سلامة موسى وإرث التنوير… بين النهضة والتغريب

سلامة موسى كاتب مصري من جيل الرواد (1887/1958) شهد نهاية القرن التاسع عشر وعاش إلى منتصف القرن العشرين، ورأى بأم عينيه انتصارات العلم الكاسحة، تلك الإنجازات التي نقلت العالم من حال إلى حال، أما في وطنه مصر فقد عاش تقلبات الحياة من استعمار بريطاني إلى ملكية تتآمر حينا على الجماهير بمعية الإقطاع والإنكليز، وتذعن حينا آخر تحت وطأة الغضب الجماهيري ونضال الأحرار، إلى قيام الثورة المصرية في يوليو/تموز 1952.
وهو إن لم يتعلم في جامعة ولم ينل شهادة عليا، كما كان الشأن بالنسبة لمجايليه كطه حسين وهيكل والزيات، إلا أنه كالعقاد عصامي اعتمد على نفسه في تكوينه العلمي والفكري واتجه إلى الغرب فقد رأى فيه قلعة الأنوار، ومعقل الفكر الحر وموطن الثقافة فعاش حينا في باريس وحينا آخر في لندن مما كان له أعمق الأثر في تكوينه الفكري والنفسي. نهل من الثقافة الغربية من فلسفة وفكر وأدب وفن وعلم وذكر في كتابه (هؤلاء علّموني) حوالي عشرين مفكرا وأديبا وعالما كان لهم أبلغ الأثر في تكوينه أمثال، فولتير وداروين وفرويد وماركس وتولستوي وسارتر وبرنارد شو، وليس بينهم مفكر أو أديب عربي واحد، وهذا يعكس توجهه نحو الغرب الذي كان محل انتقاد دائم من قبل خصومه.

حين عاد إلى مصر قبل الحرب الكونية الأولى اتصل بالكتاب والمفكرين والصحافيين الشوام المقيمين في مصر وكانوا ينشرون الفكر العلمي ويدعو بعضهم إلى تقليد الغرب، تقليدا مطلقا وينعى على الشرق ركوده وتخلفه وثقافته، تلك الثقافة التي جلبت عليهم الاستعمار، أو الاستبداد، وكان جلهم من أعداء الخلافة العثمانية ويرونها سبب بلاء العرب أمثال، يعقوب صروف، أنطون الجميل، شبلي شميل وكان لاتصاله بجرجي زيدان وتحريره المقالات في مجلة «الهلال»، بداية دخوله الكتابة الصحافية والانتشار بين جمهرة القراء، ولم يكن يراوغ أو يناور أو يخفي قناعاته، ما سبب له متاعب وهجوما كاسحا من قبل خصومه، واتهامات من قبل كثير من القراء، فقد تبنى الداروينية، أو مذهب النشوء والارتقاء كتفسير لظهور الحياة وتطورها حاملا على الغيبيات منكرا لها، معتبرا إياها سبب تخلف الشرق، وأخرج كتابا عن داروين ومذهبه كما تبنى نظرية فرويد في اللاّشعور، وكتب كثيرا عنها، أما اتجاهه السياسي والاجتماعي فقد كان اشتراكيا، يرى خلاص مصر في الاشتراكية، فالملكية والطبقية ذريعتان إلى الركود والرجعية والظلم ولا حل إلا بإتاحة الطريق لسيادة الفكر الاشتراكي، الذي تشرب مبادئه أيام كان في إنكلترا، فقد انضم إلى الفابية الاشتراكية وتعرف شخصيا على برنارد شو، كما جاء في سيرته الفكرية (تربية سلامة موسى) وسيخلص لهذا المذهب، كما أخلص لمذهب داروين في النشوء والارتقاء ويلاقي العنت من قبل خصومه متهمين إياه تارة بأنه طابور خامس أو المندوب السامي الاستعماري.

ولم تسلم حتى قبطيته من الهجوم الذي جاء من قبل مفكرين وكتاب مجايلين له أمثال العقاد، الذي وصمه بأنه يكتب ليحقد ويحقد ليكتب، لا هو معدود في الأدباء ولا هو معدود في العلماء، أو من طه حسين والمازني وتوفيق الحكيم ومصطفى صادق الرافعي، الذي رأى في كتاباته هجوما على العربية والإسلام لأنه مسيحي من جهة، ومتغرب من جهة أخرى وأن كراهيته للإسلام والعروبة وتبعيته للغرب والثقافة الغربية، هي التي تملي عليه تعصبه الأعمى، وعلى كل ما هو شرقي أو عربي إسلامي، ولكنه صمد في وجه هذه الحملات منددا بالملكية وناقما على الإقطاع، محملا إياه تبعات بقاء مصر في العهد الزراعي، حيث الركود وانتشار الثقافة الدينية وسيطرة الغيبيات، وحجب المرأة وبخسها حقوقها، وكان سلامة موسى بتأثير من النظرية الماركسية يرى أن الوجود يصنع الوعي، أو أن الفكر هو انعكاس للمادة ، فما دام المجتمع من الناحية السياسية ملكيا ومن الناحية الاقتصادية زراعيا وإقطاعيا، فالذي يسود هو النمطي والركود وبقاء الحال على ما هي عليه بسيطرة الغيبيات، وإهمال العلم المادي والولع بالحفظ والتلقين وإيثار العلوم الدينية واللغوية على العلوم الطبيعية، ولن يحدث تغيير ما لم يحدث تغيير في البنية العميقة للمجتمع، بانتقاله من العهد الزراعي إلى العهد الصناعي على النمط الاشتراكي، لأن هذا التغيير في البنية الاقتصادية يستتبع تغييرا في نمط التفكير ووعي العالم وإيثار الحاضر على الماضي والارتقاء بالمرأة من مجرد آلة لإنتاج النسل إلى شريك إنساني له مساهمته البالغة في النهضة والتنمية، كما لها حقوقها الإنسانية في الحرية والإخاء والمساواة.

وجعل من الجرائد والمجلات التي أنشاها كـ»المستقبل» ومجلة «المجلة الجديدة» و»جريدة المصري» إضافة إلى الصحف والمجلات التي كان يكتب فيها كــ»الهلال» و»البلاغ» و»اللواء»، منابر للدعوة إلى الأدب الجديد، ويعني به أدب الشعب، فقد كان ينكر نظرية الفن للفن، ويرى في الأدب خادما لتوجهات الشعب في العدالة والتنمية والحرية والمساواة بين الجنسين، أما ما كان يراه ويتابعه من كتابات مجايليه، فيراه أدبا إقطاعيا يشيد بالملكية، ويهيم بتقليد أساليب الأقدمين ويولع بالزخرفة اللفظية والتصنع، أما الموضوعات التي يعالجها ذلك الأدب فيراها تليدة لا صلة لها بالحاضر، إنها لا تقدم شيئا جديدا للمجتمع، فما كتبه العقاد عن عظماء الإسلام، أو ما تناوله طه حسين من التاريخ الإسلامي، يراه سلامة موسى غير نافع للمجتمع لا جديد فيه، فهو تحصيل حاصل وقول ما قيل فآلاف المجلدات تناولت هذا التاريخ وأعلامه، وفي المستقبل البعيد لن يبقى أديب منهم ولا ما كتب، فالكاتب الحق هو الذي يناضل ويكتب عن قيم الحياة من حرية وإخاء ومساواة وعدالة، ويدعو إلى التفكير العلمي ويحارب الغيبيات ويمهد الطريق لسيادة الفكر والمجتمع الاشتراكيين، كما شرح ذلك في سيرته المذكورة آنفا، وقد أدت به أفكاره ونضاله وانتماؤه السياسي إلى السجن عام 1946 بتهمة التآمر على النظام الملكي، ولكنه ظل وفيا لمبادئه منافحا عنها، فهو كما يقول عن نفسه يكتب كما يفكر ويعيش كما يكتب، فكره حياته وحياته فكره، وهذه الأفكار التي كان يجهر بها في النوادي الثقافية، وينشرها في كتب خاصة، أو في مقالات، جرّت عليه نقدا لاذعا وخصومات كثيرة، حتى كانت معارك سلامة موسى الفكرية والأدبية من أشهر المعارك الأدبية في القرن العشرين، فهو كما يرى خصومه الداعية إلى تقليد الغرب، المتحامل على الشرق وثقافته، الناقم على الغيبيات محملا إياها علة التخلف.

وفي كتابه (البلاغة العصرية واللغة العربية)، الذي أثار ضجة كبرى يوم صدوره ولا يزال كذلك إلى اليوم، وألب عليه الكتاب والشعراء والمفكرين ورجال الدين باعتباره هجوما على صرح اللغة المقدس استكمالا لهجومه على الدين وكراهيته للشرق وحماسه الزائد للغرب، وفي هذا الكتاب دعا سلامة موسى صراحة إلى العامية، كما دعا إلى الكتابة بالأحرف اللاتينية وتحمس للأسلوب التلغرافي كما وصفه معتبرا أساليب أمثال العقاد وطه حسين والرافعي لا تخدم الشعب فهي أساليب تتبع أسلوب الجاحظ وابن المقفع، كما دعا إلى إلغاء الإعراب والاستعاضة عنه بالتسكين (تسكين أواخر الكلمات) ، ولم يسلم مجمع اللغة العربية من هجومه، فقد رأى في ترجمة المصطلحات العلمية عبثا وجهدا ضائعا، فهو رأى عدم ترجمة المصطلحات العلمية وتبقى كما هي لأنها عالمية وتتيح لنا مستقبلا الاندماج في الإنتاج العلمي والحضاري العالمي (تليسكوب، فونوغراف ميكروسكوب تلفزيون، سينما…). أما تدريس البلاغة القديمة فدعا إلى إلغائه فهي بلاغة التصنع والعاطفة الممجوجة والمبالغات الكاذبة، وقد حمل على المتنبي وفضل عليه المعري لأنه الأقرب إلى روح الشعب، أو روح الإنسان، والبلاغة التي يريدها هي بلاغة المنطق والحجاج والعقل، حيث النضج والاعتدال لا المجازفة والشطط والإسراف في الخيال والوجدان والكلام. والنظرة الموضوعية الخالية من التعصب والتحامل وترديد أقوال الرواد عن سلامة موسى وفكره تقتضي الإجابة عن سؤال: ماذا أضاف إلى الأدب والفكر، وهل كان فعلا متعصبا حاقدا عميلا للغرب؟

أما من حيث أسلوبه في الكتابة، فعلى الرغم من وصفه بأنه «تلغرافي»، فإنه لم يكن أسلوبًا ركيكًا أو عاميًا، بل اتسم بالوضوح والإيجاز وخدمة الفكرة، مبتعدًا عن التعقيد اللفظي والزخرفة البلاغية. وقد حرص سلامة موسى على انتقاء اللفظ الدقيق، وكان يرى أن الإفراط في الترادف يفضي إلى تشتيت المعنى وإضعاف الدقة التعبيرية. كما اتجه خطابه إلى مخاطبة العقل أكثر من استثارة العاطفة، فجاء معتدلًا، خاليًا من الابتذال والفحش، حتى في أشد معاركه الفكرية.

وفي دعوته إلى تبسيط النحو جانب لا يخلو من الوجاهة، كما أنه لم يكن معاديًا للتراث العربي على إطلاقه، خلافًا لما شاع عنه. فقد امتدح الجاحظ، ورأى أن الاطلاع على مؤلفاته ضرورة لكل أديب، كما أثنى على أبي العلاء المعري وعدّه الأقرب إلى هموم الإنسان والمجتمع، وإن رأى أن تشاؤمه كان مفرطًا. غير أنه وجّه نقده إلى ما سمّاه «الأدب الملوكي» أو «الإقطاعي»، الذي انشغل بمديح الحكام وتمجيدهم، وأغفل قضايا الناس ومعاناتهم. والمفارقة أنه كتب في مجلة «الهلال» عام 1923 مقالًا أشاد فيه بالعقاد فكرًا وأسلوبًا، وعدّه من علامات نضج الأدب العربي الحديث.

أما دعوته إلى استبدال الحروف العربية باللاتينية، متأثرًا بالتجربة الكمالية في تركيا، فقد بدت أقرب إلى الرهان على الشكل منها إلى معالجة جوهر المشكلة، إذ إن التخلف لا يكمن في الأبجدية، بل في البنية الفكرية والثقافية. ولذلك لم تجد هذه الفكرة قبولًا، رغم أن عبد العزيز فهمي دعا إليها أيضًا لتجاوز إشكالات الإعراب. وكذلك كان الأمر في دعوته إلى تسكين أواخر الكلمات؛ وهي فكرة تبناها لاحقًا توفيق الحكيم، قبل أن يتراجع عنها عندما وُوجه في مجمع اللغة العربية بجملة يستحيل فهمها من دون الإعراب.

وكان سلامة موسى محقا في نقده للتكلف والبهرجة اللفظية، لكن تعميم هذا الحكم على أساليب العقاد وطه حسين وهيكل يبدو مجافيًا للإنصاف، ولا سيما أنه نفسه عبّر في أكثر من مناسبة عن إعجابه بالعقاد، كما سبقت الإشارة.

وخلاصة مشروعه الفكري أنه كان يدعو إلى أدب يخدم المجتمع، ويواكب تحوله من الجمود إلى الحركة، ومن التقليد إلى التجديد. غير أن دعوته إلى جعل الأدب قائمًا على الحجاج والعقل وحدهما تنطوي على قدر من المبالغة؛ فالأدب ليس علمًا خالصًا، بل هو فن تتداخل فيه الفكرة مع الخيال، والعقل مع الوجدان، وتجتمع فيه قيم الحرية والحب والأخوّة الإنسانية. ومهما اختلفت الآراء حول سلامة موسى، وتعددت المآخذ على أفكاره، فإنه يبقى أحد أبرز دعاة التنوير في الثقافة العربية الحديثة، وقد أسهم بكتاباته والتزامه بالفكر العلمي في تحريك الحياة الفكرية وإثراء الجدل الثقافي. فالنهضة لا يصنعها الإجماع، بل يصنعها الاختلاف والنقد والاحتجاج؛ إذ إن التطور يبدأ من مساءلة المألوف، بينما يقود التسليم والخضوع إلى الركود والتراجع.

كاتب جزائري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية