سحر التسامح!

حجم الخط
21

في مثل هذا اليوم، لم يحدث شيء يستحق الذكر، سوى بعض المشكلات المعتادة التي تقع على مدار الساعة في كل البيوت، الصغيرة منها والكبيرة في هذا العالم. إذا أخطأ أحدهم في حق الآخر، يبقى السؤال: هل سيتمكن الشخص المظلوم من مسامحة المسيء على فعلته النكراء، أم إن الأمر سيتطور إلى طلب العدالة الإلهية، وتوكيل الرب بالانتقام السريع من مرتكب الفعل المشين، مصحوباً بالنذور والعويل الطويل الذي قد يمتد لسنوات طوال، لن ينتهي إلا بفقدان الظالم إحدى ذراعيه، أو إصابته بشلل رباعي يجعله يدرك أن إيذاء الناس ليس «لعبة»؟
وعندما أقول «الناس» هنا، فإنني أفعل ذلك بتواضع جمّ، إذ أعلم تمام العلم أنني لست كسائر الآخرين؛ فمَن تسوّل له نفسه إيذائي، سينال سوء العاقبة، وما هي إلا أيام معدودات حتى تعود «الكارما» أدراجها، عاجلًا لا آجلًا.
أكثر ما كان يشغلني في قصة نبي الله إبراهيم -عليه السلام- عندما أمره الله بالتضحية بابنه المحبوب عوضًا عن ماعز، هو أنه استجاب للأمر دون شكوى أو تذمر، وكذا فعل ابنه. وفي اللحظة الأخيرة، فُكَّ الله عنهما هذا الابتلاء، فعادا إلى منزلهما بكل هدوء.
وما يثير دهشتي في هذه القصة كذلك لم يكن طاعة الأمر ولا توقيف التنفيذ فحسب، بل قدرتهما، الأب والابن معًا، على إعادة العلاقة بينهما إلى صفائها الأول، واستمرار الحب العميق بينهما.
ثمة شيء أعمق من فكرة الطاعة يتجلى لي في هذه الحكاية؛ إنه سحر التسامح.
إن المعجزة في هذه القصة ليست في الامتثال وحسب، بل في القدرة على نسيان ما حدث، وفي تحقيق هذا الصفاء الكامل، على شرط أنهم أنبياء وأصفياء اختارهم الله.
لقد كان وهم الفردانية أحد أبرز المفاهيم التي شغلت الإنسان الحديث عبر التاريخ. أنتجت السرديات الكبرى، والقصائد، والأغاني، والفلسفة، ما أحب أن أسميه «الإنسان الذري»، الذي لا يقوى على مقاومة الدوران الهستيري حول ذاته. كل ما يشغله هو الانغماس في أناه، والتفتيش عن مكامن قوته، حتى بات ينمو ويتغول على حساب الآخر، كمن يلتهم غيره ليعزز ذاته المتورمة.
وهكذا، لم يعد يقبل بأية هفوة في حقه، بل انهمك في قراءة كتب السطوة والتنمية البشرية التي تصطاد الانفعالات الشعورية للأنا العليا كما وصفها فرويد، وتغذيها بوهم الشخصية الأسطورية التي لا تُقهر ولا تُنال.
تطور الأمر، فراح الإنسان الحديث يؤسس قواعد لقراءة لغة الجسد، وتحليل الإيماءات، واصطياد لحظات السكون والهمهمة أثناء الحوارات، مما جعله يهرس كل (آخر) تحت أنياب وسواسه، بدعوى أن كل حركة تصدر عن الآخر إنما هي فعل قصدي للنيل منه.
هكذا صار الإنسان الحديث ذاتًا شكاكة، متوجسة، قابلة للتفتت والانهيار السريع، إذا لم تجد الترحيب الذي يتناسب مع حجم خيالها الجامح.
إنها سموم الخيلاء، أحد أخطر منتجات الفردانية المنتصرة دومًا.
وهذا ما سمح لتفشي التفكك الأسري على مختلف الصعد، وانهيار العلاقات الإنسانية التي استُثمرت فيها سنوات طويلة.
لم يعد التغني بالعزلة حكرًا على المبدعين الذين يحتاجون إلى مسافة للتأمل والجمال، بل صارت العزلة ضرورة دفاعية لحماية الذات الأسطورية، المشوشة، والمُدَوَّخة من فرط شعورها بالعبقرية.

إن المسامحة، بشكل عام، تحتاج أحيانًا إلى معجزة إلهية كي تتحقق؛ إذ ليس من الضروري أن يجبر الإنسان نفسه على المسامحة إن لم يكن قادرًا عليها بصدق.
فمصارعة الأشياء تخلق عنادها، ومقاومة الرغبة الطبيعية للإنسان تعملق الجراح المكبوتة، فتتغول وتغتذي عليه.
ولكن، يبقى السؤال:
مسامحة مَن؟
وعلى أي أخطاء؟
هل هي أخطاء جسيمة لا تُنسى؟
أم إنها هفوات بسيطة، كانت جداتنا تواجهها يوميًا، فتنسى مع غياب شمس الظهيرة، ثم تتعالى الضحكات مع طقوس تحضير الشاي وكعك المساء؟
صحيح أن فكرة التسامح تبدو كأنها هبة من طرف واحد، تسير في اتجاه واحد، لكن في جوهرها لا تعني فقدان الذاكرة تماماً؛ بل تعني نسيانًا مقصودًا، نعيد استحضاره بقرارٍ داخلي.

يقول توماس مان:
“يصبح التسامح جريمة عندما يُطبق على أولئك الذين يسخرون حياتهم لإلحاق الضرر بالآخرين. فغالبًا ما تقع الأسماك في مصائدها لأنها تنسى وظيفة الشبكة المنصوبة لها في الأعماق».
في نهر الحياة، يغير المتسامحون طريقهم ألف مرة، انتصارًا للنسيان على الذاكرة، انتصارًا للرمال على الحجارة، وللمحو على النقش.
لكن، يبدو أنهم غيّروا مسارهم مراتٍ عدة حتى تاهوا في صحراء الوجود، وبقي أولئك الذين لم يعرفوا معنى الهفوات الإنسانية، التي يمارسها الجميع مع الجميع.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول محي الدين احمد علي رزق:

    محاولات؟”، قلت:
    أولًا، من أجل برّ الوالدين، ثم صلة الرحم ولن أذكر ما فعلته من خير مع أخي، ولكنني لم أتمكن من أن أسامحه وللعلم، عند شعوري بظلمه، كنت أحاكمه في خيالي…
    أنا القاضي، وأقوم بدور الدفاع عنه، والدفاع عن نفسي، ووكيل النيابة، وحتى السكرتيرة.
    وكنت أجلس في كل مرة أكثر من ساعتين، أتكلم مع نفسي، وأقوم بأداء كل الأدوار.
    وفي نهاية الجلسة، أحكم عليه بالسجن المخفف فقط، لأنه أخي، خاصة إذا تخيلت أن أبي وأمي حاضران الجلسة والآن، أنا منتظر يوم الحساب، عند ربٍّ كريم حرّم ما فعله أخي بي..
    وهناك مواضيع أخرى لا داعي لذكرها الآن، تحياتي للكاتبة على هذا المقال الحساس، ولجريدة “القدس العربي ( 4 )

  2. يقول زهراء قيس:

    العفو عند المقدرة و أحياناً لا تتوفر المقدرة..

  3. يقول osama thaer:

    مقال جميل استاذة شهد
    تعليق:الإنسان عندما يكون موذي لآخرين لابد من رجوع لطفولته المهمشة من ناحيه الأب والأم او تنمر عليه بالروضه والابتدائية يغذي روحك عن طريق ايذاء الآخرين وفي مجتمعنا الذي يحكمه الأمر وطاعة للأب وللعمام وللقبيلة ورجل دين فلابد من إصلاح هذه الأمور6

  4. يقول Dheyaa Raad:

    من منظور أقل حتمية، يمكن أن يكون التسامح مبنياً على المواقف. ومن الأمثلة الجيدة على ذلك سهولة التسامح عند إظهار الندم الحقيقي من جانب المخطئ. فالندم يوحي بأن الشخص يُدرك خطئه.
    ولكن قد يصعب أيضاً على الكثيرين إدراك أن شخصاً قريباً منهم قد يكون تصرف معهم بسوء، واستمتع بألمهم، واستمر في إيذائهم رغم عدم وجود ما يجنيه سوى رضا الذات، غالباً ما تظهر فكرة التسامح هنا بشكل مستقل: “أعلم أنني بحاجة إلى التسامح…” أو “لا أعرف كيف يمكنني التسامح”، هذه الكلمات قوية لأنها تكمن في مفهوم يهاجم إرادة الفرد المجروح، بما في ذلك مفهومه عن ذاته، وتقديره لذاته، وفهمه للعالم والناس، بل وفهمه لنفسه. هل هناك حاجة للتسامح؟ لا، هناك حاجة للفهم والقبول، وهناك حاجة لمحاسبة المخطئ، هناك حاجة إلى حب الذات الأصغر سناً التي تحملت المشقة؛ وهناك حاجة إلى وضع خطة للمضي قدماً.
    التسامح ظاهرة عاطفية ونفسية، ربما تحمل ثقلًا تطورياً، مما يسمح لنا بالعيش في مجتمع مبني على الثقة. في أغلب الأحيان، يكون التسامح صحياً وضرورياً وموصى به. مع ذلك، أحياناً يكون عدم التسامح أقوى، بل التعلم من تجارب الحقد، والنمو، والمضي قدماً.. (2)

  5. يقول مُتيم:

    ممتع السرد جداً 🌸✨

  6. يقول ياسر:

    ياليتها كاانت ممدوده اكثر هذه المقاله المهمه جدا مثل ماذكرتي .
    حب الانا هو على رأس كل خرااب
    فلو رأيت مجموعة اصدقاء يسلمون على بعضهم ويستثنى احدهم في السلام واضح ان هناك خلاف غير محلول
    كم ستكوون تلك الجلسه والجمعه غير مريحه بالنسبة للجميع
    فقط لو ان احد الطرفين المتخالفين تواضع وسامح الاخر لكان الكل سعيد بذالك ولصارت تلك المه من اجمل اللحظات التي حضو بها هؤلاء الاصدقاء
    ان تواضعته رفعك الله ان تكبرت وضعك الله
    شكرا لك من القلب على هذا المقال الجميل

  7. يقول 🌸:

    التسامح وسام (سمو) لمن استطاع الوصل اليه
    مع الأسف بالمجتمعات التسامح مربوط بالضعف وقله الحيلة وأحياناً يُتهم المتسامح. انو سامح الاخر من اجل ان يسامحه هو لأنه اخطأ بحقه يعني (تسامح مصلحة ) ويبتعدون عن فكرة السلام ويا المسامحة.
    بس يبقى هل نكدر نسامح على كل حدث بحياتنه ؟
    إذا ما مجرب الحدث من قبل الإجابة متروكة لوعيك وروحك في ذلك الوقت من الحدث ….

    عاشت يدج على المقالة 🌷

  8. يقول سامح المحادين:

    كتابة عميقة حساسة في معنى التسامح وأن اعرف اناسا يفهمون ان التسامح يرتبط بضعف الشخصية ويستغلون ذلك !

  9. يقول سميراميس:

    في الحقيقة، هناك شيء من الالتباس في النص وكثير من التناقض في التعليقات. يقول الشاعر السوري الكبير أدونيس في هذه القرينة، وللقارئات والقراء أن يتأملوا:
    .
    “لا نزال ثقافيا [نعيش] في ثقافة الإمبراطورية العربية الإسلامية، ثقافة الغزو والفتوحات والتي وصلت في أوجها إلى ما نسميه بالتسامح. والتسامح أدى دورا عظيما، على المستوى التاريخي. لكن الإنسان العربي اليوم، والإنسان، كل إنسان، لم يعد يكتفي بالتسامح قط، لم يعد يريد التسامح، يريد المساواة. الإنسان يريد المساواة الآن، لا التسامح، لأن التسامح تراتبية من حيث المبدأ. والمتسامح يضمر في دخيلته أن الحق معه حتما. لكنه يعطي التسامح كمنّة للآخرين وتفضّل عليهم. الإنسان اليوم يرفض هذه المنّة. يرفض التسامح، ويصر على المساواة بدلا من ذلك، ومن ثم إقامة العدالة التي تفترضها المساواة”.
    ..

  10. يقول تقى:

    من اجمل المقالات التي قرأتها

1 2 3

اشترك في قائمتنا البريدية