نواكشوط ـ «القدس العربي»: لم تعد ظاهرة تشغيل الأطفال والعمل القسري في أفريقيا مجرد قضية اجتماعية أو حقوقية معزولة، بل تحوّلت إلى ملف دولي معقّد يتقاطع فيه الإنساني بالاقتصادي، ويهدد بإعادة تشكيل علاقات التجارة بين القارة الأفريقية وشركائها الدوليين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة.
ففي خطوة لافتة، أعلن مكتب الممثل التجاري للولايات المتحدة إطلاق تحقيقات واسعة تستهدف نحو 60 دولة حول العالم، من بينها سبع دول أفريقية، على خلفية ما اعتبرته إخفاقاً في منع المنتجات المرتبطة بالعمل القسري، وهو توصيف يضع ضمنياً ظاهرة تشغيل الأطفال في قلب هذه المراجعات.
وتستند هذه الخطوة إلى مقتضيات قانون التجارة الأمريكي لعام 1974، حيث تسعى واشنطن إلى تقييم مدى التزام الدول المعنية بتطبيق معايير العمل الدولية، خصوصاً في ما يتعلق بسلاسل التوريد.
وتبرر الإدارة الأمريكية هذا التحرك بكون غياب الرقابة الفعالة يسمح لبعض المنتجين بتحقيق مزايا تنافسية غير عادلة عبر خفض تكاليف الإنتاج باستخدام عمالة قسرية، بما في ذلك الأطفال، وهو ما ينعكس سلباً على الشركات التي تحترم القواعد.
وتشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى أن العمل القسري بات يمثل اقتصاداً موازياً يدر نحو 236 مليار دولار سنوياً على المستوى العالمي، بينها قرابة 20 مليار دولار في أفريقيا، مع تسجيل ارتفاع ملحوظ في الأرباح غير المشروعة خلال السنوات الأخيرة.
كما تفيد المعطيات بأن نحو 28 مليون شخص كانوا ضحايا للعمل القسري في عام 2021، في ظل بيئات اقتصادية هشة تتسم بالفقر واتساع القطاع غير المصنف وضعف آليات الرقابة، وهي عوامل تجعل الأطفال من أكثر الفئات عرضة للاستغلال.
وفي الواقع، يتجلى تشغيل الأطفال بشكل واضح في عدد من القطاعات الحيوية داخل الاقتصادات الأفريقية، من الزراعة حيث يعملون في مزارع الكاكاو والقطن، إلى الأنشطة الاستخراجية في المناجم التقليدية، وصولاً إلى الاقتصاد الحضري غير المنظم الذي يوفر بيئة خصبة لعمالة الأطفال خارج أي إطار قانوني أو اجتماعي يحميهم.
ويؤكد خبراء أن هذه الظاهرة لا ترتبط فقط بالفقر، بل أيضاً بغياب سياسات تعليمية واجتماعية ناجعة قادرة على إبقاء الأطفال داخل المدارس.
ولا تقتصر تداعيات هذه التحقيقات على الجانب الحقوقي، بل تمتد إلى المجال الاقتصادي والتجاري، إذ قد تفضي إلى فرض قيود أو رسوم إضافية على صادرات الدول المعنية، ما يهدد مصالحها في الأسواق الدولية. ويأتي ذلك في وقت بلغت فيه المبادلات التجارية بين الولايات المتحدة وأفريقيا نحو 83.4 مليار دولار في عام 2025، ضمن إطار قانون النمو والفرص في أفريقيا «AGOA» الذي يتيح لعدد من الدول الأفريقية تصدير منتجاتها بدون رسوم جمركية.
غير أن استمرار الشبهات المرتبطة بالعمل القسري وتشغيل الأطفال قد يضع هذه الامتيازات على المحك، خاصة بالنسبة للدول التي تعتمد على صادرات المواد الأولية والمنتجات الزراعية. وتكشف هذه التطورات عن معادلة دقيقة تواجهها الدول الأفريقية، إذ تجد هذه الدول نفسها مطالبة بالحفاظ على تنافسيتها الاقتصادية من جهة، وتعزيز أنظمة الرقابة وتطبيق التشريعات لحماية الأطفال من جهة أخرى.
ويرى مراقبون أن المعالجة الفعالة لهذه الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على الضغوط الخارجية، بل تتطلب إصلاحات داخلية عميقة تشمل الاستثمار في التعليم، ودعم الأسر الهشة، وتقليص حجم الاقتصاد غير الرسمي، إلى جانب تعزيز الشفافية في سلاسل التوريد.
وفي المحصلة، تعيد هذه التحقيقات الدولية تسليط الضوء على تشغيل الأطفال بوصفه تحدياً بنيوياً يتجاوز البعد الأخلاقي ليطال صميم الاقتصاد العالمي، حيث باتت حقوق الطفولة مرتبطة بشكل مباشر بمستقبل التجارة والتنمية في القارة الأفريقية، في ظل تزايد الترابط بين المعايير الإنسانية ومتطلبات السوق الدولية.
الانسانية بتنقط من عروقهم وخايفين كثير على اطفال العالم ،، اما اطفال فلسطين ولبنان فقتلهم وتقطيعهم محلل دوليا ،، حبذا لو تتركاو الناس بحالها وتهتموا ببلادكم.