كان يمكن أن أضيف إلى هذا الثلاثي، الفساد والعنف الذي استفحل في المدة الأخيرة، باعتبار أن كل هذه الظواهر أو المستويات مرتبطة ببعضها بعضا، تلتقي أسبوعيا كلها في ملعب كرة القدم. كما بينته أحداث العنف التي شهدتها مدينة جيجل الأسبوع الماضي، وقبلها قسنطينة والعاصمة وغيرها من المدن والملاعب.
عنف تزداد وتيرته ولا تنقص مع الوقت، لا يمكن تفسيره بالشكلي والسطحي من الأسباب، رغم أهميتها كأن نقول إنه عنف مرتبط بتنظيم مباريات كرة القدم نفسها كملاعب وشروط استقبال، أو «بالمناوشات» التي تحصل بين الشرطة والشباب، الذي يأتي ليتفرج على المباريات بشكل كثيف. أسباب تفسر جزءا من العنف وليس كل العنف، ولا تفسر تحديدا زيادة حدة وانتشار العنف في ملاعب كرة القدم، وليس في ملاعب رياضات أخرى إلا في القليل النادر جدا وكاستثناء.
عنف الملاعب إذن، لا بد له من تفسير أكثر هيكلية، يحيلنا مباشرة إلى الفاعلين الأساسيين «المنتجين» لهذا العنف كقاعدة اجتماعية موضوعية له، بممارساتهم وطموحاتهم. من السهل الوصول إلى تحديدهم بسهولة في الحالة الجزائرية، كما ظهروا منذ مدة ليست بالقصيرة، في المدينة الجزائرية تحديدا التي عرفت بروز فئات اجتماعية جديدة سيطرت على تسيير الشأن الرياضي، بعد أن استحوذت على مراكز القرار داخل الفرق والنوادي الرياضية في أغلبية المدن الجزائرية، لتستولي لاحقا على مؤسسات التسيير الرياضي الوطنية كاتحادية كرة القدم التي يمكن أخذها كعينة ممثلة لهذه السيطرة، التي يفرضها رجال الأعمال داخلها. لم يسيطر هؤلاء « الأعيان « الجدد على مقاليد الشأن الرياضي ومؤسساته فقط، بل احتكروا كذلك التمثيل السياسي والحزبي الجديد، داخل المدينة الجزائرية، بسيطرتهم على قواعد اللعبة السياسية، التي تكون الانتخابات الدورية المنظمة أحد أوجهها الأساسية، بكل ما تسمح به من أشكال تمثيل محلي ووطني.
تحول هؤلاء الأعيان إلى خبراء في تحديد ملامحه بالشكل الذي يخدم مصالحهم ومصالح عرابيهم على المستوى السياسي المركزي، داخل مؤسسات اتخاذ القرار أو المشاركة في صنعه. كما هو حال البلدية أو الولاية أو مؤسسات التشريع على المستوى الوطني، التي تحوز اهتماما كبيرا من قبل هؤلاء الفاعلين السياسيين الجدد، بما تمنحه من جاه وقرب من مراكز اتخاذ القرار المركزي السياسي والاقتصادي، و»التزامات مهنية» شكلية تسمح لهم بالتفرغ إلى مصالحهم الفعلية.
شباب هش اقتصاديا من أبناء الأحياء الشعبية، حوّل ملعب كرة القدم إلى حلبة للصراع والتعبير عن تذمره من الحياة والبلد
أعيان جدد كانوا في واقع الحال قد برزوا كفاعلين اقتصاديين قبل ذلك ضمن منطق الاقتصاد الريعي، الذي انطلق في الجزائر بعد قرار الانفتاح على اقتصاد السوق والتخلي عن سيطرة الدولة الاقتصادية، التي لم يكونوا بعيدين عنها كثيرا منذ تسعينيات القرن الماضي. لنكون أمام حالة يقوم فيها الشخص نفسه، أو أحد أفراد عائلته القريبين كالأخ، بالانتقال بين عدة مواقع للقيام بعدة أدوار اقتصادية وسياسية وتمثيل سياسي، وتسيير رياضي وحتى إعلامي في بعض الحالات. احتكار لمجموعة من الأدوار حوّل هؤلاء الفاعلين الجدد إلى رقم صعب لا يمكن لأي سلطة مركزية الاستغناء عنهم، خاصة أن تعلق الأمر بنظام سياسي ضعيف الشرعية أصلا، يعيش حالة هشاشة سياسية واضطراب شبه دائم، تجعله في حاجة لدعم في كل مرة، بعد أن فشل في بناء مؤسسات كالأحزاب والانتخابات النزيهة، يكسب بها شرعيته المطلوبة. كما يمكن توقعه تعتمد هذه اللعبة المتعددة الوجوه التي ينجزها هؤلاء الفاعلون الجدد على مال كثير يكون من الأحسن ألا يتم التساؤل كثيرا عن مصدره، وطرق الحصول عليه وحتى صرفه، كما هو مبين في تسيير النوادي الرياضية الكبيرة التي يحصل فيها لاعب كرة قدم واحد، على دخل في الشهر الواحد يساوي عشرات ما يحصل عليه أساتذة الجامعات أو الأطباء، بعقد مالي، المعلن فيه لا يساوي إلا جزءا بسيطا من الكلي المتفق عليه تحت الطاولة، لنكون بذلك أمام أشكال فساد صعب جدا تصورها، وتصور الأرقام المالية الفلكية التي تصرف داخلها، كجزء من الفساد العام.
لا يهتم هذا النوع من المسيرين الرياضيين الا بالنتائج المباشرة لرياضة واحدة هي كرة القدم، التي يعملون المستحيل للوصول إلى تحقيقها عن طريق الفساد طبعا الذي أصبحت له أسعار معروفة، فربح مقابلة له سعر، والتعادل له سعر، ومنح ضربة جزاء له سعر، حسب توقيته داخل المباراة، كما بينته تحقيقات صحافية دولية، تم التعامل الرسمي مع نتائجها كأمر واقع. بعد أن صرح مسؤول كبير عن تسيير كرة القدم.. هذه معلومات ليست جديدة، كنا نعرفها من قبل. نحن إذن أمام تسيير، همه الأوحد هو النتيجة، وفي كرة القدم تحديدا، من دون مبالاة بكيفية الوصول إلى تحقيقها، التي قد يكون الفساد أو العنف والضغط وممارسة الترهيب أحد أشكالها عن طريق إعلام أكثر فسادا. هنا يتدخل نوع معين من الجمهور الذي يكوّن القاعدة الفعلية لهذه الممارسة الرياضية بالشكل الذي تتم به. بعد أن ابتعدت فئات واسعة من الجمهور الذي كان مرتبطا بلعبة كرة القدم كترفيه ولم يعد الذهاب إلى الملعب يعني لها الشيء الكثير إلا في المناسبات الكبرى ربما. لنكون في الأخير أمام جمهور من الشباب الهش اقتصاديا من أبناء الأحياء الشعبية، الذي حوّل ملعب كرة القدم إلى حلبة للصراع والتعبير عن تذمره من الحياة والبلد، وكل شيء على هذه الأرض، يسب ويشتم ويعتدي ويعلن عن رفضه لواقعه عبر أغاني وأهازيج فيها الكثير من الجرأة والتعابير الفنية خلال ساعة ونصف الساعة من عمر المقابلة التي قد يحضر لكي يشاهدها ساعات قبل انطلاقها الفعلي، عبر مسيرات هي أقرب للمظاهرات الشعبية الأسبوعية. جمهور يتم استعماله والتلويح به في وجه السلطة السياسية في المدن الكبرى، والعاصمة تحديدا، كل أسبوع تقريبا بما يمثله من قواعد شعبية واحتياط سياسي قابل للاشتعال في أي لحظة. درس فهمته السلطات العمومية جيدا كما تظهره طرق تعاملها مع «أعيان» هذه اللعبة السياسية ـ الرياضية الذين يترك لهم الحبل على الغارب، يفعلون ما يشاؤون ليس داخل أنديتهم فقط، بل داخل احزابهم ومؤسساتهم المالية والاقتصادية، ومدنهم التي يحتلون فيها مواقع فاعلة، كجزء من الصفقة التي تحرص السلطات على احترامها، خوفا من فلتان الأمر بسبب «تهور» هؤلاء الأعيان، وقاعدتهم الشعبية المتحركة التي تملك قابلية كبيرة للركوب من قبل التيارات السياسية الجذرية، كما عودتنا الحياة السياسية الوطنية على ذلك في أكثر من محطة تاريخية.
كاتب جزائري
انها الشرعية اللتي تنغص عليهم ولولا الشرعية الثورية لتحولت الدولة الى قبائل.
لقد بلغ السيل الزبى..و التعفن مراحل متقدمة..في هذا البلد العربي..و السؤال المطروح: اين النخب و المثقفون من هذا الحال المتدني في جميع المجالات….يجي تغيير هذا النظام الفاشل في جميع الميادين..اثيوبيا..كانت افقر دولة سنة 2000… و اليوم صارت تنين الاقتصاد…و فخامته وصل سنة 1999..و جعل كل المؤشرات حمراء. .
الفرق واضح….