«رحلة الحج» على طريق أبطال فلسطين الستة

حجم الخط
1

تردّدت كثيراً وأنا أُعيد التفكير في كتابة مادة هذا المقال. سبب التردّد هو حرص مترسّخ لديّ، يقضي بالإمتناع عن الزّج بما أمُرّ به من أحداث أو مصادفات، على الصعيد الشخصي والخاص، بأي أمر عامّ، يشكّل مادة لمقال سياسي.
لكن الكمّ الهائل من المصادفات والمفارقات التي مررت بها خلال أقل من أربع وعشرين ساعة، من بعد ظهر يوم السبت الماضي الى ظهيرة يوم الأحد التالي، حسم الأمر، وأقنعني بالعدول عن التردّد، خاصة وأنه اختلط وتداخل وتشابك فيها ما هو خاص بما هو عامّ، كما اختلطت وقائع من التاريخ الشخصي بمواقع في الجغرافيا التي أعرفها جيداً، وزادت على كل هذا الخليط، و«بهّرته» ايضا، حكايا وذكريات من أيام الصّبا والفتوّة المبكّرة، وأساطير مُبهرة، سمعتها في ذلك الزمن، الذي يفصلنا عنه ما يزيد على ستة عقود.
كنت قد حدّدت يوم الأحد الماضي موعداً للسفر من فلسطين، (حيث أُقيم) الى العاصمة الأردنية، عمّان، (حيث تقيم زوجتي، التي يحرمها القانون الإسرائيلي العنصري، المعروف بـ«قانون (منع) لَمّ الشّمل» من الإقامة معي في وطننا فلسطين). وبسبب الإجراءات التي ترتّبت على تداعيات انتشار «الكورونا» كنت ملزماً بإجراء الفحص الطبي الخاص، والحصول على شهادة رسمية تثبت عدم إصابتي بهذا الوباء. وكان الخيار المتوفر الأفضل أمامي، هو إجراء الفحص في الخيمة الخاصة الملحقة بـ«المستشفى الإنكليزي» في الناصرة.
أنهيت عملية إعطاء العيّنة الطبية هناك بحدود الساعة الخامسة والنصف عصر السبت، الثامن عشر من الشهر الحالي، وتوجهت مباشرة، وحتى قبل زيارة الصديق الأقرب في الناصرة، الى «جبل القفزة» عند الحافة الجنوبية للمدينة، والمشرفة على «مرج ابن عامر» بهدف معاينة المنطقة التي أعادت فيها قوات الإحتلال والإستعمار الإسرائيلية أسر المناضل الفلسطيني، محمود العارضة، (46) وزميله، يعقوب القادري، (49).
في الطريق الى جبل القفزة، مررت قريباً من الموقع القديم لمصنع «لايلند» البريطاني للسيارات، حيث عادت بي الذاكرة الى بطلَي عملية زرع متفجرات في أحد أركان ذلك المصنع، في نهاية الستينيات من القرن الماضي، إبّان مرحلة «الكفاح المسلّح» وهما الصديقان: الشهيد منذر أبو غزالة، (مدينة غزّة) قائد البحرية الفلسطينية، الذي اغتالته أذرع الموساد الإجرامية الإسرائيلية في أثينا، يوم 21 تشرين الأول/أكتوبر 1986، والمناضل الراحل، عفيف محمود الدَّقة، (قرية يمّة).
فور وصولي الى قمّة جبل القفزة، تلاطمت في مخيّلتي ذكريات من الماضي البعيد، ومن الماضي القريب، مع أحداث أيامنا الحالية.
ذكريات أيام الدراسة في «مدرسة البنين الإبتدائية ـ و« [رغم الاسم، كان في صفّنا ثلاث طالبات]، والتي اصبحت لاحقاً «المدرسة الثانوية البلدية في الناصرة» (وفي ساحتها موقع «ضريح شهاب الدين») وذكريات أيام لهوٍ، كانت فيها إحدى ألعابنا، أنا وأصدقاء الطفولة والفتوّة المبكّرة: إحسان الزعبي، منذر يونس، فوزي جريس عبدالله، ابراهيم عبد الخالق، محمد شافع الفاهوم، أحمد أبو أحمد، فريد نصار، سامي وَروَر وكثيرون آخرون، هي التسلّق باتجاه قمة الجبل، من ناحية السفح الشمالي شبه المستوي حيث نمُرّ فوق «البلاطات المرقرقة» (أو المركركة، بلهجة أهل الناصرة) القريبة من قمة الجبل، وفور وصولنا قمة «جبل القفزة» (على ارتفاع بحدود 350 مترا عن نقطة التقاء سفحه الجنوبي مع الطرف الشمالي لمرج ابن عامر، وبزاوية شبه قائمة) نبدأ في دحرجة حجارة وصخور، نتبارى فيها حول من يُصدر ارتطام حجره صوتاً أعلى، ويثير غباراً أكثر، قبل وصوله لحافّة مرج ابن عامر.

فرِحت لنجاة المناضلين الفلسطينيين الأبطال الستة، ليتابعوا نضالهم المقدّس لتحرير فلسطين، وليتحوّلوا الى أيقوناتٍ حيّةٍ، وستة أقمارٍ ونجومٍ في سماء فلسطين

وقفت مساء يوم السبت الماضي على قمّة «جبل القفزة» وقفة ناسك متعبّد، مقلبّاً في خيالي ما كان يمكن ان يكون قد خطر ببال المناضلَين البطلَين، محمود العارضة ويعقوب القادري، من أفكار، لحظة إعادة أسرِهما، مرفوعَي الهامتَين، بعد ايامٍ عديدة، كان لفعلهما خلالها، (مع المناضلين الأربعة الآخرين) فِعل السّحر في رفع هامات الفلسطينيين والفلسطينيات. وتذكّرتُ عندما وقع نظري على «جبل طابور» المميَّز، ما كنت أسمعه من أساطير طريفة قبل ستة عقود، تقول أن هذا الموقع سُمّيَ «جبل القفزة» لأن السيد المسيح، عليه السلام، قفز من هذه القمّة الى قمّة جبل طابور، (على بعد بضعة كيلومترات) ومن قمّة جبل طابور «صعد الى السماء». وكانت قوات الإحتلال والإستعمار الإسرائيلي، قد أعادت أسر المناضلَين البطلَين: زكريا الزبيدي (46) ومحمد العارضة (39) في طرف قرية «إم الغنم» عند السفح الشرقي لجبل طابور، فجر اليوم التالي لإعادة أسر محمود العارضة ويعقوب القادري.
عُدْت من الناصرة الى بلدي، سخنين. وحصل معي ليلتها ما لا يحصل إلّا نادراً: استيقظت عند الثالثة فجراً بسبب العطش، شربت.. وبنظرة خاطفة الى هاتفي النقّال، لمحت خبراً، دققت وإذا هو نبأ تسليم المناضلَين البطلَين الأخيرين: أيهم كممجي ومناضل انفيعات، لنفسيهما الى قوات الإحتلال والإستعمار الإسرائيلي، بقرار منهما، عندما تأكّدا أن العدو عرف بموقعهما، وكان سبب قرارهما هو حماية العائلة الكريمة الوطنية، من مدينة جنين، التي استضافتهما في منزلها، من انتقام قوات العدو. بقيت مستيقظاً لمتابعة تطورات ذلك الحدث حتى الساعة السادسة صباحاً.
فرِحت، لنجاة المناضلين الفلسطينيين الأبطال الستة، ليتابعوا نضالهم المقدّس لتحرير فلسطين، وليتحوّلوا الى أيقوناتٍ حيّةٍ، وستة أقمارٍ ونجومٍ في سماء فلسطين، الذي تدنّسه، (في هذه الأيام الزائلة) عتمة الإحتلال والإستعمار الإسرائيلي.
لم تنتهِ المصادفات عند هذا الحد. أقصر الطرق من سخنين الى معبر وجسر الشيخ حسين، وصولاً الى عمّان، تمُرّ بـ«عرابة البطّوف» التي ذكّرتني بـ«عرابة جنين» بلد المناضلَين البطلَين: محمود العارضة وابن عمّه محمد العارضة.. ومنها الى دير حنا، وبعدها عيلبون، وإلى السفح الشرقي لجبل طابور، حيث قرية «إم الغنَم» وهي الملاصقة لقرية «الشّبلي» الصغيرة، وقرية «دبّورية» الأكبر، بلد صديقي، محمد المدني، الذي هاتفته ممازحاً، يوم إعادة أسر زكريا ومحمد، حيث قلت له: «لو كانت أمك، رحمها الله، حيّة لتمكّنت من تأمين حماية لهما لأسبوع آخر على الأقل. أبطأت السّير عند مفرق «إم الغنم» ولوّحت بيدِي تحيةً لذكرى بطولة زكريا الزبيدي ورفاقه الخمسة. بعد أقل من عشر دقائق في الطريق السهلي في مرج ابن عامر من إم الغنم باتجاه جسر الشيخ حسين، تمر الطريق بـ«قرى الزّعبية» طمرة، نين، والنّاعورة، فأعدت التلويح عند مفرق النّاعورة، تحيّة لأهلها، الذين تقول المصادر الإسرائيلية أنّهم زوّدوا أبطالنا، ليلة خروجهم من زنزانة المعتقل، عبر «نفق الحرية» ببعض ما توفّر من مأكل وملبس يكفي لبضعة أيام. وبعد دقائق معدودة، مررت في الطريق المحاذي/الملاصق لسجن جلبوع الذي خرج منه أبطال الشعب الفلسطيني الستة، فأعدت التلويح للمرّة الثالثة.. لكن لأبطالنا الآخرين الأسرى في ذلك المعتقل، هذه المرّة.
جال في خاطري على مدى ثلث ساعة في الطريق، من جدار وسور سجن جلبوع الى جسر الشيخ حسين، أنّ ما مررت به من وقائع ومصادفات في العشرين ساعة الأخيرة، أشبه ما تكون برحلة ناسك مسيحيّ يخطوا على «طريق الآلام» في القدس، أو هرولة حاج مسلم بين الصّفا والمروة، مقلّداً ومخلّداً هرولة السيدة هاجر وهي تسعى لتأمين ماءٍ تروي به عطش وليدها إسماعيل.
هل كنت أنا أول الحجاج على طول طريق آلام واعتزاز وبطولة ابطال فلسطين الستة؟.
لن ألوم أي فلسطيني يغبطني، (أو يغار) على هذه الرحلة ومصادفاتها، وكل ما حوته من تداخل واختلاط: بين الماضي والحاضر؛ بين الألم والإعتزاز؛ بين التاريخ والجغرافيا؛ بين الواقع والخيال، بين الحقائق والأساطير.

كاتب فلسطيني

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول صديق الحقيقة:

    حج مبرور وسعي مشكور.

اشترك في قائمتنا البريدية