ذاكرة ممتدة بين الجزائر وتركيا

إن اختزال البحر الأبيض المتوسط في كونه مجرد مساحة مائية، يُفقده كثيرا من معناه الحقيقي؛ فهو في جوهره بحرٌ للذاكرة الإنسانية المشتركة، حمل عبر العصور آثار الشعوب التي تعاقبت على ضفافه. فمن ميناء إلى آخر، لم تكن السفن تنقل البضائع وحدها، بل حملت معها اللغات، والأدعية، والأفكار، والعادات، وروح الحضارات المختلفة. ومن بين أعرق محطات هذه الرحلة التاريخية الطويلة تبرز تركيا والجزائر بوصفهما شاهدتين على عمق هذا التواصل. فالعلاقة بين البلدين لا تقتصر على الروابط الدبلوماسية المعاصرة، بل تستند إلى إرث تاريخي ممتد، تتداخل فيه مراحل أواخر العهد الروماني مع الحقبة العثمانية وصولا إلى العلاقات السياسية والثقافية الراهنة. ولعلّ هذا ما يجعل كل خطوة تقارب بين أنقرة والجزائر تبدو وكأنها استعادة لذاكرة صداقة قديمة ظلّت حاضرة عبر القرون.
تأخذنا بدايات هذه الحكاية إلى عهد الإمبراطور الروماني الشرقي قسطنطين الأول، أحد أبرز قادة عالم روما الشرقية الذي يُعرف في الأدبيات الغربية باسم «العالم البيزنطي». فقد أسّس هذا الإمبراطور مدينتين عظيمتين حملتا اسمه؛ إحداهما في شمال افريقيا، وهي قسنطينة التي ما تزال إلى اليوم من أهم المدن الجزائرية، والأخرى في الأناضول، وهي إسطنبول التي عُرفت لقرون طويلة باسم القسطنطينية.
ولم تكن قسنطينة، الواقعة شمال شرق الجزائر، مدينة عادية بين المدن، فجسورها المعلّقة فوق الوديان العميقة، وهيئتها التي ترتفع وسط الصخور الوعرة، تمنح الناظر إليها شعورا وكأنه أمام ملحمة منحوتة من الحجر، ولذلك لم يكن غريبا أن تُعرف بأسماء مثل «مدينة الجسور» و»مدينة النسور» و«المدينة الصخرية».

المدن ليست مجرد حجارة وأسوار وشوارع؛ بل قد تتحول أحيانا إلى جسور وجدانية خفية تربط بين شعبين عبر قرون طويلة

أما إسطنبول، فهي بدورها قلب حضارة أخرى نابضة بالحياة؛ مدينة تستند إلى مياه البوسفور، وظلت عبر العصور، بأسمائها المتعددة مثل القسطنطينية وقسطنطينوبوليس وإسطنبول، نقطة التقاء للحضارات والشعوب، قبل أن تكون مركزا للدول والإمبراطوريات. وتحمل الروايات التاريخية تفاصيل لافتة في هذا السياق؛ إذ يُقال إن قسطنطين، أثناء تأسيس عاصمته الجديدة، استقدم جماعات من السواحل الجنوبية للبحر المتوسط، خاصة من بلاد المغرب، إلى إسطنبول، ولذلك يُروى أن سكان إسطنبول الأوائل كانوا يضمون جماعات مهمة من شمال افريقيا، كان معظمهم من الجزائريين. كما تذكر بعض المصادر أن عددا من رجال الدين والمفكرين الأوائل في المدينة كانوا من أصول مغاربية، بل إن أريوس، الذي يُعدّ في التاريخ المسيحي من أبرز المدافعين عن عقيدة التوحيد، كان من أصول ليبية. وقد قام هذا التيار الفكري على الاعتقاد بأن عيسى ليس إلها، بل عبد الله ورسوله، وهو ما يكشف أن البحر المتوسط لم يكن فضاء للتجارة فقط، بل كان أيضا ساحة لعبور الأفكار والعقائد والتيارات الفكرية.
وبعد قرون طويلة، سار العثمانيون على النهج ذاته في البحر المتوسط. فمع وصول الريس عروج وشقيقه خير الدين بربروس إلى الجزائر سنة 1516، دخلت العلاقات بين البلدين مرحلة جديدة أكثر عمقا. ولم تكن الدولة العثمانية مجرد قوة عسكرية فحسب، بل أسست نظاما حضاريا متكاملا في المتوسط عبر موانئها ومدارسها وأسواقها وأوقافها وثقافتها العمرانية. وحتى يومنا هذا، فإن الآثار العثمانية الحاضرة في شوارع الجزائر، وأوجه الشبه التي تُستشعر في أحياء إسطنبول القديمة، ما هي إلا انعكاس لذاكرة حضارية واحدة تركت بصمتها على ضفتي المتوسط. ومن هنا، فإن العبارة التي أطلقها الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة قبل سنوات، حين دعا إلى تشكيل «الكومنولث العثماني»، ينبغي أن لا تُقرأ بوصفها مجرد طرح اقتصادي أو سياسي. فقد حملت تلك الكلمات شيئا من الحنين إلى التاريخ، وشيئا من استحضار الذاكرة المشتركة، ورغبة في استعادة التقارب القديم بين الشعبين. فالعلاقة بين تركيا والجزائر لم تتشكل فقط عبر الاتفاقيات الرسمية، بل تأسست أيضا على شعور متجذر بالألفة والتقارب الإنساني بين المجتمعين.
وجاءت الزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس الجزائري الحالي عبد المجيد تبون إلى تركيا لتبدو وكأنها صفحة جديدة تُضاف إلى هذه الحكاية الممتدة عبر القرون. فقد استقبل الرئيس رجب طيب أردوغان نظيره الجزائري بمراسم رسمية، وشهدت الزيارة انعقاد اجتماعات مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى، التي نقلت العلاقات الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية. كما تم توقيع أربع عشرة اتفاقية جديدة في مجالات الطاقة، والصناعات الدفاعية، والاقتصاد، والمقاولات، مع التطلع إلى رفع حجم التبادل التجاري إلى عشرة مليارات دولار. ومع ذلك، فإن أهمية هذه الزيارة لا تكمن في الجانب الاقتصادي وحده، بل في كونها تقاربا جديدا بين ذاكرتين عريقتين تنتميان إلى البحر المتوسط ذاته.
وبطبيعة الحال، لم تكن العلاقات بين البلدين دائما خالية من التعقيدات. فخلال مرحلة استقلال الجزائر، ظل الموقف الرسمي التركي موضع نقاش وانتقاد لسنوات طويلة. غير أن بعض الحقائق التي ظهرت لاحقا كشفت عن جانب آخر من روح الأخوة التي كانت قائمة بعيدا عن الأضواء. فقد تحدث ألب أرسلان توركش، أحد أبرز القادة العسكريين والسياسيين الأتراك ومؤسس حزب الحركة القومية، قبيل وفاته عن الدعم السري الذي قدمته تركيا للثورة الجزائرية. وقال في شهادته التاريخية: «خلال نضال الجزائر من أجل الاستقلال، قمنا بإرسال السلاح سرا إلى إخواننا الجزائريين، لكن العالم ما كان يعلم بذلك. والجزائريون أنفسهم ما كانوا يعرفون حجم هذا الدعم. فقد أُرسلت عشرون ألف بندقية ومئتا مدفع عبر ليبيا التي كانت آنذاك تحت حكم الشيخ إدريس السنوسي، وتم إيصال هذه المساعدات من خلاله».
واليوم، حين ننظر إلى هذا التاريخ الطويل، ندرك بصورة أوضح أن العلاقة بين تركيا والجزائر لا يمكن اختزالها في إطار التقارب الدبلوماسي بين دولتين فقط. إنها علاقة ذاكرة مشتركة يتردد صداها على ضفتي البحر المتوسط؛ ذاكرة تجمع بين مدن تطل على البحر نفسه، وشعوب عاشت تجارب وآلاما متشابهة، وأناس نشأوا في المناخ الحضاري ذاته.
ولعل ما ينبغي القيام به اليوم هو إعادة إحياء هذه الذاكرة المتوسطية المنسية، من خلال إعلان قسنطينة والقسطنطينية مدينتين شقيقتين بصورة رمزية، بما يعزز أواصر الأخوة الممتدة منذ نحو 1700 عام. أما المهمة الأكثر أهمية التي تقع على عاتق المؤرخين والباحثين، فهي دراسة الآثار التي تركتها شعوب بلاد المغرب، وعلى رأسهم الجزائريون الذين تُروى مشاركتهم بين أوائل سكان إسطنبول، في الذاكرة الثقافية والاجتماعية لهذه المدينة. فالمدن ليست مجرد حجارة وأسوار وشوارع؛ بل قد تتحول أحيانا إلى جسور وجدانية خفية تربط بين شعبين عبر قرون طويلة.

كاتب تركي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول أبو تاج الحكمة الأول:

    بسم الله الرحمن الرحيم
    “التاريخ لا يُقرأ بالعاطفة وحدها. الدولة العثمانية في سنواتها الأخيرة كانت تعيش حالة ضعف وتفكك، وقد سقطت الجزائر بيد فرنسا سنة 1830 دون أن تتمكن إسطنبول من تقديم دعم حقيقي يحميها من الاحتلال. مما يعكس نوعًا من التخلي أو العجز العثماني في تلك المرحلة، لكن الحقيقة الثابتة أن الشعب الجزائري هو من قدّم التضحيات الكبرى، وخاض مقاومة طويلة استمرت 132 سنة حتى انتزع استقلاله بدماء أبنائه وملايين الشهداء. لذلك فإن تحرير الجزائر هو إنجاز جزائري خالص، صنعه شعب رفض الاستسلام مهما طال الاحتلال.”
    أبو تاج الحكمة الأول تركي عثماني

  2. يقول أبو تاج الحكمة الأول:

    بسم الله الرحمن الرحيم
    ياليتني كنت من أصلِِ مجوسي
    وليس للترك في شكل ونفسِ

  3. يقول مجرد رأي:

    لا داعي لاقتحام المغرب في التاريخ الإمبراطورية العثمانية، حيث ان المغرب كانت بذاته إمبراطورية استعصت على الاتراك، والتي لها حضارتها الخاصة. تاريخها الحافل بعيدا عن المقاطعات العثمانية التي تخلت عنها بمجرد دخول الاوروبي المنطقة العربية، في حين ظل المغرب لقرون يواجه لوحده توسع البرتغال والاسبان

    1. يقول أبو تاج الحكمة الأول:

      بسم الله الرحمن الرحيم
      الكاتب لم يقل إن المغرب كان تابعًا للدولة العثمانية، ولم ينتقص من تاريخ المغرب أو حضارته كما تحاول تصوير الأمر. هو تحدث عن مساهمة شعوب بلاد المغرب، في الذاكرة الثقافية والاجتماعية لإسطنبول، وهذه حقيقة تاريخية لا تحتاج إلى كل هذا التشنج أو خلط المواضيع ببعضها

      أما أن المغرب “إمبراطورية استعصت على العثمانيين” فهو خارج أصل الموضوع تمامًا، لأن النقاش لم يكن حول من غزا من، ولا حول مقارنة بين الدول، بل حول الحضور المغاربي في التاريخ العثماني وتأثيره الثقافي والاجتماعي. تحويل النقاش إلى خطاب تمجيدي ومحاولة تصوير أي ذكر للعثمانيين وكأنه انتقاص من المغرب، ينافي الموضوعية

      ثم إن الحديث بمنطق التفوق التاريخي لا يخدم أحدًا، فكل دول المنطقة مرت بمراحل قوة وضعف وتحالفات وتعقيدات سياسية عبر التاريخ. والمغرب نفسه لديه ملفات سيادية وتاريخية معقدة إلى يومنا هذا، سواء فيما يتعلق بالجزر المحتلة أو سبتة ومليلية أو غيرها، لذلك من الأفضل الابتعاد عن خطاب “جنون العظمة” والتعامل مع التاريخ بعقلانية بدل الانتقائية

      تركتَ الفكرة الأساسية للكاتب، وذهبت إلى خلط الأوراق وإقحام قضايا لا علاقة لها بالموضوع من أجل صناعة انتصار عاطفي بمايجافي الأمانة التاريخية أساس أي حوار محترم.

  4. يقول أمين:

    منشأ علاقة الجزائر و تركيا دين و تاريخها منه. فلم تكن عابرة ليختفي اثرها. و لم تكن عابرة لينفك حبلها. و هي اليوم تجديد اكثر منها استحياءً .

  5. يقول جزائري:

    تركيا هي من ساعدة فرنسا على احتلال الجزائر بعدما حطمت جيشها و نهبت خيراتها بل صوتت في الامم المتحدة ظد استقلال الجزائر اما فيما يخص زيارة الرئيس الجزاءري الى تركيا فانا كجزائري لم انتظر منها شيء ” الم تكن ليبيا و سوريا… من الاصدقاء المقربين لتركيا” من عاشرا قوما عن قرب عرف حقيقتهم

  6. يقول مسلم:

    و ماذا بعد. التاريخ يقراء من اجل بناء المستقبل فلماذا للجزاءر مشكل مع ماضيها و تريد ان تكون اسثثناء فكل الدول و خاصة الافريقية كانت مستعمرة و دفعت من دمها مقابل الاستقلال و خاصة شمال افريقيا اننسى عبد الكريم الخطابي اننسى المجاهد عمر المختار اننسى صلاح الدين الايوبي اننسى فكل هؤلاء كانوا يجاهدون من منظور اسلامي و ليس قومي او وطني

  7. يقول مجتهد:

    شكرا أستاذ توران على كل مقالاتك، كسوري، أشكر تركيا من كل قلبي و بالنيابة عن الكثير من السوريين على الدور الحاسم الذي لعبته تركيا في تكنيس سوريا من الطاغية و زبانيته و أتمنى حقا أن تعود بلاد الشام كلها ولاية عثمانية كما كانت حتى نهاية عهد السلطان عبد الحميد رحمه الله الذي بعزله عام 1909م سقطت الدولة العثمانية العلية. في زيارتي الأخيرة لتركيا منذ اسبوعين قابلت الكثير من السوريين و كانوا ممتنين جداً للأتراك الذين استضافوهم و أحسنوا إليهم و عاشوا في تركيا بكل كرامة و لا يزال البعض فيها و يعمل بكل أريحية ولم تجبر تركيا أحد على مغادرة أراضيها . تركيا تلعب دوراً حاسماً في إعادة تأهيل سوريا كدولة لها محل تحت الشمس الذي حجبها عنا نظام الإجرام الأسدي طويلاً. شكراً أستاذ توران و شكراً تركيا مرة أخرى.

    1. يقول الجزائري:

      لم نفهم منكم شيئا. أنتم تقولون أنكم دولة بني أمية ومعروف أن الأمويين متعصبين للعرب وكانوا يحكمون العرب والعجم فالمفروض أن تكون تركيا ولاية أموية وليس العكس.

    2. يقول مجتهد:

      لا يهم يا هذا بنو أمية أو آل عثمان، المهم تحت حكم إسلامي رشيد. لا تعصب للعرب و إنما للإسلام.

اشترك في قائمتنا البريدية