ننطلق هنا من قضية أصبحت بدهية في مجال الدراسات السردية، وهي أن لكل عمل خيالي مظهرين: إنه قصة وخطاب في الآن نفسه Histoire et Discours أو على حد تعبير الشكلانيين الروس: متن حكائي «Fable» ومبنى حكائي: Sujet. هو قصة، حيث يتضمن أحداثاً ووقائع قد تكون وقعت سابقا، أو يمكن أن يقع مثلها في واقع الناس، وتضم كذلك أشخاصاً يمارسون حياة تشبه الحياة الواقعية في قوانينها وصراعاتها؛ وهو خطاب لأن ثمة قاصا يقص هذه القصة لقارئ في مواجهته يتلقاها ويدركها، والذي يهم في هذه الحالة، ليس الأحداث في حد ذاتها، ولكن الطريقة التي يُتَوَسَّلُ بها لنقل هذه الأحداث إلينا.
القصة في ميرامار
تقوم القصة في « ميرامار» على أساس حدثٍ رئيس واحد هو، الثورة الاشتراكية في مصر، وكيف تقفُ مجموعة من الشخصيات تمثل أنماطاً مختلفة من النسيج الاجتماعي المصري منْ هذا الحدث الخطير. هذه الشخصيات هي: عامر وجدي ـ ماريانا ـ زهرة ـ طُلْبَة مرزوق ـ سرحان البحيري ـ حسني علام ـ منصور باهي. تلتقي هذه الشخصيات على مستوى المكان في بنسيون «ميرامار» في الإسكندرية لصاحبته «ماريانا» اليونانية، ولكنها تتنافر على مستوى الأفكار والموقف من الحدث الرئيس. وإذا كان ثمة ما يوحد هذا الجمع المتنافر، فهو أنهم قدموا جميعاً إلى البنسيون مدفوعين بدافع واحد هو البحث عن الأمان والدفء والاستقرار. فعامر وجدي الصحافي العجوز، يأتي إلى البنسيون ليقضي فيه بقية حياته في هدوء، يجتر ذكريات الأيام المجيدة.. «لقد ركنت إليه لأنعم بشيء من الهدوء الضروري لشيخوختي، وبشيء من عزاء الذكريات عن الخيبة المريرة التي منيت بها في ختام حياتي». و»زهرة» تأتي هاربة من زواج أُرغمت عليه من لدن جدها القاسي المتزمت، باحثة عن عمل شريف في البنسيون يؤمنها من الخوف والجوع. «أراد جدها أن يزوجها من عجوز مثله لتخدمه».
ويُقْدِمُ طُلْبَة مرزوق لاجئاً عند عشيقته القديمة « ماريانا « فارّاً من الشعور بالذل والهوان في القاهرة، بعد أن صادرت الثورة أمواله وأرضه (ألف فدان)، ووضعته تحت الحراسة. يقول طُلْبة متحدثاً عن نفسه: «لم يعد لي مقام في الريف، وجو القاهرة يصر على إشعاري بهواني، عند ذاك فكرتُ في عشيقتي القديمة، وقلتُ: لقد فقدتْ زوجها في ثورة، ومالها في الثورة الأخرى، وإذن فسنعزف لحنا واحداً». أما حسني علام الذي ينتمي إلى طبقة مرزوق نفسها، فيلجأ إلى البنسيون هرباً من طبقته الأرستقراطية، حاملا معه ذلاً من نوع آخر، هو رفضه زوجاً من قِبَل إحدى قريباته التي صارحتْه بحقيقته وهي: أنَّه «غير مثقف والمئة فدَّان في كف عفريت». يأتي منصور باهي إلى البنسيون متحاشيا ما يمكن أن يتعرض له في القاهرة من اعتقال بسبب انتمائه إلى الشيوعيين، بعد أن رضخ لضغوط أخيه الضابط في البوليس بالتخلي عن طريقه ورفاقه.. ويلجأ سرحان البَحيري بدوره إلى البنسيون هرباً من علاقة حب واهية إلى علاقة حب حقيقي كان من الممكن أن تتوج بالزواج، لولا روح سرحان التي طبعت على المصلحة والانتهازية «يا ربي… أريد أن أفيد وأن أستفيد فما عسى أن أصنع؟».
وإذا كان البحث عن الأمن والاستقرار هربا من ماض بائس، هو النقطة التي تتوحد عندها هذه الشخصيات المتنافرة، فإن هناك محوراً واحداً هو قطب الرحى الذي تتجاذب نحوه هو: شخصية «زهرة» الفتاة الريفية التي تستثير اهتمام الجميع بشخصيتها القوية، وجمالها الريفي، وأنوثتها الناضجة، غيرَ أن سرحان البحيري وحده هو الذي سيفوز بحبها، فهي من بلدياته (البحيرة). أبدت ميلاً إليه، وإن كان ذلك الميل من ناحيتها كان يشوبه التوجس والحيطة. أما حسني علام المستهتر غير المبالي، فقد حاول أن يتخذ منها خليلة. منصور باهي عرض عليها الزواج في لحظة من لحظات ضعفه ويأسه. ومحمود أبو العباس بائع الصحف سعى إلى خطبتها ليجعل منها ربة بيت تعيش حياة دونية تحت سلطته. يغدر سرحان البحيري بالفتاة، كما غدر بالثورة التي استفاد منها، لأنه رأى أنها لا تتسع لطموحاته العريضة وأطماعه اللامحدودة كبورجوازي صغير يحاول التسلق إلى الطبقة الأعلى لتحسين أوضاعه المادية والاجتماعية، لذلك فإنهُ يقيم علاقة مع «علية» مدرسة « زهرة « لفوائد يأمل أن يحققها من هذا الزواج الصفقة. ولكن الزواج يفشل، كما تفشل عملية تهريب شاحنة الغَزل، فيلجأ إلى الانتحار. أما زهرة، فتعلنُ عن قرارها الاستمرارَ على الدرب نفسه نحو الكرامة والعمل الشريف، متسلحة بالعلم والأمل والثقة بالنفس.
إن «ميرامار» حكاية بسيطة للغاية كما يقول محمود أمين العالم، ولكن هذه الحكاية البسيطة تتعزز بقصص أخرى تلتحم فيما بينها ملتقية عند بعض الأحداث.
الخطاب الروائي في ميرامار:
يُقدمُ لنا الحدث الواحد في رواية «ميرامار» من خلال زوايا نظر متعددة، فقد استُبْعِدَ الروي العليم صاحب «الرؤية من الخلف» ذو الإدراك الأحادي الذي يتمتع بمعرفة غير محدودة، تتجاوز القدرة البشرية، فيخترق الأسوار، ويقتحم البيوت، ويكشف أسرار النفوس كأنه إله. لقد رأى النقاد المعاصرون أن وجهة النظر المحدودة تُمَكِّنُ من الانفتاح على آفاق الحياة المتشعبة المتناقضة». إن القصة يجب أن تحكي ذاتها، وذلك عن طريق مسرحة الحدث، أو عرضه وليس عن طريق السرد أو التلخيص». يرى جوستاف فلوبير : «أن الفنان ينبغي أن يكون في عمله الأدبي مثل إلهٍ في خلقه، غير مرئي، وأكثر نفوذاً، بحيث نحس وجوده في كل مكان، لكن دون أن نراه». . أما الراوي في (الرؤية مع) فهو محدود المعرفة، لا تتعدى معرفته ما يرى أو ما يسمع. يتبدى لنا أن هذا الشكل الفني في «ميرامار» لم يكن مجرد لعبة شكلية أو مجرد «تجربة أسلوبية يختبر بها الكاتب أرضه الأدبية الجديدة». كما يرى محمود أمين العالم، إِنَّ الرواية بما تزخر به من أنماط الشخصيات مختلفة المواقف والرؤى، هي التي فرضتْ تقنية تتعدد الأصوات. وهكذا يتناوب على سرد الحدث أربع شخصيات ـ مشاركة هي: عامر وجدي الصحافي الوفدي القديم ـ حسني علام ابن الذوات الذي يملك 100 فدان ـ سرحان البحيري المستفيد من الثورة والخائن لمبادئها ـ منصور باهي المذيع الشاب الشيوعي. إننا نرى الحدث الروائي مُجَزَّءا، كل سارد يقدمه من منظوره السردي، ويختفي العليم، وتروي القصة نفسها بنفسها، من خلال رواة لا يعرفون إلا ما تعرفه الشخصية ( الرؤية مع ). لقد لعب مكون المنظور السردي في «ميرامار» دوراً أساسياً، لا من حيث الشكل الفني فحسب، بل من حيث الرؤيا التي تقدمها، والتي لا يخرج الشكل الفني عن كونه أداة لتوصيلها»، وقد ربطت الناقدة اللبنانية يمنى العيد بين توظيف هذه الرؤية السردية، وحاجة الإنسان إلى الحرية في أن يقول ما يريد قوله بنفسه دون وصاية»، لأن الحقيقة لم تعد في صوت الراوي وحده، بل هي في هذه الأصوات وقد تعددت وغدا لها نطقها ورؤاها».
كاتب مغربي
مقال جيد عرضا و تحليلا
شكراً لك د.ماجد منسي على رأيك الذي أعتز به ، ومن شأنه أن يحفز المرء على السير على الطريق
مع خالص تحيتي وتقديري.