ليست القنابل ولا الصواريخ وحدها تشعل أرض الحروب، وإنما تشعلها أيضا تلك الأطماع البشرية اللامحدودة، فخلف كل جبهة يقف جيش غير مرئي من المنتفعين بتجارة الموت والخراب، يرون في الدم الذي يراق فرصة، وفي الجوع والحصار سُوقا، وفي الفوضى موسما ذهبيا.
المنتفعون من الحرب والدمار، ليسوا جنرالات الحرب وحدهم، فهناك منظومة متشابكة، منهم تجار السلاح الذين لا يعبأون بمن يقتل ومن يُقتل، بمن يكون الجلاد ومن يكون ضحيته، ومنهم دول تعتبر الحرب فرصة للتغطية على تراكم الثروات وغسل يدها من عقود وهمية وصفقات مشبوهة ورواتب مفروضة لجنود لا وجود لهم.
ومنهم المرتزقة الذين يأتون من كل حدب وصوب للقتل بالأجرة، وأمراء الحروب الذين يتاجرون بثروات الأرض بؤرة الصراع، وشركات كبرى تستغل فوضى الحروب لشراء الأراضي والتعاقد على إعادة الإعمار، وإعلاميون أفّاقون يشتهرون على حساب اختلاق روايات عن الحرب مفصلة لمن يدفع لهم ويمولهم. ومنهم الذين يرفعون شعار الوطنية وهم يسرقون خبز الأطفال، ويبيعون المساعدات الإنسانية التي تستشرفها أعين الجوعى والمرضى، والقائمة طويلة.
المنتفعون بتجارة الموت والخراب، يرون في الدم الذي يراق فرصة، وفي الجوع والحصار سُوقا، وفي الفوضى موسما ذهبيا
لكن أكثر هذه الفئات المنتفعة بالحروب إثارة للدهشة العارمة، هم أولئك الذين يجدون في الحروب فرصة سانحة للتسلية بالقتل! نعم صدّق ما قرأته عيناك، هناك من يبحث عن هوايته البغيضة هذه في الحروب، بين المدنيين والعزّل والأطفال والنساء والشيوخ والعجزة، يقومون بالرهان مع أقرانهم على قنص هؤلاء الضعفاء صرعى وضحايا الحروب. هناك نوعية من أفلام هوليوود تعتمد على فكرة هواية صيد البشر، فتقصد بعض الجهات المشبوهة الأثرياء – الذين لفرط ثرائهم أصابهم السأم والملل من رتابة الحياة وأرادوا التغيير- وتقدم لهم أهدافا بشرية باحثة عن النجاة، فينطلقون وراءهم كالكلاب المسعورة، ويجوبون وراءهم الأماكن ويتعقبونهم فيعثرون عليهم ويقتلونهم. كنت أظن أن هذه الفكرة من وحي خيال الكتاب والمؤلفين، ولم أعلم أنها حقيقة تمضي في طريقها على أرض الواقع.
هذا السقوط الإنساني المروع رأيناه في أولئك الجنود الصهاينة، الذين كانوا يتسلون بقنص سكان غزة ويضحكون ملء أفواههم وهم يربحون الرهان، ورأيناه في كل قوة غاشمة تتمكن من رقاب الشعوب المناهضة لها، لكن نقول إنها نابعة من أخلاقياتهم المتردية في الحروب، فيندفعون إلى التسلية بقتل الفلسطينيين لأن بينهم صراعات ويعتبرونهم أعداء.
لكنني كدت أن أصعق وأنا أطالع تقارير صادرة مؤخرا، عن فئة من الباحثين عن متعة القتل للتسلية إبان حرب الصرب الغاشمة على البوسنة والهرسك في تسعينيات القرن الماضي. مبعث الصدمة التي مُنيت بها وكثير من الذين طالعوا تلك التقارير، هذه الفئة لم يكن لها ناقة ولا جمل في تلك الحرب، ولم يكونوا من الصرب أصلا، بل كانوا أثرياء من عدة دول أوروبية. تضمنت التقارير رفع بعض الصحافيين شكوى قانونية تتعلق بوجود قناصة إيطاليين سافروا إلى سراييفو إبان الحصار من قبل الصرب، ودفعوا للقوات الصربية مبالغ طائلة من أجل سياحة القنص، التي استهدفت المدنيين المحاصرين في سراييفو، وفتحت النيابة الإيطالية التحقيق في هذا الملف.
الصحافي والروائي إيزيو غافازيني الذي رفع الشكوى، توجه إلى ذلك بعد ما تواصلت معه رئيسة بلدية سراييفو السابقة بنيامينا كاريتش أغسطس/ آب الماضي، التي علمت لأول مرة بما يعرف بـ»سفاري سراييفو» عام 2022 من خلال فيلم وثائقي يحمل هذا الاسم، كشف عن دفع أجانب أموالا طائلة لإطلاق النار على المدنيين في سراييفو بدافع الترفيه، فتتبعتْ الأمر وقدمت شكوى إلى جنائية المدعي العام في البوسنة، وأرفقتها بشهادات شهود عيان على وجود صيادين أجانب إبان الحصار، ثم أحالت الشكوى إلى السلطات الإيطالية عبر السفارة في سراييفو. امتدت القضية إلى أمريكا للتحقيق في ما إذا كان هناك أمريكان تورطوا في الأمر، وتبين من خلال الدعوى أن هناك العديد من الأثرياء من عدة دول أوروبية وليس إيطاليا وحدها، ومن بين هذه العناصر وفق التقرير، الكاتب الروسي إدوارد ليمونوف الذي وثق بمقطع فيديو قدومه إلى سراييفو وإطلاقه النار على المدنيين.
تحويل الموت إلى لعبة وتسلية مدفوعة الأجر يتجاوز حدود المنطق البشري، فلئن كانت الأخبار التي تابعناها أيام حرب البوسنة التي تضمنت لهو جنود الصرب ومراهناتهم على الإطاحة برؤوس أطفال سراييفو بمضرب البيسبول من ضربة واحدة، لئن كانت جرائم حرب بشعة، فكيف إذا كان الفاعل لا علاقة له بالحرب والأرض، وجاء من أماكن نائية عن خطوط الجبهة للتسلي بالقتل؟
إننا جميعا معنيون بالتعاطي مع هذا الملف بقوة، على الأصعدة كافة، النخب الثقافية والسياسية والإعلامية والدينية، ومواقع التواصل الاجتماعي، والمنظمات الحقوقية، فينبغي أن لا يمر مرور الكرام، فالدعوة إلى ذلك الحراك لسببين:
الأول: أن جرائم الحرب لا تسقط بالتقادم، وأن القصاص لهذه الدماء التي سفكت في سراييفو بهذه الطريقة، ولهذه الأهداف الوحشية مهما طال عليها الزمن، فهو حق لذلك الشعب الذي ما زال يعاني الآثار المدمرة لهذه الحرب البشعة.
الثاني: حماية الإنسانية من تكرار مثل هذه الجرائم، فإن هذا الجرح إذا لم يُعالج فإنه سيظهر في مكان وأماكن أخرى.
كما إن هذه الدعوة للتعاطي مع هذا الملف، لا تتعلق فقط بالجريمة التي ارتكبت في سراييفو، وكشف المتورطين فيها ومعاقبتهم، بل تتعلق بتعقب وتتبع وملاحقة كل هؤلاء الذئاب الذين يهرولون خلف هواية صيد البشر.
كاتبة أردنية
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، سفاري سراييفو… عندما يصبح القتل لعبة مدفوعة الأجر. إلى الأستاذة إحسان الفقيه، الحمد لله على السلامة، وتحياتي لحضرتك على هذا المقال الإنساني الذي يتناول قضية من أخطر قضايا العصر، ذلك العصر الذي تعيش فيه الكرة الأرضية توحش الإنسان ضد أخيه الإنسان، من أجل المال، من أجل الأراضي، من أجل الملايين بل المليارات، بطرق غير مشروعة، وسرقة قوت الغلابة، والأرامل، والأيتام، والشعوب، بدمٍ بارد. ولكن أن يُقتل الإنسان للتسلية، فهذا شيء فظيع، يثبت أن العالم أصبح مريضًا مجنونًا. نعم، يوجد مرتزقة، ويوجد مافيا، ويوجد بلطجية، وكل هؤلاء مجرمون ومرضى. ولكن أن يُقتل الأبرياء للتسلية، ويُدفع المال من أجل قتلهم، فهذه ليست جريمة حرب، ولا جريمة ضد البشرية فقط، بل هي أشنع من أكل لحوم البشر، ومن الحيوانات المسعورة. كل هذا ناتج عن الاستهتار بحياة البشر، وكثرة الحروب، والقتل من أجل القتل، وانفلات الدول التي تشعل الحروب، دول قامت على جثث شعوب لم تعتدِ عليها يومًا. على سبيل المثال: أمريكا قتلت الملايين من الهنود… لماذا؟ لكي تستولي على القارة بأكملها بدون أي حق. ولم يفكر هذا الاستعمار البغيض حتى أن يترك أهل البلاد ( 1 )
يعيشون معهم بسلام، بل كان القتل يتم بدمٍ بارد، وبحرقهم أحياء، وباي حق إبادة شعب كامل بالملايين، من أجل عصابات تسلّحت للنهب واستعمار الشعوب، بل وقتلها. ولا يجب علينا أن ننسى الاستعمار الأوروبي لأفريقيا، وكيف نهبها، ودمّرها، وقتل شعوبها بدمٍ بارد. والآن، نرى جميع دول الغرب تتكتل ضد الشعب الفلسطيني. القضية الفلسطينية من أخطر قضايا التاريخ. منذ أكثر من 80 عامًا، يتم إبادة شعبٍ مسالم لم يعتدِ على أحد، تم احتلال أرضه، وإبادته فوقها، لكي تنعم إسرائيل بأرضٍ لا تملك فيها شبرًا واحدًا من الحق. لكن الجشع الذي سيطر على القوى الكبرى هو الذي يقتل، ويدمّر، ويجوّع، ويهجّر، حتى أصبح هذا العالم يقتل من أجل القتل فقط. ويكفي أن ننظر اليوم إلى من يحكم أقوى دولة في العالم، نجده مجرد بلطجي، يجيد البلطجة، والسيطرة على الدول بعنجهية القوة، والاستيلاء على أموال الشعوب بالعافية، وبمبدأ المافيا. ولكن أن يُقتل الإنسان من أجل التسلية؟ حسبي الله ونعم الوكيل.
هذا ليس إلا وجه من أوجه الهمجية البشرية والغربية خصوصاً لأنها تتبجح بالحضارة و الرقي و الإنسانية وما إلى هنالك من أوصاف كاذبة ومنحطة. ولكن ما حصل في السودان والعراق وسوريا وليبيا مؤخراً فاق ما حصل في البوسنة و المهزلة أن “الصيادون” كانوا من نفس صنف الضحايا. نفهم همجية الغرب نحو المسلمين ولكن همجية المسلمين اتجاه بعضهم أمر يدعو إلى الحيرة و لايمكن تبريره إلا بأن “الصيادون” مجرمون وكفرة و لا يؤمنون بالأخرة و الحساب تماماً كالصيادين الأوروبيين.
كلما رأينا أمثال هؤلاء الذين حوّلوا قتل الأبرياء إلى لهوٍ وتسلية مدفوعة الأجر، ازداد يقينُنا بأنّ جهنّم ليست ضربًا من الأساطير ولا وعيدًا مجازيًّا، بل هي عدلٌ إلهي قائم ينتظر هؤلاء السفّاحين. إنّ أفعالهم تجعل إيماننا بالقصاص الربّاني أمتن، وثقتنا بأنّ عدل الله سيطالهم مهما طال الزمن أقوى. فهؤلاء الذين دنّسوا كرامة الإنسان، واستباحوا دماء الأبرياء، ووجدوا في الموت متعة، لا يمكن للضمير البشري ولا القانون الأرضي وحده أن يستوعب جرمهم؛ وإنما يحيي فينا الإيمان بيومٍ لا يضيع فيه حقٌّ ولا تُطمس فيه جريمة، يومٍ تُنزع فيه الأقنعة ويقف المجرمون أمام عدل لا يساوم ولا يُضلّل. وإن كان الظلمُ في الدنيا يتخفّى خلف المال والسلاح والنفوذ، فإنّ عدل السماء لا تغيب عنه دمعة مظلوم، ولا صرخة محاصر. ولذلك نقول: مثل هذه الفظائع لا تزيدنا إلا يقينًا بأنّ عدالة الله هي الملجأ الأخير والأعظم، وأنّ جهنّم حقٌّ، وعدلٌ، وجزاءٌ يليق بمن اتّخذ دم الإنسان لعبة.
هذا هو الوجه الحقيقي الحضارة الغربية المزعومة و التي افتتن بها الكثير من بني جلدتنا