أصدر مركز مكداش التعليمي قطعة نقود معدنية امتنانا لنقل ترامب السفارة الأمريكية إلى القدس، ويبدو على القطعة رسم لترامب وخلفه الملك الفارسي كورش
صباح يوم الثُّلاثاء وغداة توقيع الرَّئيس الأمريكي دونالد ترامب على الاعتراف بالسِّيادة الإسرائيليَّة على الجولان نقلت الصُّحف العبريَّة أنَّ نتنياهو – الذي كان متواجداً في واشنطن أثناء التوقيع – قال لترامب:
إِنَّك بذلك – يا سيِّدي الرَّئيس – تُعيدُ إحياء سيرة كورَشْ وبِلْفور – وكورَشْ هو الملك الفارسي الذي أعاد اليهود من السبي البابلي إلى فلسطين حسب رواية التَّناخ، وقد عادوا مع كورَشْ بأسْفارِالرِّواية التي كُتِبَوها هناك في بابِل بعد ثلاثَمِئَةِ عامٍ من السَّبي. وبلفور هو صاحب الوعد الغني عن التَّعريف الذي أتاح الفرصة حسب الحركة الصهيونيَّة لتحقيق رُؤى وأحلام العودة وإنشاء الوطن القومي الذي يجمع الشَّتات اليهودي في فلسطين مرَّة أُخرى بعد الشَّتات الأخير على يدِ تيتوس الرُّوماني – وكل تلك الرُّؤى التَّاريخيَّة الانتقائيَّة والاقتباس الذي ذُكِرَ سالفاً هو حسب الرِّواية التَّناخيَّة مع كلِّ التَّحَفُظِ بطبيعة الحال. وإِذْ ذاك؛ فربَّما أراد نتنياهو أنْ يقول للرئيس الأمريكي دونالد ترامب:
شكراً لكَ على مزيدٍ من مَزْجِ الدُّبلوماسيَّة الأمريكيَّة بالرِّوايات التَّاريخيَّة الانتقائيَّة وباللَّاهوت بما يُحيي في وجداننا وواقعنا الرَّاهن شخصيَّاتٍ مثل كورَش وبلفور، وشكراً على مزيدٍ من تأطير السِّياسة الأمريكيَّة تجاه المنطقة وفق معادلات علاقات القوَّة والهيمنة وما تفرضه من مفاعيل وتقاطعات بيننا نحن كدولة كولونياليَّة وظيفيَّة صغيرة وبينكم أنتم كإمبراطوريَّة كولونياليَّة حداثيَّة كبيرة؛ الأمر الذي يُعيدُ التَّذكير بالتحالفات الماضَويِّة – الغائرة عميقاً في قبورِ وأجْداثِ التَّاريخ ومستحثَّاته – بيننا وبين إمبراطوريَّة كورَشْ التوسُّعيَّة القديمة جدّاً، كما يُعيد التَّذكير أيضاً بأصل الواقع الرَّاهن المنبثق بفعل تقاطع أهداف مشروعنا الكُولونيالي الصَّغير مع الاجتياح الكُولونيالي الإنكليزي الكبير للعالم وللمنطقة في العصر الفيكتوري الزَّاخر بالتَّوسع والهيمنة الإنكليزيَّة ابتداءَ من منتصف القرن التَّاسع عشر وليس انتهاءَ بعام 1917 تاريخ الوعد البِلْفوريِّ الشَّهير؛ حيث جرى أثناء ذلك توظيف الرِّوايات التاريخيَّة المُستَنِدة إلى اللَّاهوت في خدمة الأهداف الكُولونياليَّة المشتركة بين مشروعنا من جانب وبين مشاريع بريطانيا العُظمى من جانبٍ آخر؛ ليصبح مشروعاً واحِداً؛ وها أنت تواظب على فعل الشَّيء نفسه؛ فكأنَّكَ – يا سيِّدي الرَّئيس – كورش وفيكتوريا وبلفور في آنٍ معاً.
المقاربات التاريخية
الحقيقة أنَّ نتنياهو مُعتادٌ على تقديم وتوظيف مثل تلك المُقاربات التَّاريخيَّة؛ فهو طالما شبَّه وحاول توظيف ما كان يُسمِّيه تهاوُناً أوروبيَّاً وغربيَّاً مع الدِّيكتاتوريَّات والتَّطرُّف القومي والإسلامي في المنطقة وعلى رأس أولئك إيران – وذلك حسب تعبيره في كتاب مكان تحت الشَّمس على سبيل المثال – بالتَّهاون من قِبَلِ الدُّول الأوروبيَّة الرَّئيسيَّة مع أدولف هتلر في ثلاثينيَّات القرن الماضي، وذلك من خلال ما عقدته معه من تفاهمات ضمنيَّة أتاحت له في النِّهاية اجتياح أجزاء من أوروبا؛ حيث كان الشَّعب اليهودي في نهاية المطاف ضحيَّةً لذلك.
في السِّياق ذاته أَغْدَقَتْ بعضُ مقالات الرَّأي والمقالات التَّحليليَّة في الصُّحف العبريَّة المديحَ لدونالد ترامب واصِفَةً إيَّاهُ بالرَّئيس الجريء؛ الذي ها هو وبخلاف من سبقه من الرُّؤساءِ الأمريكيين قد اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل وها هو يعترف الآن بسيادتها على الجولان.
وفي الوقت الذي أبرق فيه الصَّحافي ناحوم بارنيَّع ومن واشنطن أيضاً مقالاً قال فيه: في كلِّ مرَّةٍ يكون فيها إنجازٌ على صعيد الخارج تكون هناك أحداثٌ أمنيَّة في الدَّاخل تُعَكِّرُ فرحةَ الاحتفال بالإنجاز الكبير وتأخُذُنا إلى التفكير بالهموم – وذلك في إشارة إلى التَّوتر في محيط قطاع غزَّة – كان أحَدُ اتِّحادات الشَّبيبة الإسرائيليَّة في جنوب البلاد المتاخم لحدود قطاع غزَّة يُبْرِقُ لكلٍّ من نتنياهو ومنافسه في الانتخابات الجنرال السَّابق بني غانتس بالقول: دعوكُم من المناكفات الانتخابيَّة واهتمُّوا بما هو أهم؛ اهتَمُّوا بأنْ نعيشَ حياتَنا دون خوف. وتلك تعبيرات وإشارات تجعل من تواقيع الرَّئيس الأمريكيِّ الضَّخمة على الإعلانات الأمريكيَّة الخاصَّة مجرَّد صخب وصب الزَّيت على جمر المنطقة المتَّقِد تحت رماد أزمات المنطقة.
وقد كان وزير الخارجية مايك بومبيو وأثناء زيارته للمنطقة قد بشَّرَ إسرائيل بالوعد الجديد الذي قطعه دونالد ترامب على نفسه بالاعتراف بالسيادة الإسرائيليَّة على الجولان، وقد كان من اللَّافت أنَّ بومبيو قد ضَمَّنَ البِشارَة بذات المضامين والمبررات التي سِيقَتْ إبَّان إعلان ترامب عن القدس عاصمة لإسرائيل، وذلك من قبيل؛ أنَّ ذلك سَيُزيل عَقبَةً كأداء من أَمَامِ أفكارِ السَّلام الأمريكيَّة المُنْدَفِعَةِ إلى المنطقة على سِكَّةِ قطارِ صفقة القرن.
الترويج لصفقة القرن
فيما يتعلَّق بتعبير صفقة القرن، فربَّما أنَّ التسميات ليست مهمَّة وكذلك التَّفاصيل؛ فألأفكار الجنينيَّة لتلك الصَّفقة ومسارات خطواتِها الأولى كانت قد بدأتْ منذ أوَّل لقاء جمع هنري كيسنجر بالرَّئيس المصري أنور السَّادات في قصر الطَّاهرة بالقاهرة في تشرين ثاني/نوفمبر عام 1973 أيَّام قليلة بعد التَّوقيع على اتفاقيَّة فض الاشتباك على الجبهة بين مصر وإسرائيل في سيناء في أعقاب حرب عام 73؛ ثمَّ توالدت الأفكار وتكثَّفَتْ وتراكَمَتْ وتعدَّدَتْ المسارات وحُثَّتْ عليها الخُطوات إلى أنْ وصل الجميع إلى محطَّة صفقة القرن التَّرامبيَّة.
وإذْ ذاك؛ من غير الممكن تناول توقيع الرَّئيس الأَمريكي على اعتراف الولايات المتحدة بالسيادة الإسرائيليَّة على الجولان وقبل ذلك الاعتراف بالقدس كعاصمة لها – في إطار الترويج لأفكار صفقة القرن – بمعزلٍ عن الإشارة إلى بعض السياق التاريخي المُتَّصِل منذ بدءِ التَّعاطي الأمريكي مع وقائع الصِّراع العربي الإسرائيلي ومع مجريات القضية الفلسطينيَّة، وذلك منذ أنْ وَرِثَتْ الولاياتُ المتحدة الأمريكيّة الاهتمام بإدارة أزمات المنطقة المنبثقة عن قضية الشعب الفلسطيني من بريطاينا نهاية الأربعينيَّات، وهو سياقٌ أصَلانيٌّ منهجيٌّ مُتراكمٌ للدُّبلوماسيَّة الأمريكيَّة منذ عهد الرَّئيس هاري ترومان نهاية الأربعينيَّات من القرن المنصرم ومن بعده مباشَرةً خلفه الرَّئيس آيزنهاور مطلع الخمسينيَّات مروراً بمن جاء بعدهما من الرُّؤساءِ وصولاً إلى دونالد ترامب.
في عهد هاري ترومان أرسلت الإدارة الأمريكيَّة بعثة مراقبة أمريكيَّة – إلى جانب البعثة الأمميَّة – إلى فلسطين لمراقبة مجريات الأحداث التي أسست لاندلاع حرب عام 48؛ وقد شهدت البعثتانِ بأمِّ أعيُنِهِما وقائع الخطّة المُسمَّاة « دالِتْ « وهي خطَّة التَّطهير العرقي الهاغانيَّة التي نُفِّذَتْ –حسب المؤرِّخ الإسرائيلي إيلان بابيه وآخرون غيره من المؤرِّخين الجدد – بقيادة وإشراف بن غوريون في كلٍّ من اللِّد والرَّملة والجليل وقرى وبلدات وأحياء غرب القدس. وقد أرسلت البعثة في تقارير دوريَّة صادمة لوزارة؛ وبفعل تلك التقارير نشأتْ ظاهرةٌ داخل الوزارة الخارجيَّة الأمريكيَّة عُرِفَتْ بالدَّائرة العربيَّة أو الفريق العربي في وزارة الخارجيَّة؛ وقد أوصت تلك الدَّائرة فيما بعد بسياسةٍ أكثر توازَناً تجاه الصِّراع العربي الإسرائيلي؛ حتَّى أنَّها أوصت بخطورة الانحياز للرواية الإسرائيليَّة وما يمكن أنْ يُلحقه ذلك من أضرار استراتيجيَّة على مصالح الولايات المتحدة في العالم العربي خصوصاً مع بواكير تدفُّق الطَّاقة النِّفطيَّة من هناك وكاد هاري ترومان أنْ يتبنَّى وجهة النَّظر تلك؛ لكن تبيَّن وفي وقتٍ مبكِّر جدّاً من مطلع الخمسينيَّات أنَّ تقديرات الفريق العربي في وزارة الخارجيَّة الأمريكيَّة كانت خاطئة وأنَّ مخاوفه كانت مُتَوَهَّمَة؛ إذْ أنَّ انحياز الولايات المتحدة لإسرائيل لم يكن ليشكِّل أَيَّ ردَّةَ فعلٍ عربيَّة جادَة وفعليَّة !.
بعد ذلك بسنواتٍ قليلة وفي بداية عهد الرَّئيس آيزنهاور نشأتْ علاقة صداقة شخصيَّة حميمة جدَّاً بين آيزنهاور وبن غوريون ومن ثمَّ بين الدَّوائر الأمنيَّة في الولايات المتحدة وبين نظيراتها في إسرائيل – وذلك حسب ما يذكر ميخائيل بارْ زوهر في كتابه المهمَّات الكبرى لجهاز الموساد – فبفعل معلوماتٍ حسَّاسة جدَّاً عن حالة الاتِّحاد السُّوفييتي عرضها نيكيتا خروتشوف في خطابٍ أمام أعضاء اللجنة المركزيَّة للحزب الشيوعي السوفييتي بعد وفاة جوزيف بوريس ستالين وحصل عليها جهاز الموساد من داخل الدَّائرة الخاصَّة لسكرتير الحزب الشيوعي البولندي – حيث حصل الموساد على نسخة الخطاب الأصليَّة عبر شابٍّ يهودي بولندي كانت عشيقته الشيوعيَّة البولنديَّة تعمل سكرتيرةً في مكتب أمين عام الحزب الشيوعي البولندي – وقد سلَّم الجهاز إلى بن غوريون تلك النسخة من الخطاب والذي بدوره طارَ بها على الفور إلى آيزنهاور حيث نشأتْ بداية تلك الصداقة الشَّخصيَّة – وذلك مرَّة أخرى حسب بارْ زوهر.
وفي أعقاب تلك السنوات توطَّدَتْ القناعة لدى الولايات المتحدة بأهميَّة الدَّور الوظيفي الاستراتيجي الذي من الممكن أنْ تؤدِّيه إسرائيل لصالح الولايات المتحدة في مضمار الحرب الباردة وفي ميادين المنطقة كذلك – وقد أدَّتْهُ؛ وهو الأمر الَّذي مرَّ طويلاً دون اعتراضات جوهريَّة من قِبَلِ العرب؛ بل الذي جرى هو عكسِ ذلك تماماً في كثيرٍ من الأحيان؛ ومثل تلك السِّياقات التي ذكَّرْنا بها هنا هي من تجعل من مقاربات بن يامين نتنياهو هُراءَ آيديولوجيَّاً ديماغوجيَّاً خالٍ من المضامين الحقيقية وإن جرى فيه توظيف بعض الدَّلالات؛ لكنَّها وفي الوقت ذاته من تجعل من الاعتقاد بوجود أساس موضوعي للتعاطي الرَّسمي في المنطقة مع أفكار صفقة القرن أمراً مُمْكِنَاً.
كاتب فلسطيني