
كورونا لا يدري لماذا سمّوه بهذا الاسم، ويستغرب حين يسمع من يقول بأنه جاء كي يثأر لضحايا عقيدة ما ضد سياسة ما، فهو لا يتدخل في السياسة ولا في الصراعات العقائدية بين الأنظمة والأمم، هذا شأن بشري خالص.
كورونا لا يضطهد أحداً بسبب انتمائه البيولوجي.
لا ذنب لكورونا في الحرب الاقتصادية الدائرة بين أمريكا والصين، فهذه موجودة قبل ظهوره بعقود، وهو لا يلعن ولا يبارك وقوف أمريكا على الحياد كأن ما يحدث في الصين لا يعنيها، فهو قد ينتقل إلى أي بقعة على الكرة الأرضية بكل بساطة، ولا أحد يستطيع إسقاطه بصاروخ بتريوت أو إس 400 ولا غيرهما.
كورونا لا يرغب أن يكون سبباً في كارثة تاريخية لشعب الصين العريق، ولا يحب أن تصبح المدن التي تزوّد البشرية بكل أنواع البضائع قاعاً صفصفاً، لا يريد أي علامة فارقة سوداء في تاريخ الصين والبشرية، ولكن عليكم إنتاج اللقاح المناسب لوقفه، كذلك فهو يعدكم باستراحة المحارب في الصيف القريب.
ما يثير الابتسام هو ما أصاب بيرة كورونا المكسكية، فقد هبطت مبيعاتها بعشرات النسب المئوية في الشهرين الأخيرين في فلسطين التاريخية وخصوصاً في منطقة تل أبيب والساحل.
البشر جبناء يا سعادة الفيروس، يخافون من زجاجة صفراء عليها ورقة تحمل اسمك، يتطيّرون من الاسم، وهذا من حظ شركات ومستوردي أصناف الجعّة الأخرى.
بُحّت أصوات مسوّقي جِعّة الكورونا وهم يحاولون إقناع الناس بأن لا صلة قرابة بينهم وبين سعادته، ولكنهم مثل حرس الموانئ في أوطان القمع والاحتلال، يحاسبون الناس على تشابه الأسماء.
قررت منظمة الصحة العالمية أن تسميه كوفيد 19 (COVED19)، وهو اختصار لكلمات مرض فيروس كورونا 19،عام اكتشافه، كي لا يوسم بلدٌ أو شعب أو حيوان أو منتج زراعي أو صناعي باسم الفيروس فيضر به، فلا تقُلْ هذا فيروس الصين رفقاً بأمة المليار ونصف المليار، ولا تقل فيروس الوطواط.
في هذا السياق، وجدت الوطاوط نفسها متورطة في المعمعة، من حقها أن تغتاظ، هذا اللبون الوحيد الذي يطير، أو الطائر الوحيد المرضع، لا يكفي أنهم يصنعون منه حساءً، فقد اتهموه برعاية الفيروس وحضانته، لن نناقش أنواع طعامهم، فهذا شأنهم، ولكن في بعضها غرابة لا تحتملها أذواقنا هنا، نحن أحفاد الحضارات القديمة في المنطقة العربية وجوارها.
الوطواط لا نلتقيه إلا نادراً وفي الأمكنة المهجورة، وفي وطننا الكثير من هذه الأماكن، آخر مرة رأيت أعداداً كبيرة منه كانت في كنيسة مهجورة في بلدة البصة المهجّرة شمال فلسطين، استخدمتها جارتهم القرية التعاونية (بتْسات) كحظيرة للأبقار.
عندما دخلتُ الكنيسة، ألقيت كتلة جافة من رجيع ذوات الظلف على زاوية من السّقف، انزعج جمهور الوطاوط وطار المئات منها في حركة احتجاج قوية، وبدفعة واحدة مع صرخة حرب ونزال، وبدت لي كأنها تستعد للإغارة عليّ، وقفز في ذاكرتي مشهدٌ هيتشكوكي مرعب، فقفزت قفزاً خارجاً من الكنيسة إلى الفضاء المفتوح الرحب لأتنفس الصعداء.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الكروي داود النرويج:

    هناك موديل قديم من سيارات تويوتا إسمه كرونا! يقال بأن البعوض والغربان هاجمت بعض المدن الصينية قبل إسبوع!! ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. يقول اكرم خلف عراق:

    استاذ كيوان انت مبدع، تملك خيال وحكمة، انصفت كورونا وقلت كلمة حق نعم بشريتنا اقسى واعنف من هذا الفيروس.

  3. يقول كمال - نيويورك:

    مقال رائع و من أجمل ما قرأت حديثًا، يختلط فيه الخيال بالوقع المرير و الجهل بالعلم. اعجبتني جدا هذه العبارة: ” يحاولون إقناع الناس بأن لا صلة قرابة بينهم وبين سعادته، ولكنهم مثل حرس الموانئ في أوطان القمع والاحتلال، يحاسبون الناس على تشابه الأسماء”.

  4. يقول سوري:

    إن من هو أخطر من فيروس كورونا هو من استخدم سلاحا نوويا لقتل مئات الالاف من الابرياء اليابانيين، والفيتناميين، والكوريين، والألمان، والعراقيين، والليبيين.. وسواهم من المجرمين كبشارون الكيماوي، وكل من تلوثت يده بقتل اليمنيين، وسواهم

  5. يقول رائده أبوصوي/ القدس:

    1362 ضحايا فيروس الكورونا !!!
    حتى هذه اللحظة .
    اللهم اني اعوذ بك من البرص والجنون والجذام ومن سيء الاسقام .
    في هذا المقال براءة للكورونا . نحن نعيش على ارض واحدة وتحت سماء واحدة . كل وباء هو خطر على الجميع لافرق . اللافت في فيروس الكورونا ظهوره فجأة في دولة كبرى كالصين
    رغم كل التطور التكنولوجي في هذه الدولة الا انها وقفت عاجزة على مواجهة هذا الفيروس . سؤال يخطر ببالي
    كيف كان الوضع عندنا لو لا سمح الله تعرضنا لهذا الفيروس ؟!
    الفوضى وانعدام التقنيات المتقدمة عندنا ؟!
    في الصين استطاعوا فرض الحجر الصحي على المصابين . عندهم قوانين تحترم وهذا حالهم .
    يارب رحمتك . 14 يوم الحجر عندهم
    عندنا صعب جدا وضع الاشخاص تحت الحجر . الله يشف الجميع . رحمتك يا الله بعبادك .
    في حديث نبوي شريف قرأته قديما بما معناه
    ان هناك ريح حمراء ستغزو العالم وعندما سئل عنها النبي صلى الله عليه وسلم
    قال : امراض لا علاج لها .

  6. يقول سميرة سالم:

    مبدع كعادتك أبو سمير ، حسستني بالذنب تجاه سعادة الفيروس

  7. يقول Nazeera:

    مساء الخير
    وكعادتك في كل قضية ..تبدع في تشريح وتجسيد البطل ..وتستمتع في السخرية والصفعات في كل جوانب القضية ..تجول وتصول وكأنك في معركة ما ..نتقل وإياك بين زهور الحديقة وكأننا فراش مبثوث ..
    وتختم وتوقع ببصمة جريئة توصلنا للب الحقيقة أنّ من يقود هذا العالم من دول عظمى الليست عظمى قائد مهووس بمرض العظمة طفل غير مغامر ولا طموح للوصول للأفضلية الا بمشاغبة وخالف تعرف ..ولتعقيبي بقية

  8. يقول Nazeera:

    تتمة …?لا شكّ في ان كلمة الحق في هذا المقال اختبأت في زاوية ما ..وتنصّتت واستمعت لفيروس الكورونا ..بطل القصة ..الا انها في وقت ما انزلقت وآبت الا ان تخرج من مخبإها ..قائلة ..أن الحقد واللؤم ينكران انهما مشتركين في الجريمة التي تطل من عيني ذاك الأمريكي البسيط ..المواطن انما هو من يرقص في اعراس شتى كأراجوز مسرح الدمى يلوح برأسه ويطلق العنان للسانه يلفظ بما شاء دون ان يفكر ..ربما يقلد معمر القذافي في جنونه فالسياسة جنون وفنون وتلعب دورا هاما ..والعظمة مرض ..لا ينتهي الا ….التاريخ يشهد بأن صفقة القرن تنبّأ بها ذاك الليبي الذي جعل من المرأة سلاح ذو حدين ..وتباهى بها امام رؤساء العالم كحاميه ومحاميه ..
    وكذلك الرئيس الامريكي ..فإنه يتباهى بعنجهية ..حللوني اجتماعيا ونفسيا ..فأنا ألعب دور الأبله وما انا بأبله ..
    والخلاصة من المقال ..العالم ينتفض خوفا والولايات المتحدة تنتظر ان يتنازل الصينيون ويطلبوا المساعدة ..وهم لا يريدون لقشة ان تقصم ظهر جملهم ..
    المسألة ليست حقد ..

  9. يقول Nazeera:

    انما هي كبرياء أمام نقطة ضعف ..
    مساومة ..طالما الطرف الآخر يتنفس ..وفقاعات الماء تظهر ..فلا حاجة لأقدم خدماتي ..
    وهل في ذلك كبرياء ..فاسرائيل لطالما بعثت كوادر للمساعدة في جميع الكرة الأرضية ..فلماذا لا تقدم مساعداتها ..الولايات المتحدة ..كندا ..وغيرها من الدول؟
    الجميع ينتظر من الصين التباكي ..والسجود ..وغير ذلك ..
    ولكن الرئيس الصيني فتح المساجد واستنجد بمن فهم وحلل واستنبط ما هو الكورونا ..الاسلام ..ولا عجب اذا انقذهم رب الاسلام ان تصبح امة المليار ونصف المليار اسلام ..والله اعلم هو نعم المولى ونعم النصير
    انتهى

  10. يقول رسيله:

    مساء يتنفس املا ..مساء ملّون بألوان الزهور الجميلة … مساء جميل جمال نفوسكم …
    كاتبنا العزيز مقالتك هذا الاسبوع اجتماعيةتبحث في قضية اجتماعية معاصرة، تؤثر على المجتمع بشكل مباشر بحيث قمت ببلورة فكرة رئيسية عنها ، محاولا إيجاد تفسير منطقي وعلمي للظواهر الاجتماعية المحيطة بنا كبشر ، مستخدما ذكاءك الفذ في طرح بدائل مقترحة ، ساهمت في اعتماد مجموعة من الخطوات، أو الإجراءات التي ساعدت على احتواء الظاهرة، أو القضية الاجتماعية.
    يرجّح بعض الخبراء في نطاق العلوم البيولوجية انخراط الحكومة الأميركية في تصميم هجوم بيولوجي ضد الصين لاعتبارات جيوسياسية، بتزامن انتشار الوباء الجديد والخطر مع احتفالات السنة الجديدة الصينية لإلحاق الشلل بالمجتمع الصيني.
    هذا وما يعزّز فرضيات المصدر الأميركي للفيروس هو سياسة إدارة الرئيس ترامب في محاربة الصين بكل الوسائل، بدءاً بالحروب التجارية، وتعرّضها كذلك لسلسة هجمات بالجراثيم المميتة وأمراض فيروسية، وأعراض استهدفت الثروة الحيوانية والإنسان على السواء.( يتبع )

1 2

اشترك في قائمتنا البريدية