دولة للبيع!

باتت غرينلاند اليوم مرآة فاضحة لنهج استعماري توارى عن الأنظار بشكله القديم لقرون، ليعيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إحياءه هذه الأيام بصخب ما بعده صخب، إذ لم تعد الجزيرة الواعدة جزيرة مكسوّة بالثلوج، ولا رقعة جغرافية بعيدة عن مصائب السياسة، بل منصة أعادت صياغة المفاهيم الاستعمارية هذه المرة بمنطق التسوق الجديد. فإما أن تبيع أرضك لسمسار البيت الأبيض، أو تسلم مفاتيحها مكرهاً أمام وطأة النيران والعضلات! في نهجٍ يتقاطع مع أفعال المستوطنين الصهاينة.
لقد عادت غرينلاند اليوم إلى واجهة المشهد، وأعادت معها طمع البعض وتعطشه، للموارد الطبيعية الجمة، والموقع الاستراتيجي العسكري القادر على درء مطامع الدب الروسي ومطامح التنين الصيني، ليفقد شعبها حق تقرير مصيره، وربما يصبح لاجئاً مشفوعاً «بكرت المؤن» وخيام التهجير وبقجة المهّجرين ومفتاح العودة وبطانية كانون وصور الأحبة وسندات الملكية.
كل ذلك لأن العم سام، أو ترامب بالأحرى، قرر بالإكراه تحويل غرينلاند إلى «فرصة استثمارية»، أمام احتمالية أن يقول إن غرينلاند الشحيحة سكانياً باتت «أرضاً بلا شعب لشعب بلا أرض»! كل هذا أمام خطاب سياسي لا يعرف الخجل ولا التردد ولا الارتجاف.

العالم لا يحتاج إلى مجالس جديدة، بقدر ما يحتاج إلى ضمير جديد يضمن إعادة تعريف مفهوم السيادة أمام شعوب لا تُشترى ولا تباع، ودولٍ لا تختصر بصفقة غاز أو يورانيوم

الدنمارك صاحبة السيادة على غرينلاند، يسألها ترامب اليوم: كيف يحق لمن وصل على ظهر سفينة قبل مئات السنين، أن يعلن ملكيته لأرض ما؟ من دون أن يسأل نفسه: وكيف ذهب أجداده إلى أمريكا التي بات يرأسها اليوم؟ على متن صاروخ؟ أم قنبلة نووية؟ وكيف لهم أن يعلنوا ملكيتهم للأرض التي لجأوا إليها وأكلوا من خيرها وحققوا ثراء ما بعده ثراء. أجداد ترامب، كما أجداد كثيرين حول العالم، لم يكونوا سوى مهاجرين، بعضهم هارب من الفقر، وبعضهم لاجئ من الاضطهاد، وغيرهم ناجٍ من المغامرة. أقاموا دولهم على أراضي شعوب منكوبة، حرّفت رواياتها التاريخية. فكيف ينسى هذا الإرث، بما فيه من عنف وتناقض، ويتحول إلى مرجعية أخلاقية للحديث عن «شراء» أرض، أو انتزاعها بالقوة؟ ليقول ترامب صراحة: «لمن يقف ضدي الحرب والجحيم بالسلاح، أو بالتركيع الضرائبي! بينما من يقف معي الفوز والحبور!»
أما المشهد السريالي المؤلم، بل الأكثر خجلًا، فقد تجسد في حضور مندوبي الدنمارك إلى طاولة التفاوض حول مستقبل غرينلاند، مع أزلام ترامب وهو ما أوحى بجاهزية الدنمارك مناقشة المبدأ وعدم التمسك بالرفض القاطع، ليغيب التمسك الصلب بالموقف، ويحضر القبول بمبدأ المساومة، والبحث عن «تخريجة مناسبة». وكأن المشكلة ليست في الفكرة ذاتها، بل في طريقة إخراجها، الإعلامي وكأنهم يقولون: الخطر صراحة إنما يكمن في كيفية مباركة المبدأ ضمنيا، رغم مواقف الرفض المعلنة. هذا المشهد يعيدنا إلى سؤال أعمق: أين القانون الدولي، وحق الشعوب في تقرير مصيرها؟ هل نحن أمام تجسيدٍ واضحٍ لإفلاس أخلاقي للنظام العالمي يعقب إفلاسه أمام غزة، أم أمام تحوّل صريح يعود بنا إلى نهج استعماري لا يعترف إلا بالقوة والمال؟ من هنا يبرز الحديث، عن «مجلس السلام»، الذي انشأه ترامب لغزة، ودعا إليه معظم زعماء العالم. هل هو بديل عن الناتو «الجريح»، الذي لم يعد يُرى إلا من منظار المصالح العسكرية؟ أم عن الأمم المتحدة التي أُنهكت بالفيتو والازدواجية؟ أم عن بريكس التي تبحث عن توازن اقتصادي أمام توحش ترامب؟ أم عن قمم العشرين أو الثمانية، حيث يُدار العالم بمنطق الأرقام التجارية لا الصواريخ النووية؟
بصراحة، العالم لا يحتاج إلى مجالس جديدة، بقدر ما يحتاج إلى ضمير جديد يضمن إعادة تعريف مفهوم السيادة أمام شعوب لا تُشترى ولا تباع، ودولٍ ومن فيها، لا تختصر بصفقة غاز أو ليثيوم أو يورانيوم.
غرينلاند كما غزة ليست اختبارا جغرافيا، بل امتحان أخلاقي صعب وسؤال حقيقي، لا يتمحور حول من يمتلك حق التفاوض عليهما، بل: كيف لهذا العالم أن يشهد ولادة من يملك الجرأة على فرض مفهوم «دولة للبيع»؟ سؤال برسم الإجابة! ننتظر ونرى!

كاتب فلسطيني
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول د. رامي:

    لا يوجد واقع سياسي سهل، وتدبير السياسة هو من الأمور الصعبة والمعقدة… ويبقى قرار الحضور في المرحلة التالية أمر في غاية الأهمية (ضمن خطاب الممكن)… كل مرحلة تاريخية كانت النتيجة المنطقية للمرحلة التي سبقتها… أعلى نشاط يمكن للإنسان تحقيقه هو تعلم الفهم…
    تسريع عملية الإصلاحات، وتعريف الأسس والغايات، وتسريع إصدار قانون الأحزاب على أحسن ما يكون الإصدار، وتسريع صياغة وبناء مسودة الدستور على أفضل ما يكون البناء…
    في السياسة، كل أزمة تأتي معها فرصة…
    بحاجة لتحديث قراءة الواقع، وتحديث تعريفات الممكن، وفهم طبيعة هذه الممكنات المتغيرة…

  2. يقول د. رامي:

    فيما يتعلق بترامب وقضية جرين لاند، الخيارات الأوروبية ما زالت تميل إلى عدم إنفلات الأمور الى درجة صدام سياسي، ودبلوماسي، وتجاري كبير مع الولايات المتحدة، وإلى عدم إحداث شرخ عميق وواسع وغير قابل للإصلاح مع الولايات المتحدة، فالخيارات ما زالت تميل إلى صياغة مقاربات سياسية ودبلوماسية وإقتصادية أوروبية يمكن لها إبطاء وإحتواء تطلعات الرئيس ترامب وفق جداول زمنية تمتد على الفترة القادمة من 2 إلى 3 سنوات، وهي الفترة المتبقية لترامب… وعلى الجانب الآخر، فالعديد من الخبراء الأمريكيين ينصح إدارة ترامب بإيجاد صيغة تفاهم مع الأوروبيين حول مسألة جرينلاند، بحيث أن لا أن تكون النتيجة: أخذنا جزيرة، ولكن فقدنا قارة (المقصود القارة الأوروبية)…

  3. يقول د. رامي:

    تذليل كافة المعوقات المحتملة أمام إجراء الإنتخابات البلدية في موعدها، وفي جميع مراكزها المعلنة في الضفة وغزة…
    الإهتمام بتعزيز التشبيك السياسي والدبلوماسي مع المملكة العربية السعودية وكذلك مع بقية الأطراف الأوروبية الفاعلة…

اشترك في قائمتنا البريدية