رحلة قنص لغوية

يبدو علمُ الدلالة Semantics ، للوهلة الأولى، علما موضوعيا محايدا يشتغل على المعاني المتأتية من المستويات اللغوية الدالة مثل الصرف والاشتقاق والتركيب، حتى كأنّ المعاني تسكن أبنية ثابتة يرتادها المتكلّمون بحثا عن دلالات بعينها يجدونها وتجدهم فيعبرون بها عمّا يريدون. تبدو الكلمات والعبارات وكأنّها أشياء ثابتة تسكن معجما مغلقا متى فتحته وجدتها فيه تنتظرك كي تحملك إلى داخل الدلالات المستقرّة لتعرّفك بنفسها. غير أنّ الرحلة إلى المعنى تشبه رحلة قنص دقيقة في غابة اللغة، حيث لا تُصادَف المَعاني جاهزة، بل تُتَّبع آثارُها، وتُراقَب تحوُّلاتها، ويُنتظر انكشافُها في السياق المناسب، فالمعنى لا يُمسَك به مباشرة، بل يُقتنص.

وليس المعنى في علم الدلالة كيانا جامدا، بل كائنٌ مراوغ يتغيّر بتغيّر السياق، أرنب برّي يشعر بخطوات الصياد، وأنف السلوقيّ الذي يتقصّد آثاره فيتخفّى ويتوارى، أو يتمنّع أحيانا أخرى، وهو في بعض الأحيان ذو ألوان تتغير وتتنوّع بتنوّع من يتكلم ومن يستمع والثقافة التي ينتميان إليها وتفاصيلها. وتسمح للغة بأن تحمل الكلمة الواحدة في لفظها المعاني المتعدّدة؛ ومن شأن الكلم أن تتبدّل دلالاتها قد تتبدّل عبر الزمان والمكان. فعبارة (أنت حرّ) التي تعني، في الدلالة المحايدة والعامة وبلا تفاصيل عن الوضعيات التي قيلت فيها، مخاطبة شخص مفرد مذكّر بنسبة الحرية إليه، لكنّك وأنت تسمع هذه العبارة تجدها تدعوك بما هي وحدة دلالية مخصوصة النظم إلى رحلة قنص أسلحتها ومصادرها ومواردها مختلفة؛ فمن الممكن أن تكون (أنت حرّ) عقد يعتق رقبة من العبودية حين يقولها السيد للعبد، معلنا حريته، ولكنها اليوم لا تفيد هذا الإيقاع التعاقدي الذي زالت أسبابه. لكنّ العبارة كانت في زمان الاستعباد والتحرير، سلاحا يقتنص به العبد شيئا تمنّاه طيلة حياته: أن يكون حرّا؛ ولذلك فإنّ للعبارة في الميزان فعلَ العقد الذي يشتري به العبد حريته إلى حين، فمن الممكن أن يعود إلى العبودية لو كان هو نفسه موضوع قنص وسلعة تباع في سوق النخاسة. ومن الممكن أن تكون (أنت حرّ) مفيدة لغير معناها حين يقولها لك شخص يدّعي لك الحرية حتى يحمّلك المسؤولية وتبعات حريتك، هذه يقولها الأب مهدّدا ولده الذي يريد أن يسهر إلى منتصف الليل، فأنت حرّ هنا بمعنى تحمّل مسؤولية تأخرك في الرجوع إلى المنزل. هنا يبدأ القنص بتتبّع العبارات في استعمالاتها المختلفة، وملاحظة الفروق الدقيقة التي تفصل معنى عن آخر.

لا ينكر علم الدلالة قيمة المعجم، ولذلك نجد في هذا العلم حديثا عن علم الدلالة المعجمي Lexical semantics وفيه تتجه العناية إلى معاني العبارات وكيفية تجمعها في دلالات، والعلاقات التي تكون بينها وكيف يكون توليف الكلم في التركيب. ولئن كان المعجم يقدّم المعاني المختلفة فإنّه يعطيك الشراك لكي تصطاد ولا يعطيك الحيلة، ولا الزمن اللازم لكي تعرف متى تصطاد بها. يقول لك المعجم إنّ الفعل (مَرَّ) يعني أن يتحرك أمامك الشيء أو الشخص ليَعْبُر؛ ولكنّه يعطيك له معنى آخر: أن ينقلب الشيء إلى مَرارة. أنت تحتاج أن تعرف أحد الاتجاهين اللذين مرّ من كل واحد منهما فرد من زوج من الأرانب توأم حتى تعرف إلى إيّ منهما تصوّب، لكنّك قد تظل حائرا حين يقول لك (كلما مرّ يحلو)، وهو أسلوب يسمّيه البلاغيّون تورية بها يختفي معنى في معنى ويصعب عليك قنص أحدهما، لكنّك وأنت لا ترجع بفريسة تشعر بالانتشاء، انتشاء ضياعك في رحلة صيدك بين متشابهين في مسلكين، لا يلتقيان ولكنّهما يسلبان اللبّ.

إن المعنى يكون وليد التفاعل بين البنية اللغوية والسياق التداولي. وهنا يتحوّل القارئ، أو السامع إلى قانصٍ يقظ، يزن القرائن اللفظية والحالية، ليصيب المعنى المقصود. يُثار في اللسانيات سؤالٌ قديم: أين تنتهي الدلالة وأين تبدأ التداولية؟ الدلالة تُعنى بالمعنى كما يُشفَّر في اللغة؛ والتداولية تُعنى بما يُقصَد بالاستعمال. غير أن الفصل الصارم بينهما صعب. فقول المتكلم: (الجو بارد هنا) قد يكون تقريرا، أو تلميحا أو طلبا غير مباشر. رغم أنّ المعنى الحرفي واضح، لكنّ المعنى المقصود لا يُقتنص إلا بفهم المقام. وهكذا يتعلّم الدّلاليّ أن القنص الحقيقي يجري على الحافة بين ما يُقال وما يُراد.
وتبلغ رحلة القنص ذروتها عند الاستعارة، فالاستعارة ليست زينة بلاغية فحسب، بل هي آلية معرفية تُعاد بها صياغة التجربة الإنسانية. حين نقول (الوقت سيف)، أو (ولدت)، فنحن ننقل خصائص ميدان إدراكي إلى ميدان آخر نرحّله من تجربتنا الحسية مع آلة الحرب (السيف)، أو الولادة الفعلية (ولدت) إلى ميدان تجربة آخر ليس محسوسا، بل مجردٌ هو الزمان والتفكير. علم الدلالة العرفاني يرى أنّ هذا الانتقال بين الميادين من أمر الإدراك وليس من أمر اللفظ. وقنص المعنى هنا يتطلّب وعيا بالشبكات المفهومية التي تتحرّك فيها اللغة بأمر من الإدراك.
ولا يمكن إغفال البعد الأيديولوجي للمعنى، فالمعاني لا تُنتَج في فراغ، بل في سياقات اجتماعية تحكمها السلطة، لذلك نختار أحيانا لفظا دون آخر. فحين نستعمل عبارة (شهيد) بدلا من (قتيل)، أو عبارة (إصلاح) بدلا من (تغيير) فليس استعمالنا للعبارتين خاليا من شحنات مرتبطة بالاعتقاد والأيديولوجيا. وعلم الدلالة يحوّل القنص إلى فعل مقاومة، من خلال تفكيك المعنى السائد، وكشف ما يخفيه الخطاب من افتراضات ومصالح.

علم الدلالة ليس علم إجابات جاهزة، بل هو علم أسئلة يقظة. هو تدريب على الإصغاء العميق للغة، وعلى الشكّ في المعنى السطحي، وعلى تعقّب ما يتحرّك تحت الكلمات. إنها رحلة قنص لا تنتهي عند إصابة هدف واحد، لأن اللغة تتجدّد، والمعنى ينفلت، والقانص الحقيقي هو من يظلّ متأهّبا، لا ليقتل المعنى، بل ليكشفه حيّا في لحظة ظهوره، حين يبحث. في علم الدلالة البنيوي كان العمل يتمحور حول تحليل مدلول المضامين، لا بأن تحدد طرق تأليفه، ولا العلاقة النسقية التي تجعله ملائما، بل بوصف الدلالة. فعلى سبيل المثال ما يشدّ عالم الدلالة البنيوي في الحديث عن السوائل هو البحث في كل سائل عن السمات الفرعية، التي بها يمكن أن ينماز بعض تلك السوائل من بعض؛ فمثلا تكون قابلية الالتهاب في النفط وقابلية إطفاء النار شيئا مهمّا في التمييز بين البنزين والماء. هذه السمات التمييزية يمكن أن تجعل كلّ سائل يتحدّد بالاختلاف عن الآخر.
ينظر علم الدلالة البنيوي إلى المعنى باعتباره شبكة من العلاقات بين الوحدات الدنيا داخل النظام اللغوي، وذلك تماشيا مع البنيوية، بينما يدرس علم الدلالة العرفاني المعنى باعتباره مرتبطا بالتجربة الإنسانية، والتصور، وتنظيم العالم من خلال الطرز. ويحلل الأول الكلمات من خلال تضاداتها واختلافاتها الداخلية، بينما يحلل الثاني الكلمات من خلال تجذرها في العقل وتفاعلها مع العالم، فلكل علم دلالة مجال قنصه. في علم الدلالة البنيوي يتعرّف الأعزب في مقابل المتزوج، فهذا معلوم من خلال تقابل العبارتين، ولا فائدة في الاستنجاد بالمعطيات من الخارج الثقافي. لكن في الجهة الإدراكية، فإنّ الأعزب يمكن أن يدرك من خلال ما استقرّ في الاذهان وما أوحت به التجربة الاجتماعية، فالأعزب يمكن أن يتصوّر بما هو شابّ مستقلّ عن أسرة، ويمكن أن يحدّد الأعزب بالتركيز على الطراز، أو المثال من هذا النوع من الرجال الذي لم يبحث له عن زوج.
القنص الدلالي ليس مختلفا من لغة إلى أخرى، بل يمكن أن يختلف من منظار لساني إلى آخر، فلئن كان الفلاسفة والنحاة وغيرهم من الفئات المشتغلة على المعاني ترى في نفسها الكفاءة، للحديث عن كيفيات القنص المختلفة، فإنّ ذلك يمكن أن يتنوّع باختلاف أساليب القنص والأدوات المعتمدة. والمهمّ أنّ القنص ههنا ليس محرّما، بل هو نشاط دائم وأبديّ لا تحرّمه أيّ جماعة بدعوى حفظ الصنف أو النوع، ممّا كان موضوع قنص. القنص اللغوي هو الضمانة الأولى والأساسية لحياة اللغة، ففي اللسانيات شعار آخر: ولكم في القنص حياة يا أولي اللسان.

أستاذ اللسانيّات في الجامعة التونسية

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الدكتور جمال البدري:

    ( وتسمح للغة بأن تحمل الكلمة الواحدة في لفظها المعاني المتعدّدة؛ ومن شأن الكلم أن تتبدّل دلالاتها قد تتبدّل عبر الزمان والمكان… علم الدلالة ليس علم إجابات جاهزة، بل هو علم أسئلة يقظة. هو تدريب على الإصغاء العميق للغة، وعلى الشكّ في المعنى السطحي، وعلى تعقّب ما يتحرّك تحت الكلمات. إنها رحلة قنص لا تنتهي عند إصابة هدف واحد، لأن اللغة تتجدّد، والمعنى ينفلت، والقانص الحقيقي هو من يظلّ متأهّبا، لا ليقتل المعنى، بل ليكشفه حيّا في لحظة ظهوره، حين يبحث ).أتفق مع حضرتك فيما ذهبت إليه في مقالك المكنون بالدلالات.وأضيف أنّ اللفظة
    في القرآن كمثال هي لفظة { دائرية المعاني } بمعنى أنها تطلق المعنى المناسب الملائم للزمان والمكان والإنسان دون
    أنْ توشل ولا تخرج عن أصل منبتها من لدن الرّحمن.لذا نجد التجدد في التفاسير…وهذا ما تناولته بكتابي { هندّسة القرآن } الذي نال المرتبة الأولى في التقييم…ولا يزال يتبوّء تلك المرتبة في مجاله تخصصه على موقع { Goodreads }. فعلًا أسعدني هذا المقال من أستاذ متخصص ؛ لأنه أعطاني إجابات مباشرة دون لفّ ولا دوران.مع التقدير والعرفان.

  2. يقول الناقد الفلسفي:

    الزميل العزيز توفيق قريرة،
    قبل كل شيء هنا، ثمة العديد من علماء اللسان وكذلك علماء المنطق (وأنا منهم) يميلون على نحو خاص إلى تفضيل الاصطلاح العربي «الدلاليات» على الاصطلاح العربي المركب «علم الدلالة» في مقابل الاصطلاح الإنكليزي Semantics على غرارا اصطلاحات عربية أخرى من مثل «اللسانيات» و«الرياضيات» و«البصريات» إلى آخره، وذلك لعدّة أسباب علمية وموضوعية شائكة ليس هذا الحيّز مناسبا للكلام عليها، في واقع الحال.. [يتبع]

  3. يقول ابو ذر الغفاري:

    علم الدلالة هو الأصح من الدلاليات.ثم إن ابحاث النفس التطبيقي لا علاقة لها بعلم المنطق ولا بعلم اللسان.

  4. يقول ابراهيم ابو طالب:

    علم الدلالة غير علم اللسان غير علم المنطق.
    فلكل علم اختصاصه المغاير تماما للفلسفة.
    أما علم النفس فهو علم سريري تجريبي وفق
    نظريات ومدارس سيكولوجية.بعضه نظري
    وبعضه تطبيقي.فلا يجوز الخلط فيما بينها.

    1. يقول الطيب صياد -:

      لهذا السبب، من بين أسباب أخرى، المجتمع العربي لم يزل متخلفا ثقافيا
      ما دام فيه أشباه أو أنصاف قراء يأتون بهكذا سخف وهكذا هذر بكل معنى الكلمة
      شكرا للأساتذة توفيق قريرة والناقد الفلسفي على الإثراء

اشترك في قائمتنا البريدية