رحلة في زمن منسي

هذا كتاب جديد صادر منذ أسابيع عن دار العين المصرية يحمل عنوان» القاهرة الملكية – صفحات ومشاهد من عمران وثقافة المدينة» من إعداد وتقديم نزار الصياد وحسن حافظ. لنزار الصياد أستاذ العمارة وتاريخها في جامعة بيركلي الأمريكية، كتب مهمة بالإنكليزية والعربية كتبت عن بعضها من قبل، مثل» مدن سينمائية» و»المدينة الأصولية». كما أن لحسن حافظ المؤرخ والكاتب كتبا مهمة مثل «الدعوة الإسماعيلية في مصر».
الكتاب ضخم في حوالي خمسمئة وخمسين صفحة، يحتوي على دراسات لأحد عشر باحثا ومفكرا إلى جانب نزار الصياد وحسن حافظ. القاهرة الملكية المقصودة هنا تمتد من 1922 حين أعلن الملك أحمد فؤاد نفسه ملكا، وانتهت السلطنة أو الخديوية، حتى عام 1953 حين أعلنت حركة يوليو/تموز انتهاء الملكية. ثلاثون عاما صنعت التاريخ الحديث لمصر، رغم كل معوقات الاستعمار الإنكليزي، وفتحت طريق الليبرالية في الحكم والحياة، وهو ما تم إغلاقه عام 1953.
في كل فصل تجد نقاشا حول سبب هذه الطفرة في العمارة والثقافة، هل كانت الملكية أم ثورة 1919. وتحتل ثورة 1919 المكان الأكبر. الفصل الأول بعنوان «فكرة أم واقع» بقلم نزار الصياد، فيه كيف رسخت القاهرة مكانتها كعاصمة سياسية واقتصادية وثقافية بين عامي 1922- 1953، ودور الملكية في ذلك، رغم ما أثير حولها من جدل. الفصل الثاني بعنوان «القاهرة قبل 1922 مدينة تحت الاحتلال» بقلم نزار الصياد وحسن حافظ معا. يبدأ مع الحملة الفرنسية ثم ما فعله محمد علي من بناء جيش ومصانع ومستشفيات ومدارس، لنصل إلى الخديوي إسماعيل وحلمه بالقاهرة كباريس، أو قطعة من أوروبا، ومعه علي مبارك فجاء ما نعرفه بالقاهرة الخديوية.
يأتي الفصل الثالث لحسن حافظ بعنوان «السلطة الملكية وأثرها على المدينة ومؤسساتها». بعد حديث عن الأحوال السياسية نصل إلى أحمد فؤاد، الذي كان مشغولا باستعادة نفوذ أسرته في الحكم، فاتخذ لنفسه اسم صاحب الجلالة ملك مصر، وأنشأ جمعيات مثل الجمعية الجغرافية وغيرها، ودوره في إنشاء الجامعة المصرية. ندخل في العمران والأعمال الملكية في شارع الملكة نازلي، أو رمسيس الآن، مثل مصلحة التليفونات والمستشفى القبطي والمعهد الملكي للموسيقى ومستشفى الهلال الأحمر، وسيشهد هذا الشارع في ما بعد بنايات مثل نقابة المحامين، ومعه شارع الملكة فريدة أو عبد الخالق ثروت، الذي سيشهد نقابة الصحافيين ونادي القضاة، وبنايات كثيرة لطبع القاهرة ببصمتها الملكية، فضلا عن الاستمرار في إطلاق أسماء العائلة المالكة على الشوارع.
يأتي الفصل الرابع عن «العمارة في القاهرة الملكية – قراءة في تفاصيل الطرز وملامح العمران» لكريم بدر. كيف امتزجت القاهرة الخديوية قبل فؤاد، بالذوق الشرقي والأساليب الأوروبية الكلاسيكية في العمارة مثل، الباروك والروكوكو وكذلك العمارة الفرنسية. في عهد فؤاد يظهر التأثير الحداثي، وظهور معماريين مصريون منهم لبيب جبر، الذي صمم نقابة المحامين وغيره. بين عامي 1927-1930 ظهرت نخبة من الأثرياء استثمرت في المباني، فظهرت عمارات كثيرة من كل نوع، ومنها الآرت ديكو مثل عمارة عدس التي صممها جوزيبي بازا 1930 في شارع عماد الدين. الفارق بين الفترة الخديوية والملكية جماليا، وكيف كان المشهد المعماري لوسط البلد هو نتاج الملكية لا القاهرة الخديوية. ننتقل إلى تماثيل القاهرة ما بين 1922-1953» في فصل بقلم ياسر منجي. كيف كانت التماثيل نسقا رمزيا جديدا لهوية القاهرة. رحلة مع التماثيل ما بين 1922-1953. كيف كانت السيطرة على المجال العام واحدة من ملامحها. تماثيل مثل تمثال مصطفي كامل وإبراهيم باشا وسعد زغلول وإسماعيل باشا والملك فؤاد وتمثال نهضة مصر، وغيرها مثل النصب التذكاري لشهداء الجامعة، وما جرى مع كل تمثال من معارضة أو تعطيل أو احتفالات بتفصيل كبير. في التماثيل نلمح أثر المرجعية الفرنسية لمن أقاموها أو الإيطالية، أو من تعلموا على يدهم من المصريين، وغياب أي أثر للثقافة الإنكليزية رغم الاحتلال.
ننتقل إلى القاهرة الملكية مدينة الثقافة والفنون بقلم عماد أبو غازي وكيف أن ما جرى من نهضة كان من توابع ثورة 1919 أكثر. يتناول انطلاق حركة الفنون الجميلة منذ افتتاح مدرسة الفنون الجميلة عام 1908. كيف ذهب الإمام محمد عبده في فتواه بعدم حرمة النحت والتصوير. وجاءت ثورة 1919 لتكون نقطة انطلاق للرواد، ومظاهر ذلك من معارض مصرية وعالمية يذكر كثيرا منها.
الجماعات الفنية التي تشكلت، ومنها «جماعة الخيال التي كانت تضم فنانين بارزين مثل محمود مختار ومحمود سعيد، وبعض الفنانين الأجانب، وارتبط بها أدباء يروجون لها. الحالة الأدبية وظهور مدرسة الديوان في الشعر للعقاد والمازني وعبد الرحمن شكري، ثم مدرسة أبولو التي أسسها أحمد زكي أبو شادي، وظهور فن الرواية وتطوره حتى وصل إلى نجيب محفوظ، وتستمر الرحلة مع المسرح والمنتديات الثقافية وصالونات مثل صالون مي زيادة وفاطمة اليوسف وجميلة العلايلي، والمقاهي الثقافية مثل قهوة متاتيا. يأتي فصل عن «المدينة والمرأة – الهوية والجندر في الفضاء العام للقاهرة الملكية» بقلم كندة السمارة. حضور المرأة في الفراغ الحضري خلال العصر الملكي 1922-1953 وتركيز على دور البلاط الملكي. كيف انخرطت النساء الملكيات في الحياة العامة، ودور الملكة نازلي في هذا. كيف تبرعت الأميرة فاطمة إسماعيل بمئات الأفدنة للجامعة الجديدة. وكيف كان عام 1928 نقطة فاصلة بقبول الطالبات في الجامعة.
يأتي فصل عن «الإذاعة ـ صوت القاهرة الملكية» بقلم عبد الرحمن الطويل. تاريخ الإذاعات الأهلية ومحدوديتها وذكر الكثير منها وكيف نشأت، حتى ظهرت الإذاعة الحكومية عام 1934. ثم فصل عن «القاهرة الملكية سينمائيا ـ المدينة على الشاشة»، بقلم نزار الصياد ودعاء الأمير. صناعة السينما في مصر كواحدة من أقدم صناعات السينما في العالم، وكيف بدأت مع بداية القرن العشرين. تأسيس المعهد المصري للسينما عام 1928 في عهد الملك فؤاد. كيف بدأت السينما تحت رعاية أجنبية في العشرينيات والثلاثينيات منتجين وممثلين ومخرجين، وبينهم مصريون كمحمد بيومي. كيف كانت أفلام العشرينيات والثلاثينيات تعكس طبقية المجتمع. حياة الصفوة والفقراء وأمثلة من الأفلام ليأتي العصر الذهبي للسينما 1936- 1952 ودور طلعت حرب في تأسيس أول شركة إنتاج، وإصدار مجلات سينمائية وأفلام. ننتقل إلى القاهرة الملكية في الصحافة بقلم حسن حافظ وعبد الحليم خليفة. كيف كانت الصحف مواكبة للعمران، سلبا أو إيجابا بالمقالات أو الكاريكاتير. لننتقل إلى «الثقافة الفرانكوفونية في القاهرة الملكية، ما بين الكوزموبوليتانية والمقاومة» بقلم هالة فودة. يمكن تلخيصه في اتساع الدراسة في المدارس الفرنسية عن غيرها من المدارس الأجنبية، التي كان وجودها يعكس الروح الكوزموبوليتانية، أو العالمية لمصر. كيف كانت لغة الجماعات الأدبية هي الفرنسية كمقاومة للإنكليز. الدوريات الفرنسية وأعدادها الكبيرة، وأسماء ممن كتبوا باللغة الفرنسية مثل الشاعر أحمد راسم وألبير قصيري، وقوت القلوب الدمرداشية التي خصصت جائزة للأدب فاز بها نجيب محفوظ عن روايته «رادوبيس». جماعات داعمة للثقافة الفرنسية مثل جماعة الفن والحرية وغيرها. نصل إلى الإسكان في القاهرة الملكية في مقال لهشام خيري وأحياء راقية نشأت بتخطيط أوروبي للنخبة مثل مصر الجديدة والزمالك وجاردن سيتي والمعادي، وعلى الجانب الآخر الأحياء الشعبية مثل السيدة زينب وبولاق وشبرا، ظلت تعاني الزحام بسبب الهجرة من الريف إلى القاهرة. ننتقل إلى «جبانات القاهرة الملكية ومفاهيم الحياة والموت في عصر جديد» بقلم حامد محمد حامد. عن أماكن الجبانات وتكوينها المعماري من أيام المماليك، وجولة مع النُصب التذكارية للمدافن والخطوط التي كتبت بها ورمزيتها، ليأتي الفصل الرابع عشر عن صعود الاهتمام بالجغرافيا في القاهرة الملكية بقلم عاطف معتمد، ثم الفصل الأخير بعنوان «حريق القاهرة 1952»، ونهاية الفترة الملكية بقلم نزار الصياد وحسن حافظ، خاتما الكتاب. مع الخاتمة تكون قد قطعت رحلة عظيمة مع القاهرة الملكية، التي ازدهرت فيها القاهرة رغم كل الدعاية المضادة لذلك العصر، وما ذكرته هنا غيض من فيض نهر كتاب، يعبر الأزمان رغم السدود.

كاتب مصري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية