روح يحيى حقي وعصره

 هذا كتاب رائع لرجاء النقاش. الكتاب عن يحيى حقي عنوانه «يحيى حقي.. الفنان والإنسان والمحنة» تم نشره منذ سنوات في جهة نشر حكومية، لكن لم تكن الطباعة مريحة. علمت أن دار الحكيم التي أسسها القاص والصحافي أيمن الحكيم، ستنشره في معرض الكتاب الدولي المقبل في القاهرة. أحببت بما لي من معرفة بقيمة ما يكتبه رجاء النقاش، أن اتحدث عنه في هذا المقال، خاصة والوقت يقترب من تاريخ وفاة يحيى حقي التي كانت في التاسع من ديسمبر/كانون الأول 1992. يبدأ الكتاب بالفصل الأول وعنوانه «يحيى حقي والحياة النظيفة» عن نشأته في حي الميضة في السيدة زينب وأصوله التركية، وكيف كانت حياته نظيفة لا تجد مجالا فيها للومه، فلم يسعَ لمناصب، ولم يعلن عن أزماته الشخصية. من أزماته التي تعرض لها وشاية لدى جمال عبد الناصر عام 1958 حين تم تقديم تسجيل صوتي لعدد من الكتاب، يجتمعون في منزل العلامة محمود شاكر، ومعهم يحيى حقي فيه انتقاد وسب له.
ستأتي في ما بعد روايتان لذلك، واحدة من ثروت عكاشة في كتابه» مذكراتي في السياسة والثقافة» والثانية من الشيخ أحمد حسن الباقوري في كتابه» بقايا ذكريات». كيف استمع ثروت عكاشة في لقائه بعبد الناصر للتسجيل، ولم يكن بينها صوت ليحيي حقي، فدافع عنه وخفف غضب عبد الناصر، بأن تم نقل يحيى حقي من موقعه كمدير لإدارة الفنون، إلى مستشار فني في دار الكتب. كيف تم اعتقال محمود شاكر لمدة سنتين، وإقالة الشيخ أحمد حسن الباقوري من منصبه وزيرا للأوقاف. لن أقف عند كل فصول الكتاب، لكنني سأقف عند قضايا كبرى في الثقافة والحياة منها اللغة العربية.
دارت معارك لتجريح اللغة العربية منذ الحملة الفرنسية على مصر وما بعدها من استعمار، حاول الغربيون أن تحل محلها لغات كالإنكليزية أو الفرنسية، انحاز بعض المفكرين لهذه الدعوة، كان أبرزهم سعيد عقل الشاعر اللبناني الذي اتخذ إجراءات عملية لتغيير اللغة العربية تغييرا جذريا، فأنشأ في لبنان في الستينيات مطبعة، وأنشأ لها حروفا عربية جديدة هي نفسها الحروف اللاتينية وغير ذلك. كان يحيى حقي عاشقا للغة العربية، ولم يقلل من هذا العشق أبدا معرفته الواسعة العميقة بلغات أخرى مثل، الفرنسية والإنكليزية والإيطالية والتركية. من الطرائف إنه كان يسمي نفسه أحيانا باسم «الجاسوس على القاموس» فقد كان من عادته أن يقرأ المعاجم العربية، لا بحثا عن معنى كلمة من الكلمات، ولكن بحثا عن مناخ لغوي يعيش فيه ويتآلف معه.

تأتي رواية» قنديل أم هاشم» التي نشرت عام 1944 ولم يكن يحيى حقي قد حقق شهرة كبيرة. كيف كان سيد قطب من المعجبين بكتاباته. بالمناسبة سيد قطب كان من أوائل من كتبوا عن نجيب محفوظ، وكان من أكبر نقاد الأدب حتى سافر إلى أمريكا حوالي سنة 1949، في بعثة دراسية قصيرة عاد بعدها لينفض يده من الأدب والنقد، ويدخل ميدان العمل السياسي والدعوة الدينية. من القضايا المهمة كيف ومتى قال يحيى حقي عن نفسه «أنا قليل الأدب». أثارت رواية «قنديل أم هاشم» قضية حساسة ضده، فقد رأى البعض في هذه القصة تعبيرا عن مشاعر عدائية ضد شعب مصر، ومن المدهش حقا أن يحيى حقي تأثر بهذه الآراء، فانتقد نفسه بقسوة. جاء ذلك على لسانه في حوار إذاعي بتاريخ 25 أبريل سنة 1991، قال فيه: «إنني الآن عندما أعيد قراءة مقاطع، مما كتبته في «قنديل أم هاشم» أقول إنني كنت «قليل الأدب» فعندما أقول عن الشعب «إن بوله فيه دم وديدان» أي أنه مصاب بالبلهارسيا والإنكلستوما، ففي مثل هذا الكلام بذاءة شديدة ولا بد من الاعتذار عنها». الحقيقة ما حدث فهم ضيق للأدب، ففي الأدب كما يقول رجاء النقاش الزعل مرفوع، والذين يقولون ذلك حتى الآن لا يدركون معنى الصدق الفني في التعبير، فالرواية ليست مقالا وما أكثر ما قلنا ذلك. وما قاله يحيى حقي كان تخفيفا للأزمة لا أكثر. يأتي حديث رائع عن ثورة 1919 وتميزها وكيف كانت من الشعب وليست من أعلى. هي الثورة التي أوجدت زعماءها على العكس مما حدث في الثورة العرابية سنة 1882، وفي ثورة يوليو سنة 1952، حيث الزعماء أولا ثم جاءت الثورة بعد ذلك. يقف رجاء النقاش عند فكرتين في أعمال يحيى حقي هما، «الإرادة» فهي عنده أساس لجميع الفضائل، وهذا ناتج عن تصوره أن العالم معركة كبيرة. ثم الجذب، فسِر الحياة يكمن في المقدرة على «الجذب»، ودلائل من قصصه على ذلك.

يأتي حديث رائع عن يحيى حقي كتلميذ للسيدة زينب، وكيف كان هذا الحي الشعبي العريق هو الجامعة التي تعلم منها أحسن العلم والأدب، ولا ينافس يحيى حقي في عشق المكان إلا نجيب محفوظ الذي عشق حيّ «الجمالية»، ويكفي أن نلقى نظرة على عناوين كتب يحيى حقي حتى نعرف هذا. عناوين مثل «أم العواجز» وهي لقب يطلقه الناس على السيدة زينب نفسها، و»أم هاشم» هو لقب أخر يطلقه الناس عليها، و»خليها على الله» و «من فيض الكريم» و «عطر الأحباب» و «من باب العشم» و»كناسة الدكان» وكل هذه العناوين وثيقة الصلة بلغة حي السيدة زينب.
كيف حين صدرت رواية «قنديل ام هاشم» كانت معها أشعار نثرية بعنوان» بيني وبينك» قال عنها سيد قطب أيضا، إنها من أروع ما عرفه الشعر المنثور والمنظوم، ويقول يحيى حقي عنها: «لقد تمنيت أن أعيد طبع هذه الأناشيد على ورق أنيق مزين برسوم صلاح جاهين وأهديها للفتيات الصغيرات»! حكاية عجيبة عن غضب بيرم التونسي منه. كان لبيرم شاعر العامية في بيت عائلة يحيى حقي مكانة لا تقل عن أحمد شوقي شاعر الفصحى. نشر يحيى حقي يوما مقالا عن بيرم يعبر فيه عن إعجابه وتقديره، وأرسل له المجلة، التي تحوي المقال في منفاه في باريس. حين عاد بيرم بعد أعوام وقابله يحيى حقي وحدثه عن المقال قال له بيرم: هو أنت؟ الله يخرب بيتك! كان بيرم في باريس وقتها يشكو من الجوع وضيق الحال، فجاءه إخطار من البريد بأن له طردا عليه أن يذهب لتسلمه، وعليه أن يدفع أرضية لهذا الطرد. ظن بيرم أن هذا الطرد فيه شيك من إحدى المجلات التي يراسلها في مصر، فدفع الأرضية المطلوبة، وكانت هذه الأرضية كل ما يملكه في تلك اللحظة، فلما فتح الطرد وجد فيه مجلة قديمة فرماها على الأرض، وهو يلعن ويسب من أرسلها له وتسبب في دفعه للغرامة. لكن لم يتغير رأى يحيى في فن بيرم العظيم بعد هذه الحادثة الطريفة والمؤلمة معا.

يأتي الفصل الأخير من الكتاب بعنوان «يحيى حقي وذكريات معه»، فيه أول معرفة لرجاء النقاش به وهو طاب ثانوي، حين قرأ مقال سيد قطب عنه، وكيف بعدها سعى للبحث عن رواية «قنديل أم هاشم». كيف حين عمل وهو لا يزال طالبا في الجامعة في إحدى المجلات سنة 1954، وعلم أن يحيى حقي عاد من عمله في الخارج في وزارة الخارجية، كتب مقالا يبشر الحياة الأدبية في مصر بعودة هذا الفنان الكبير إليها، ولم يوقِّع المقال باسمه وإنما وقعه باسم مستعار. قرأ يحيى المقال يومها وفرح به، ولم يعلم رغم مرور السنين أن رجاء النقاش هو كاتب هذا المقال. كيف في أوائل الستينيات طلب منه يحيى حقي أن يكتب مقدمة لكتابه «خطوات في النقد». لم يصدق النقاش أن يحيى حقي يعني ما يقوله، فقد كان ناقدا ناشئا، بينما يحيى حقي أصبح شيئا خطيرا في حياتنا الأدبية. هكذا كان إيمان يحيى حقي بالشباب، لكن رجاء ظن أنه يجامله فلم يكتب المقدمة وندم بعد ذلك ندما شديدا وكم تمنى لو نال هذا الشرف.

كاتب مصري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية