زحمَة يا بلدي

حجم الخط
13

تغيّر حال القرية العربية الفلسطينية في مناطق 48 رأساً على عقب، فهي لم تبق ريفاً ولم تصبح مدينة، بل صارت مخلوقاً مشوّهاً متورّماً، لا تعرف رأسه من قفاه.
تلاشت المساحات الخضراء والحواكير تحت وطأة البنيان والزفت والسّيارة وتداعياتها.
أبنية معظمها يكرّر نفسه، قريبة ومتراكمة إلى جانب وفوق بعضها بعضاً، البُقع الخضراء شامات مختنقة تقترب من الاندثار، تذكّر بدعاية من القرن الماضي للشامبو بالحنجور الأخضر الصغير.
في الحقيقة أن قوانين البناء تنصُّ على إبقاء مساحات من قسائم البناء تصل حتى 40٪ للصالح العام، ولدالية ووردة جورية وحتى للقراصيا التي لم نعد نراها أو نسمع بها إلا في أغنية صباح فخري، لكن هيهات أن يطبّق القانون، لأننا عادة نبني ونسكن ونستقر في البيت ثم نبدأ بالتخطيط، أو أننا نخطّط ولكن لا نحصل على ترخيص، أو لأن جارنا لم يلتزم فأرغمنا على أن نفعل مثله، وفي الواقع لو طُبّق القانون بحذافيره لاضطر نصف السكان على الرحيل، وهاموا على وجوهم بلا مسكن.
في شارع واحد ترى وتسمع ضوضاء منجرة ومحددة ومرآباً ومحل غسيل سيارات وبقالة وروضة أطفال خاصة وفوقها شقق سكنية، ومكتب محامين، وعيادة للطب الطبيعي، ومحاسباً ومقصفاً، وأراجيل ليالي بيروت وصالون أفروديت، وفي شارع آخر ترى فيلا فاخرة بقربها محطة غسيل سيارات ثانية وثالثة، ومخزن أخشاب، ومتجراً للأدوات المنزلية وسيارة معطّلة في مكانها منذ أشهر، كل بضعة أيام تنقص منها قطعة مثل جيفة على جانب الطريق، وتحت الغبار الكثيف على الزجاج الخلفي ورقة مكتوب عليها «للبيع» مع رقم هاتف، وفي الجهة المقابلة مَجْمَع كبير لسيارات الخردة لتفكيكها وبيع قطع الغيار المستعملة منها ثم تقليص هياكلها ونقلها إلى مصانع الصلب والحديد.
المساحة التي تحتاجها السيارات تفوق مساحة الأماكن المُعدّة كمواقف منظمة لها.
الدخول والخروج في الشوارع الداخلية معاناة كبيرة للأهالي ولتلاميذ المدارس وللتجار وللوافدين من خارج البلدات لعمل ما.
قد تفاجئك جبّالة باطون ووراءها مضخّة أغلقتا الشارع، وعلى السيارات من الجهتين الانتظار، أو الاستدارة والبحث عن منفذ آخر.
إذا ذهبت إلى الحلاق أو إلى البريد أو إلى مختص الكمبيوتر أو المخبز أو في زيارة إلى خالتك ووجدت مكاناً توقف فيه سيارتك ستشعر بسعادة خفيفة، وسوف تعتبر أن الحظ ابتسم لك في ذلك النهار، وإذا لم تجد موقفاً، وهذا ما يحدث غالباً، فقد تؤجل زيارة خالتك وحلاقة شعر رأسك إلى فرصة أخرى.
غالباً ما تجد من توقّف أمامك ليُنزِل أو ليحمّل ركاباً أو بضاعة، أو للحديث مع سائق آخر أو راجل عن تسجيلات محمد صلاح لاعب ليفر بول الأخيرة، أو تضطر لسماع مفاضلة صاخبة بين ميسي ورونالدو، وربما تحدثا عن صفقة بيع وشراء سيارة أحدهما.
قد تكون ذا بال طويل، ولكن هناك أناساً من مادة مشتعلة يشغّلون أبواق السيارات ويحثّون على التقدم، تنظر في المرآة وترى السائق يحرك شفتيه ويباركك بشتيمة، ويشير بيده بعصبية ويحثّك على التحرّك، تفكّر وتنظر في الأفق.. حتى لو معك سيارة طائرة، لن تستطيع التحليق بسبب كثافة أسلاك الكهرباء والهاتف فوق الشارع.
تهبط سيّدة متثاقلة من السيارة التي أمامك، تحمل كيساً عليه شارة صندوق المرضى، فوراً يتبادر لذهنك بأنها مصابة بالسّكري، لأن أعداد المصابين به رهيبة.
عندما يكون السائق أنثى يختلف التقييم على الفور، هناك اعتقاد ذكوري راسخ لن يتغير بسهولة، بأن النساء يُربِكن حركة السير بسبب حذرهن الشديد، وكما يبدو أن لهذا الحذر نتيجة طيبة، فالإحصاءات تشير إلى أن 11٪ فقط من الحوادث القاتلة متورطة فيها نساء والبقية للرّجال الرجال.
معظم حالات الانسداد المروري تنتهي بابتسامات متبادلة بين السائقين، ولكن هناك احتمال بأن تشعلها بِنُت شفة مستفزة.
هذا الازدحام يضرُّ بالمحلات التجارية، فقد حدا بالكثيرين على النأي بأنفسهم عنها داخل البلدات والهرب إلى المراكز التجارية الكبيرة التي توفّر مواقف سيارات لزبائنها حتى ولو كانت في المدن البعيدة.
وكأن الذي فينا لا يكفينا، كثيرون من شبان البلدة يستضيفون شاحنات يعملون عليها في المدن ومناطق مثل خليج حيفا، وهي عادة لشركات نقل كبيرة، منها لجمع القناني والعلب الفارغة أو لمواد البناء ومختلف الصناعات والمشروبات الخفيفة والثلاجات المتنقلة وغيرها، يوقفونها على جانبي الشارع أو في الوسعات النادرة داخل البلدة.
قد تفاجأ بوجود شاحنة غريبة في المكان الذي تستخدمه عادة لسيارتك قرب بيتك، تغضب وتنتظر الفرصة لمواجهة السائق المجهول لتطلب منه بأن لا يفعل هذا، لكن عندما تلتقيه وتفاتحه في الموضوع، فقد يتفهّم وقد يطلب منك أن تتفهّم، وقد يدير ظهره لك بدعوى أن الشارع ليس ملك أبيك وأعلى ما في خيلك اركبه.
أصبح معروفاً بأن مديري شركات النقل يشغّلون أبناء هذه البلدة العربية أو تلك، حسب قدرة السائق على توفير موقف للشاحنة، هكذا توفّر الشركة أجرة الموقف التي يفترض أن تدفعها شهرياً في أمكنة منظمة خصوصاً في المدن اليهودية، أما هنا فلا أحد يحاسب.
يبدأ الكثيرون نهارهم بتوتّر إذا ما كان موعد تحرّكهم ما بين الساعة السابعة والنصف حتى الثامنة صباحاً، وذلك أثناء توافد الطلاب إلى المدارس، تقف السيارات الخصوصية والحافلات الصغيرة والكبيرة في وسط الشارع ريثما ينزل منها الطلاب، معظم الصغار يجرّون بصعوبة حقائب تضاهي أحجامهم، وعليك أن تتحلى بالصبر، أو أن تستبق هذا الموعد بعشر دقائق، لتتحرّك بسهولة أكبر.
ذات العجلات تحتل كل شيء، تتكاثر مثل صراصير المطبخ في بيت مهمل، والمساحات تضيق.
المركبة أجمل منتجات الحضارة، جعلت كل يوم في البلدات العربية يوم زحام، وبرأيي المتواضع أنه لا حل إلا بتنظيم وفد من لجنة المتابعة لشؤون الجماهير العربية إلى اليابان أو إلى كوريا الجنوبية لبحث اختراع سيارات قابلة للجمع مثل المظلات، أو أن ننتظر الزلزال الكبير في الشق السوري الإفريقي الذي وعد الجيولوجيون فلسطين به، وحينئذ يجري التعزيل وتخطيط وبناء هذه البلدات من جديد وحسب الأصول.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الكروي داود النرويج:

    أتذكر كيف كانت الحياة بسيطة بالستينات من القرن الماضي! أغلب البيوت من الطين, والشوارع بلا أسفلت, وحرارة الصيف مقبولة!! ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. يقول الكروي داود النرويج:

    أعيش الطبيعة بريف النرويج منذ ثلاثة عقود! ولكن حين أزور العاصمة أوسلو أختنق من التلوث والبنايات والشوارع المكتظة بالسيارات!! ولا حول ولا قوة الا بالله

  3. يقول رؤوف بدران_ فلسطين:

    يجب ان لا تنسى اخي سهيل اننا نحن عرب الداخل نعيش ظرفاً معيشياً. استثنائيًا.يتفرد في اجحافه من قبل المؤسسة الحاكمة عن كل قوانين فيها من الإنصاف ما يجعل المساواة لكل مواطنيها!!
    اننا عرب الداخل نلاقي من الإجحاف والتفرقة وعدم الانصاف من قبل المؤسسة ما لا تجده في اي دولة من دول العالم ؟!
    ان عدم التنظيم هذا نابع ليس لرغبتنا بالبعثرة وعدم التقيد بالنظام؟ وانما هي سياسة عليا تفرض علينا لبقائنا مهمشين نقبع في الجهل والفقر وعدم راحة البال!!؟
    ولكني متأكد من فطنة الفلسطيني واستطاعته التأقلم وتذليل الصعاب من اجل تطوره وتغيير هذا الواقع المر الذي يعيشه …مع تحياتي لك استاذ سهيل وللجميع والسلام

  4. يقول كمال - نيويورك:

    ما في أحلى من التخطيط المدني بعيد المدى و النظام المطبق على الجميع

  5. يقول Nazeera:

    الله الله ..عشت يوم جميل من ايام قرانا ومدننا في هذا المقال ..واضيف ملحوظة ان كل اسرة اصبحت تمتلك اكثر من سيارة ..ومهما حاولت جمعية الحفاظ على البيئة والحذر على الطرق فعله من اجل هواء نقي وعدم حوادث طرق ..يأبى الشباب ان يتنقلون بحافلات العامة ..ويجمعون بعض المال من اجل شراء سيارة ليسافروا بها الى الجامعات او اماكن عملهم ..ونظل قلقين على اين سيضع سيارته بعد مجيئه من الجامعة ..
    شكرا استاذ سهيل

  6. يقول Samaher:

    تحياتي كاتبنا لما تكتبه ..مقالك لامس الجرح فينا ..وكيف لا وقد ضاق الوطن بنا بما رحب وأصبحت قرانا ومدننا العربية تستجدي الحياة لأجلنا ..جميعنا نستشعر وكأنه الحشر وكأن القيامة استحضرت قبل أوانها والضيقة تأكل فينا إننا نختنق ويختنق معنا التراب والزهر والشجر والهواء ..كل شي حولنا يختنق ..رغم كثرة المساحات حولنا بتنا نستجدي أرضنا في وطننا ..ويسألوننا إلى أين غادرتكم المحبة وانتزع منكم السلام والأمان وكيف تفجرت براكين العنف فيكم ..فقط إننا نستصرخ الاكتظاظ السكاني في قرانا ومدننا العربية وسط هذه الزحمه دون أنصاف ولا رحمة نشاهد المساحات الخالية الشاسعة المحيطة فيها .نحن نعاصر نكبتنا التي لا زالت مستمرة بنفس القضية بأساليب أخرى مختلفة والقضية ذاتها القضية إنه الوطن والارض ولا شيء سواهما ..

  7. يقول Nazeera:

    تتمة
    وأكثر ما احزنني ..اننا لا نستطيع تأسيس قرى جديدة ..
    للازواج الشابة كما تؤسس اسرائيل مستوطنات ..فأينما تذهب وتجد اكوام تراب على حافة طريق جديد تعرف انه ستقام مستوطنة او كيبوتس ..انها من اراضي صودرت من اجل شارع عام وسنوات قليلة ونرى بصيص امل وسراب لمدينة جديدة او حي جديد لمدينة يهودية ..
    مؤسف ومحزن جدا ..

  8. يقول رائدة أبوصوي/القدس:

    زحمة يا دنيا زحمة .
    زحمة وتاهو الحبايب

    الله يسهل ع احمد عدوية . كان عنده بعد نظر

    زحمة القاهرة وصلت لفلسطين في هذا القرن .

    ولكن الفرق بيننا وبين القاهرة مساحة بلادنا صغيرة بالمقارنه بالقاهرة والزحمة عندنا لا تطاق .

    سقى الله ع ايام زمان . ايام الهوا النقي .
    ايام القلوب المتآلفة والشعور بالغير .
    اليوم الغالبية ماديين .

    وانانيين . انا ومن بعدي الطوفان . ازمة حديد والمونيوم وغازات ضارة .

    ازمة بعد عن الدين .

    ازمة كل مين ايده اله . ازمة الغاية تبرر الوسيلة والقوانين بالغالب مع الغالب . مع القوي لو كان ع خطأ .

    كثيرة هي حوادث القتل التي قرأنا عنها وسمعنا عنها والسبب ما حدا طايق حدا
    ما حدا مستوعب حدا !!!

    اللطيف والطيب بالمعاملة ( اهبل) عايش في زمن الخشبه .

    هروب من الازمات البعض يجدها في السفر خارج البلاد والخروج من عنق الزجاجة . يسافر للخارج ويشحن نفسه ثم يرجع وتيتي تيتي مثل ما رحتي مثل ما جيتي .
    اشعر بالحزن على اولادي واحفادي . نظرة واقعية للمستقبل اجدها قاتمة مع العلم اني متفائلة . الحل الوحيد هو مثل ما ذكرت استاذ سهيل غضب الطبيعة للاسف الشديد واكيد مع غضب الطبيعة الضحايا ستكون بالألوف لا سمح الله . ما في اليد حيلة . سنعيش وكما قال درويش ( على هذه الأرض ما يستحق الحياة) .

  9. يقول سلام عادل(المانيا):

    تحية لالاستاذ سهيل وللجميع
    اعتقد انها الفوضى التي تناسب ثقافتنا القبلية وتبريراتنا الدينية فعند عدم وجود سلطة قوية تلزم الاخرين بعدم استغلال غياب القانون او لاسباب اخرى نرى الجميع يريد الاستحواذ على اراضي الصالح العام او الدولة لانها ليست ممتلكات شخصية وبالتالي فهو لم يقم بعمل لا يرضي الله ولا يخاف الناس لان الاعمام والاخوال سنده وقت الشدة ونفس الامر حصل في البصرة العراقية بعد 2003 رغم انها مدينة كبيرة وليست قرية ولكن المواطنين وكذلك الوافدين الجدد من مدن وقرى الجوار استغلوا الاحداث ومن سكن بمدارس او بنايات حكومية او من قام بزيادة مساحة البيت على حساب الرصيف او الشارع ولكن تبقى هذه التجاوزات صغيرة اذا ما قورنت بما يسرقه الوزراء والنواب من المال العام من خلال الصفقات والعقود التجارية فالامر لديهم حلالا وليس حرام لكونهم ينتمون لاحزاب الاسلام السياسي فانهم بالتاكيد من المؤمنين ويعرفون الشرع جيدا

  10. يقول رسيله:

    مساء وردي لك كاتبنا ولجميع القراء مساء ينفث عنه تعب اسبوع كامل من العمل الدؤوب الذي لا ينتهي ، مقالتك هذا الاسبوع ساخرة ، شبهتك بالجراح الذي يمسك في يده مشرطا، يدغدغ قراءه لتتباين انفعالاتهم وأحاسيسهم فكأنك تنثر الملح على جراحهم بينما تبتسم الشفاه.
    اعتمدت في مقالتك اسلوب الكتابة الساخرة التي هي بمثابة تمرد على الواقع .. وثورة فكرية ضد البديهيات التقليدية .. سواء كانت سياسة أم اجتماعية …!! انها كوميديا سوداء تعكس اوجاعنا السياسية والاجتماعية قدمتها لنا بقالب
    ساخر واعي يحمل في طياته المعنى والعمق ،اسلوبك الرائع المتميز يستحق أن نتوقف عنده كقراء نقرأه نذوته ونستخلص العبرة منه لأنه يعري الزيف والأخطاء ، يعري الفساد ويعري ذواتنا البشريه.
    مقالتك ذكرتني بقول لشاعر المهجر الكبير إيليا أبو ماضي، قول جادل عصرنا الحالي الذي تحاصره الكآبة أينما ولى..! حيث قال: قال السماء كئيبة! وتجهما قلت : ابتسم يكفي التجهم في السما!( يتبع )

1 2

اشترك في قائمتنا البريدية