ردم الآبار الزراعية… «تجفيف سياسي» للأرض الفلسطينية

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

نابلس- «القدس العربي»: يفتخر أهالي بلدة بيت دجن شرق مدينة نابلس بخبرتهم الطويلة في مجال الزراعة، تلك الخبرة التي تراكمت في حقول خصبة في منطقة قريبة تحمل اسم «فروش بيت دجن» التي تبعد عن البلدة بنحو 20 كم قبل عشرات السنين.
المختلف في تجربة هذه البلدة الجديدة هو أنها بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول قررت العودة للأرض عبر فلاحة وزراعة سهولها التي تحمل تصنيف «ج» وهي المهددة بالاستيطان. فقدمت نموذجا لامعا مع عودة نحو 300 عامل على زراعة الأرض بدلا من العمل في المستوطنات في الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948 في أكبر استدعاء لخبرة الآباء في الحقول القريبة.
لكن ما كانت تفخر به البلدة خلال العامين المنصرمين كاد أن يتحول إلى هباء منثور مع قيام قوات جيش الاحتلال بردم أبرز بئرين إرتوازيين (يوم الخميس 31/7/2025) يستخدمهما المزارعون الجدد في ري بيوتهم البلاستيكية التي تقدر مساحاتها بـ 400 دونم.

شهادة مزارع

يقول المزارع بشار محسن في وصف ما آلت إليه الأمور: «على هذا النحو بدي أعدم ثلثي مزرعتي».
ولدى محسن مزرعة مكونة من 9 دونمات، ويحتاج كل دونم فيها إلى نحو 9 كوب ماء يوميا، وبعد أن ردم الاحتلال الآبار الجديدة أصبح يجلب الماء عبر تنكات زراعية ويدفع مقابل ذلك أثمانا كبيرة.
وتابع محسن لـ«القدس العربي»: «يمكنني القيام بسقاية دونمين من أصل تسعة، وفي حال غابت المياه سأعدم 7 دونمات من مزروعاتي، وكلها في ذروة عطائها بسبب عدم توفر المياه».
أما المزارع رمزي أبو خضير، الذي كان وأخوته السبعة يعملون في الداخل المحتل قبل أن يلبوا نداء فلسطينيا رسميا بالعودة للزراعة لتقليل البطالة الفلسطينية بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، حيث عادوا واستثمروا في بيوت بلاستيكية زرعت بالبندورة ومحاصيل أخرى.
ويتساءل: «كيف يمكن أن يدعم المسؤول الفلسطيني صمودي، أنا لا أريد من أحد أن يرفع معنوياتي، أنا الذي أرفع معنويات بلد كاملة.. أنا أريد المياه كي أستمر في البقاء في أرضي».
وقال: «عندما عدت للأرض هنا في هذا السهل المستهدف والمحاط بالمستوطنات كان هدفي تثبيت الأرض ومن ثم تأمين دخل لأسر أخواني السبعة، وهو ما حدث، لكن مع ردم الآبار وغياب المياه غابت أي مقومات للصمود».
ويعبر عن معاناته: «الليلة لم أنم ولو للحظة واحدة، لا يوجد لدي ماء.. أنا أناشد كل مسؤول أن يأتي إلى هنا ويبحث معي كيف يمكن أن يدعم صمودي بعد أن فاجأنا الاحتلال بردم الآبار».
وفي المنطقة التي تقع فيها البيوت البلاستيكية لأبو خضير هناك أكثر من 170 بيتا بلاستيكيا تضررت في ذروة إنتاجها، وهي مزروعة في جزء كبير منها بالبندورة والخيار.
وعلى مدى أشهر قدمت مؤسسات فلسطينية رسمية وأهلية وجهات دولية تجربة بلدة بيت دجن حيث نظر إليها على أنها تشكل نموذجا يحتذى في قدرة الفلسطيني على توفير بدائل للعمالة في إسرائيل، لكن كل هذه الاحتفاء ذهب أدراج الرياح مع ردم البئرين اللذين يزودان عشرات المزارعين بالماء المخصص للزراعة.

خط مياه

وقبل يومين، افتتح محافظ نابلس، غسان دغلس، خطاً مؤقتاً للمياه في قرية بيت دجن، بهدف دعم المزارعين وتمكينهم من ري مزروعاتهم بشكل مؤقت.
وقال دغلس في حفل تدشين الخط المؤقت إن هذا الخط يأتي في إطار جهود الحكومة الفلسطينية لمساعدة المزارعين على استدامة زراعتهم.
الخط المؤقت الذي افتتحه المحافظ كان نتيجة تلبية مؤسسة الإغاثة الزراعية لمناشدة المزارعين، حيث قامت بالتدخل واعتماد خطة بديلة قدمها المجلس البلدي ونفذت خلال الـ48 ساعة.
وقال مدير عام الإغاثة الزراعية في فلسطين منجد أبو جيش أن الاحتلال تعمد إغلاق بئرين إرتوازيين يغذيان أكثر من (100) دونم مزروعة بالبندورة داخل بيوت بلاستيكية وهن في ذروة الإنتاج ويقدر إنتاجها بـــ (2) مليون شيكل (700 ألف دولار).
وأشار أبو جيش في حديث مع «القدس العربي» إلى أن الإغاثة الزراعية نفذت تدخلا سريعا من أجل إنقاذ الموسم الزراعي من الجفاف، وقال إن «الحل الذي قدمته للمشكلة التي فرضها الاحتلال تنحصر في المستوى القصير، أما على المستوى الطويل فالأمر يحتاج للبحث عن مصادر مياه للزراعة وبدائل أكثر استدامه».
ونوه أن الإغاثة الزراعية طورت من أدواتها وإجراءاتها للتدخل بشكل طارئ وسريع لتأمين بعض الحاجات الخاصة للمزارعين لضمان الإنتاج أو العودة إليه بهدف المحافظة على الموسم الزراعي.
وفي بيت دجن، شرق نابلس (4500) نسمة، يقع سهلان، الأول خاص بالبلدة، والثاني تشترك فيه مع بلدة بيت فوريك المجاورة، وكلاهما يستهدفهما الاحتلال بالحواجز والمستوطنات.
وتشتهر البلدة بخبرة راسخة في زراعة البندورة والخيار وهي تغذي مناطق واسعة في الضفة الغربية وقطاع غزة سابقا.
وبفعل منع ما يربو من 170 ألف عامل من الدخول لممارسة أعمالهم في المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1948 بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول عام 2023، لجأ جزء كبير من العمال إلى ممارسة الزراعة وهو ما ضاعف من إنتاج الأراضي الزراعية في الضفة إلى ثلاثة أضعاف، حسب أبو جيش.
ويقول أبو جيش: «هذه الزيادة رافقها إغلاق الأسواق مع الضفة بفعل الحواجز، والإغلاق الشامل مع غزة حيث تعاني من تجويع حاد».
ولفت الانتباه إلى أن هناك أنباء عن فتح السوق مع قطاع غزة، و»هو أمر في حال تم تطبيقه فإنه سيكتب للضفة أن تساهم في إطعام غزة الخضار والفواكه كما كان الأمر سابقا، وسيقود إلى تكامل الجغرافيا الفلسطينية وتكامل سوقيها في ظل اختلاف المزروعات في الضفة عن القطاع».
وأضاف «أن القطاع الزراعي هو الذي يحقق الأمن الغذائي، وبالتالي لا يقاس مثل بقية القطاعات بالربح والخسارة، بل يقاس بصمود المزارع تعزيز دوره بالاستمرار، وهو ما يعمل على الحفاظ على الأرض وتحديدا مناطق «ج».
وأكد أبو جيش على أنه «من أجل ضمان استمرار ذلك نحن بحاجة لدعم كبير للمزارعين على المستوى الوطني وتبني خطة وطنية شاملة بمشاركة الحكومة والمؤسسات الأهلية والقطاع الخاص والجمعيات التعاونية الزراعية والمزارعين أنفسهم، وبذل جهود كبيرة لضمان استمرار توفير الأمن الغذائي ودعم إنتاجية القطاع الزراعي وتعزيز صمود المزارعين».
وعن الوضع في الضفة الغربية أوضح أبو جيش أن 60% من أراضي الضفة العربية مصنفة «ج» وتخضع لسيطرة الاحتلال بشكل كامل، وقد ركز الاحتلال في الآونة الاخيرة على استهداف المياه المستخدمة للزراعة.

ردم آبار

وفي السياق ذاته، ردمت قوات الاحتلال الإسرائيلي، 7 ينابيع مياه، في منطقة الباحة في بلدة الظاهرية جنوب مدينة الخليل، حيث استخدمت جرافات وخلاطات باطون ومضخة في ردم العيون الـ 7.
ويعقب المهندس فؤاد أبو سيف مدير عام لجان العمل الزراعي على ذلك بالتأكيد على أن «الظاهرية وجنوب الخليل، التي تعاني من جفاف غير محتمل وواسع، وحيث الآبار هي المصدر الوحيد للري، يتحول ردم بئر إلى حكم بالإعدام على مجتمع زراعي كامل».
ويضيف لـ«القدس العربي»: «المياه في فلسطين هي أحد أعمدة الصراع وأخطر أدوات السيطرة التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي منذ عقود، يدير الاحتلال ملف المياه كملف سيادي وأمني من الدرجة الأولى، ويستخدمه لإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا معًا. ما نشهده اليوم من تدمير الآبار وردم الينابيع وخنق شبكات الري هو تنفيذ منهجي لاستراتيجية تحرم الفلسطينيين من شريان الحياة، وتجعلهم رهائن لسلطة الاحتلال في كل ما يتعلق بإنتاجهم الزراعي، وصمودهم في الأرض، وقدرتهم على التخطيط للمستقبل».
ورأى أن الأرقام الميدانية مقلقة ومرعبة، «منذ مطلع 2023 وحتى آب/أغسطس 2025 أُغلق وردم 12 بئرا إرتوازيا بقرارات عسكرية، وسُجّل أكثر من 62 اعتداء مباشرا على بنية المياه الزراعية من قبل المستوطنين، شمل تخريب خزانات وشبكات ري وينابيع. هذه الوقائع تتركز في مناطق حيوية مثل الخليل والأغوار، وهي المناطق التي تشـــكل خط الدفاع الأخير عن الأراضي الزراعية المفتوحة».
وعن بيت دجن، قال أبو سيف إنها تمثل نموذجا صارخا على حجم الخطر والتحدي الذي يواجه الفلاح الفلسطيني، «فإغلاق بئرين بالمواد الإسمنتية، كانا يمدان البيوت البلاستيكية والمنازل بالمياه. تمثل خطوة ضربت رأس المال الإنتاجي للمزارعين الذين استثمروا آلاف الدولارات في تجهيزاتهم».
وشبّه ما يجري بعملية «تجفيف سياسي» للأرض، إذ يعرف الاحتلال أن الزراعة بلا ماء تتحول بسرعة إلى أرض بور قابلة للمصادرة أو التوسع الاستيطاني.
وحول الحديث عن خطط بديلة لحماية 1000–1500 بيت زراعي في ظل هذه المعطيات، يقول أبــــو سيف إنه «إذا لم يكن مقرونًا بضمانات حماية سياسية للبنية المائية، يبقى بلا جدوى حقيقية. نقل المياه بالصهاريج، رغم أهميته الطارئة، يثقل كاهل المزارع بكلفة تصل إلى 25 شيكلا للمتر المكعب، فيما أي بنية تحتية جديدة في منطقة “ج” عرضة للهدم الفوري. الاحتلال في مناطق ج يحارب فكرة أن يمتلك الفلسطينيون أي قدرة ذاتية على التحكم بالمورد المائي خارج سيطرته «الآبار غير المرخصة» ليست هي السبب كما يزعم».

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية