رواية «قيامة جميلة»… قوّة سحر الأسطورة في السرد

 تتلخص رواية «قيامة جميلة» في قصة حب بين الشاب السوري الكردي «جان» وفتاة جزائرية اسمها «جميلة»، العاشقان ينتميان إلى مكانين يشتركان في جراحاتهما، هما ناجيان من حروب طاحنة دارت رحاها في بلديهما. سوريا تمزقها حروب الطوائف، والجزائر تنزف من جراح السنوات العشر السوداء. جان يتنفس دخان الحرائق، وجميلة، الفتاة الجزائرية الهاربة من كوابيس حاصرت روحها.
الرواية الصادرة عن دار موزائييك للدراسات والنشر عام 2024، للروائي والطبيب أديب حسن، منحها الكاتب بعداً أسطورياً شكّل متن الرواية منذ البداية، مروراً بأسطورة قصة الحب الخالدة (مم وزين) ليضعنا أمام اللحظة التي يظهر فيها «سيدي مسيد» بوصفه شخصية أسطورية لولي صالح عاش في مدينة قسنطينة شرقي الجزائر، ظهر بأعجوبة أمام الراعي «جان» وهو يرعى أغنامه في الحقل. سنجد جبل الجودي وجزيرة بوطان، كانت الأسطورة مرادف الأمل، ولفكرة الإصرار، والسعي وراء الحلم، مهما بدا غير ممكن وبعيد المنال، كما يتحدث الروائي أديب في أحد لقاءاته.
«قيامة جميلة» عمل روائي يمزج بين الواقع والأسطورة، ينفتح السرد فيها على حكمة فلسفية: الرحلة لا الوصول، لتمهد بما سيجيء بعدها من أحداث وحكايات، تعمد الروائي أن تدور في فلك تلك العبارة التي تحملنا على معنى الحياة. جان ليس بطلاً تقليدياً، بل هو بطل تراجيدي، حبّه للفتاة الجزائرية يتجاوز كونه عاطفة ليصبح هوساً وجودياً، ضحية لنظام أسطوري خانق. هو رجل أصيب بصدمة الحرب، فالتقط فكرة «جميلة» كطوق نجاة، لكن هذا الطوق تحول إلى قيد. البحث عنها ليس بحثًا عن خلاص، بل هو هروب من مواجهة أشباحه الداخلية. هو يستبدل صدمة الحرب بفكرة الحب المستحيل، أو الحب القوي الذي يمكن أن يكون مصدر ألم عظيم وجنون، وليس سعادة فقط. «هل سيكون المجنون الأول الذي ستسجل المدينة باسمه، وهو يقضي النهارات كلها باحثاً عن جميلة؟».
جميلة: تبقى شخصية غامضة، أشبه بفكرة أو رمز، أكثر منها إنسانة «جميلة العرّافة المرسلة من الغيب لتمتحن الإنسان المحبوس داخله». ليست موضوع حب، بل هي «فيروس» في مخيلة جان. هي الكائن الافتراضي الذي يمنح مأساته شكلاً وجمالاً. وجودها الحقيقي غير مهم، بل إن غيابها هو شرط استمرار المرض/الإيمان. لو التقى بها، لانهارت الأسطورة وواجه فراغ فكرته عنها.
قصة الحب التي جمعت الشابين في شركة تأسست في بلد لا اسم له ـ تعمّد الروائي ذلك ـ يواجهان صعوبة الحياة في عالم آخر مختلف في كل شي عن بلديهما، ينطق سيدي مسيد اسم «جميلة» أمام جان، ويفتح عيون الصبي الحالم، على رؤية فيها الحب خلاص من كل ألم، ليبدو ذلك بمثابة نبوءة بانتظار أن تتحقق للراعي صاحب المزمار والصوت الجميل والأغنيات الكردية المفعمة بالأحلام والحب.
أسطورة الحب هي التي تنتشل الحبيبين من واقع الألم والانكسار، وبهذا تفعل الأسطورة فعل الجامع بين النقيضين، الحب والحرب، وكأن الروائي يتساءل عن كيفية وقوع الناس في الحب مجدداً، بعد ما عانوه من ويلات حروب، وضروب الكراهية، ليجيب: إنها القدرة السحرية للأساطير التي يؤمنون بها، التي من شأنها أن تبقي على نقاء داخلي يؤهلهم للحب ويدفعهم للثقة بالآخر مجدداً.
تميزت الرواية بصورها الشعرية المشحونة بالعاطفة والتأمل، فالروائي أديب حسن شاعر أيضاً، فهو منحاز للغته الشعرية، حمل أدوات القصيدة بكامل عدتها، وضمّنها في الإيقاع والصورة والاستعارة، فكانت لغته مكثفة تقترب من الأناشيد أكثر من السرد. هذا الانحياز الشعري منح النص فرادة وتميزاً أسلوبياً، لكنه حمّله كثافة لغوية عالية، يشعر فيها القارئ أحياناً بإيقاع بطيء في السرد، أو انقطاع النسق الدرامي، لكنها ليست سلبية بالضرورة، لأن الرواية عند أديب حسن تسعى إلى استعادة الإنسانية المحطّمة عبر اللغة، واللغة الشعرية أداته لتحقيق هذا الغرض.
«قيامة جميلة» رواية عن عالم ينهار، الشركة تخسر ويعتقل مديرها بتهمة التحرّش بجميلة، في حين تستيقظ المدينة على فيروس يفتك بالناس، ويجبر البعض الآخر على العزلة، تنهار العلاقات الاجتماعية، لتصبح العزلة هي الخلاص للنجاة. كل شيء زائف، العالم يتداعى ويتحول إلى مسخ مخالف للطبيعة. «قيامة جميلة» هي البحث عن الخلاص الإنساني في هذا العالم، تحكي عن الحبُ بوصفه وسيلة إنقاذ للإنسان، بل كيف يمكن لفكرة «الخلاص عبر الحب» أن تكون أكثر الأمراض النفسية فتكاً بالإنسان المنكسر. الرواية تسأل: ماذا لو كان البحث عن «الجميل» هو نفسه المرض، وليس الدواء؟ ماذا لو كانت أعظم خيانة للذات هي أن تختار أن تكون بطلا في أسطورة، بدلاً من أن تظل إنسانا مجروحا يحاول أن يشفي جراحه في عالم واقعي قاسٍ؟

كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية