الناصرة: “القدس العربي”:
يرى معهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب أن زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع للبيت الأبيض تاريخية، لكنه يتحمّل مسؤولية إثبات تغيره من “جهادي إرهابي” إلى دبلوماسي. ووسط صمت إسرائيلي رسمي ينضمّ “المعهد” لجهات إسرائيلية كثيرة تشكك بتوجهات الشرع الجديدة، وتعرب بشكل مبطن عن قلقها من تقاربه مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومن احتمال انعكاس ذلك سلبا عليها وعلى أطماعها.
ويقول المعهد ضمن تقرير جديد إن الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس ووزير خارجيته أسعد الشيباني للبيت الأبيض (11 نوفمبر/ تشرين الثاني) تُعتبر محطة مفصلية في مسار عودة الحرارة إلى العلاقات بين واشنطن ودمشق، وعودة سورية إلى حضن المجتمع الدولي.
ويستذكر المعهد أن هذه العملية بدأت بلقاء ترامب – الشرع في الرياض في مايو/ أيار الماضي، وتواصلت في خطاب الشرع أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، منوها إلى أنها أول زيارة لرئيسٍ سوري للعاصمة الأمريكية منذ استقلال سورية عام 1946.
ويرى المعهد الإسرائيلي أن اللقاء بين الرئيسين تركز على عدد من القضايا الأساسية التي تعكس أولويات كل طرف؛ ففي نظر سورية، وعلاوةً على ترسيخ الشرعية الداخلية والاعتراف الدولي بالشرع، شكّلت الزيارة فرصة حاسمة للدفع بإلغاء العقوبات الأمريكية المعروفة باسم “قانون قيصر”، والتي تعيق عملية إعادة الإعمار والبناء في البلد، كما اتُّخذ قرار إعادة فتح السفارة السورية في الولايات المتحدة.
وقال الشرع في مقابلة أجرتها معه قناة “فوكس نيوز” بعد اللقاء: “إنها بداية جديدة للعلاقات الاستراتيجية مع واشنطن؛ لم تعُد سورية تشكل تهديدًا للولايات المتحدة، بل أصبحت حليفًا جيوسياسيًا لها.”
كما يرى المعهد الإسرائيلي أنه من وجهة النظر الأمريكية، عززت الزيارة مصلحتين رئيسيتين: الأولى، هي دمج القوات العسكرية والأمنية السورية في التحالف الدولي لمحاربة “داعش”، ومن المرجح أن يتم ذلك بالتعاون مع القوات الكردية. ويضيف: “على الرغم من أن الأشهر الأخيرة شهدت تعاونًا استخباراتيًا بين دمشق وشركاء التحالف ضد “داعش”، فإن واشنطن تعتبر هذه الخطوة تطورًا مهمًا على طريق انضمام سورية، رسميًا، إلى مجموعة الدول الموالية للغرب، التي تحارب “الإرهاب” والتنظيمات المتطرفة.
ويقول المعهد إن هذه الخطوة ليست بديهية، نظرًا إلى أن الشرع كان منذ أقل من عام مضى على رأس التنظيم الجهادي المتطرّف “هيئة تحرير الشام”، وسارع وزير العدل ورجل الدين السوري مظهر العويس إلى “تسويغ” انضمام سورية إلى التحالف، موضحًا أن الأمر يقتصر على التعاون الاستخباراتي والأمني، وليس تحالفًا عسكريًا، وأن الخطوة ستعزز السيادة السورية أكثر مما ستزيد في تبعيتها لقوى خارجية.
أمّا القضية الثانية التي طُرحت في الاجتماع برأي المعهد الإسرائيلي، فهي التوصل إلى اتفاق أمني بين سورية وإسرائيل. وعن ذلك يتابع :”على الرغم من عدم تسجيل أي تقدّم ملموس في هذا الملف، فإن ترامب أكد خلال اللقاء، قائلًا: “يمكن أن نتوقع إعلانًا كهذا. نريد أن تزدهر سورية… نحن نعمل مع إسرائيل لضمان تفاهُمها مع سورية، ومع الجميع، والأمور تسير على نحو رائع”.
وأشار إلى أنه برؤية ترامب، يُفترض أن يمهّد الاتفاق الأمني الطريق لتطبيع العلاقات بين الدولتين، على الرغم من أن الطرفين شددا على أن الظروف لم تنضج بعد، مستذكرا أن الشرع كرر تأكيد موقفه، قائلًا: “إن وضع سورية يختلف عن الدول الأُخرى التي انضمت إلى اتفاقات أبراهام، لأنها تملك حدودًا مشتركة مع إسرائيل التي تحتل الجولان السوري،” مضيفًا: “لن ندخل في محادثات مباشرة بهذا الشأن في هذه المرحلة.”
ويقول المعهد الإسرائيلي إنه رغم الأجواء المتفائلة والاحتفالات التي شهدتها سورية وخارج البيت الأبيض مساء أمس، فإن الخطاب السوري الداخلي لا يخلو من الانتقادات بشأن الفجوة بين إنجازات الشرع اللافتة على الساحة الدولية والواقع المعقد في الداخل: من الانقسامات الداخلية وأحداث العنف ضد الأقليات، إلى صعوبة دمج القوات الكردية في أجهزة الجيش، والحاجة إلى إصلاحات سياسية جوهرية، فضلًا عن الأزمة الاقتصادية الخانقة.
ويخلص المعهد إلى أن الدعم الأمريكي يشكّل بداية واعدة لمواجهة بعض هذه التحديات، غير أن عبء الإثبات والعمل الصعب ما زال ملقىً على عاتق الشرع نفسه.