من العقائد الثابتة لدى أي جيش ان يحافظ على ما يطلق عليه العسكريون «طهارة السلاح»، وهو عدم استخدام السلاح في غير موضعه، فلا يجوز استخدام السلاح ضد المدنيين أو المقاتلين الذين يلقون أسلحتهم استسلاماً، ولا يجوز استخدامه ضد أهداف مدنية، أو ضد منشآت لا تشكل تهديداً لسلامة جيش الاحتلال. كما أن طهارة السلاح تقتضي الاقتصاد في استخدام القوة المسلحة، أي يجب أن يكون هناك تناسب بين حجم القوة المستخدمة والهدف المقصود، فاحتلال قرية مسالمة لا يبرر استخدام قوة مسلحة أكبر مما هو ضروري لاحتلالها. فهل يحافظ جيش الاحتلال على «طهارة» سلاحه، كما يطلق على نفسه والمدافعون عنه؟
تقول التقارير، على سبيل المثال، إن قوات الاحتلال الإسرائيلي، قتلت حوالي مئة وثمانين فلسطينياً منذ مطلع العام الحالي، بمن فيهم اثنان وأربعون طفلاً وست نساء.
ويلحظ المراقبون أن جيش الاحتلال يستخدم السلاح بخفّة ورعونة، ويستهدف المدنيين وأهدافاً مدنية. ونشاهد يومياً تقريباً جنازات الشهداء الذين يقتلون ويبرّر أسيادهم الأمريكيون أن «قواعد الاشتباك» التي يستخدمها الجيش الإسرائيلي يجب إعادة النظر فيها، وتكون أكثر انضباطاً. فهل المشكلة في «قواعد الاشتباك»؟ أم في شهية القتل التي تبدو واضحة في سلوك جيش الاحتلال؟ إن شهية القتل هي «عقيدة عسكرية» لدى جيش الاحتلال وفي ثقافته، وله سجل طويل في ذلك.
ارتكبت عصابات الهاجاناه أكثر من مئة وعشرين مجزرة «لتطهير» فلسطين من اهلها في حرب عام 1947/1948، ولم تكن مجازر الطنطورة والدوايمة ودير ياسين إلاّ مجرد نماذج. ولم تكن مجازر الجيش المصري في سيناء في عام 1967، وقد استسلمت قواته بعد تدمير سلاح الجو المصري، آخر الأمثلة. وكم كان معيباً على أي عسكري أن يتطاول على عسكري آخر ألقى سلاحه، لأن في ذلك ما يمكن وصفه بـ»النذالة»، وهو من أبشع العيوب التي تلحق بـ»طهارة السلاح». وقد وقعت في يدي مؤخراً أطروحة دكتوراه قدمتها باحثة إسرائيلية في الجامعة العبرية، وأوردت فيها قضية الشهيد الشريف مثال على سلوك الجيش الوحشي. ففي تاريخ 24/3/2016، نشرت الصحف الإسرائيلية خبراً مفاده، أنه تمّ طعن جندي في الخليل وأن «إرهابيين اثنين» قتلا في الحادث وكانا يحملان سكاكين. بعد نشر الخبر بقليل، نشرت منظمة «بتسيلم» شريطاً سجلت فيه ما وقع فعلاً، حيث بيّن الشريط أن الشريف وزميله رمزي القصراوي، كانا قد جرحا وأن الشريف كان ملقى على الأرض وما زال حيّاً. جاء الجندي أزاريا وأطلق النار على رأس الشريف وقتله، وحين افتضح أمر الرواية الرسمية الإسرائيلية قام المدعي العام العسكري بفتح تحقيق، وقدم الجندي أزاريا إلى المحكمة، التي وجدته مذنباً وحكمت عليه بالسجن (18) شهراً. احتج محامي أزاريا على الحكم واتهم المحكمة بالانتقائية، وتدليلاً على ذلك طلب من المحكمة جلب (15) ملفاً جميعها تنطوي على جرائم مماثلة حيث كان الضحايا فيها فلسطينيين وتم قتلهم من قبل قوات الاحتلال، وذلك لكي يثبت أن القتلة في تلك القضايا لم تتم محاكمتهم ابتداءً، ومن حوكم، تمت تبرئته بينما حكم على موكله بالسجن (18) شهراً. سمح القاضي بجلب ملفات قضيتين فقط، في الأولى تبين أن العقيد شومير أطلق النار وقتل محمد علي كسابة، وحين طلب محامي الضحية الاطلاع على ملف التحقيق وجد شهادتين تناقضان أقوال العقيد شومير، كما وجد شريطاً مصوراً يثبت أن شومير كذب في إفادته، وهنا طعنت عائلة الضحية في قرار المحكمة الدنيا بإغلاق الملف، إلاّ أن المحكمه العليا رفضت الطعن.
طهارة السلاح تقتضي الاقتصاد في استخدام القوة المسلحة، أي يجب أن يكون هناك تناسب بين حجم القوة المستخدمة والهدف المقصود
في القضية الثانية، قام الشاويش مكسيم فينوجرادوف بتاريخ 11/6/2010، بملاحقة زياد الجيلاني بمساعدة اثنين من العسكريين. لقد تمت إصابة الجيلاني بجروح، ما أفقده القدرة على الهرب إلاّ أنه ظلّ حياً، ولكن الشاويش لحقه وأطلق النار على رأسه عن قرب فقتله. وببهلوانية معتادة من محكمة العدل العليا، ذهبت المحكمة تناقش هل تمّ القتل من مسافة متر أو من مسافة أقل، وتجاهلت أن القتل قد تمّ بدم بارد وخارج نطاق القانون، وبذلك تكون جريمة كاملة الأوصاف والأركان. ويبدو أن ما في الملفات التي لم تسمح المحكمة بجلبها ينطوي على جرائم جيش الاحتلال الذي لا تعنيه أبداً مسألة «طهارة السلاح»، طالما أن الضحية كان فلسطينياً، وتصادقه على هذه الجريمة محكمة العدل العليا.
إن مسألة عقيدة القتل لها جذور عميقة في الثقافة العسكرية الإسرائيلية. يروي المهندس الإسرائيلي إيال وايزمن في كتابه المهم والموثق (Hollwo Land)، ان شارون، حين تولى زمام الأمر في إسرائيل عام 2001، استدعى رئيس الأركان شاؤول موفاز، ورئيس الشاباك أفي ديختر، وقال لهما بصراحة «إن على الفلسطينيين أن يستفيقوا ليكتشفوا أن عندهم من عشرة إلى اثني عشر قتيلاً كل صباح دون ان يعلموا ماذا حصل». وفي اليوم التالي طلب الجنرال موفاز من قادة المناطق (بعد ان تأكد ان كلامه غير مسجل) أنه يريد «عشرة قتلى فلسطينيين كل يوم» في كل منطقة من المناطق الخاضعه لهم. وقد طلب موفاز من الضباط الأقل رتبه بأوامر أرسلها لهم عبر الهواتف المحمولة أنه «يريد أن يصحو كل صباح ليسمع أنكم كنتم في الميدان وقتلتم». وكانت أوامر موفاز لضباطه أن «القتل ليس من الضروري أن يكون بسبب»، وأن القتل لن يكون خاضعاً للتحقيق، وأن الجنود الذين يمارسون القتل بالكاد يخضعون للتحقيق. وهذا ما تؤكده أطروحة الدكتوراه المشار إليها أعلاه. وحين أصبح قائداً للمنطقة الوسطى، طلب كوخافي رئيس الأركان الحالي، من القوات العاملة تحت إمرته، أن «هدفهم يجب أن يكون قتل المسلحين الفلسطينيين وليس السماح لهم بالاختفاء أو الاستسلام». وبعد، لا بدّ من أن يستقرّ في الذهن أن الفلسطينيين يتعاملون مع عصابة من القتلة لا تقيم وزناً لما يسمى بـ «طهارة السلاح»، وبالتالي فإن الفلسطينيين، مقاتلين ومدنيين، مهددون بالقتل على أي حال، والذي ليس من الضروري أن يكون موتاً مسبباً، كما أعلن الجنرال موفاز. ويجب أن نستعيد تقرير اللجنة الدولية حول المسيرات السلمية في غزة التي كانت تطالب برفع الحصار وكيف تم قتل 189 مدنياً وجرح حوالي تسعة الاف شخص.
إن الجيش الإسرائيلي يعتنق في تدريبه وثقافته ما يسمى بـ»مبدأ الضاحية»، وهي تعني الضاحية الجنوبية من بيروت، وينطوي هذا المبدأ على مخالفة لكل قواعد الحرب، لأنه يقوم على تطبيق مبدأ «عدم التناسب بين الخطر والعنف اللازم لدرئه»، ذلك أن القاعدة القانونية في القتال، هي أن يستخدم العنف بمقدار ما هو ضروري لرد الخطر ولا يتجاوزه، وإلاّ أصبح جريمة. مبدأ الضاحية يقوم على عكس هذه القاعدة، أي يتم استخدام قوة هائلة وإحداث أضرار جسيمة ولاسيما في الأهداف المدنية والبنى التحتية وإحداث أكبر كم من الألم للسكان المدنيين. وقد استخدمت إسرائيل هذا المبدأ في حرب تموز/يوليو عام 2006 ضد لبنان، وما زالت تستخدمه في كل حروبها على قطاع غزة، وقد وثق ذلك القاضي غولدستون في تقريره عن محرقة غزة (عام 2009).
وبعد هذا الاستعراض، يجب ألا نصاب بالاندهاش من منظر قوافل الشهداء التي نراها يومياً تقريباً في فلسطين، ولكن يجب أن تسجل في ذهن القيادة الفلسطينية ودورها في استنهاض محكمة الجنايات الدولية، ولاسيما بعد أن تولى الادعاء العام فيها شخص مصاب بعمى الألوان، حيث لا يرى إلا القتلى في أوكرانيا وزارها ثلاث مرات خلال فترة قصيرة، ولم يلحظ الدماء الفلسطينية على حراب القتلة الإسرائيليين التي ما زالت تسيل منذ أكثر من خمسين عاماً. هذا هو نوع العدو الذي تعتقد قيادة السلطة الفلسطينية ان تصل الى نتيجة معه، ومن ثمّ على السلطة العتيدة ان تضع هذا السلوك الإسرائيلي الرسمي تحت تصرف المطبعين العرب… لعلّ في ذلك ذكرى، إن نفعت.
محام وكاتب فلسطيني
السلاح الصهيوني هو اقذر واسفل سلاح في العالم,وقد تفوق على اسلحة القراصنة وقطاع الطرق في الاجرام والانحطاط والسفالة…….