سوبرمان في غزة

وأخيراً وبعد مخاض عسير تجاوز العشر سنوات، أنتجت هوليوود نسخة جديدة من فيلم سوبرمان الجديد للمخرج جيمس غان، وبمدة عرض وصلت إلى 129 دقيقة مليئة بالمفاجآت. مفاجآت تجاوزت حدود المتوقع لأنها وصفت، حسب النقاد، صورة قطاع غزة وبشكل يكاد أن يصل حد التطابق، دون تسمية غزة بعينها. الفيلم الذي عرض لأول مرة في الصين قبل أسبوعين، عرض في دول المال قبل أيام بما يشمل أمريكا وبريطانيا وكندا وبكين، وغيرها وصولاً إلى انتشاره الواسع حول العالم مع كتابة هذا المقال.
وفي تقييمه للفيلم كتب أحد الأصدقاء: «ذهبت قبل يومين إلى السينما لمشاهدة فيلم سوبرمان الجديد، خاصة بعد أن شجعني الكثيرون على مشاهدته. بصراحة لم أصدق عينيّ، الفيلم بمثابة توصيف واضح لما يحدث في غزة، وإن لم يذكرها بعينها، لكن تفاصيله كلها تشير إلى المشهد الغزي برمته. ما رأيته لم يحصل في تاريخ هوليوود، فالفيلم يشكل انعطافة قوية في مواقف هوليوود التقليدية التي تمنعت عن دعم فلسطين، أنصح الجميع بمشاهدته».

سوبرمان لن يحل عقدة غزة لوحده، لكنه حتماً سيعزز الطرق على الخزان، ومضاعفة الضغط البشري نحو إنهاء المحرقة والإبادة المرتبطة بحق فلسطين والفلسطينيين والمنطقة برمتها

هذا بالتأكيد ليس دعاية للفيلم، وإنما دليل جديد على تعاظم واضح في مدارس التفكير الإنساني الداعم لفلسطين، حتى لو بالإيحاء، خاصة في مواقع اعتادت على نصرة الرواية الإسرائيلية، بينما يتصاعد التعاطف البشري مع غزة بكامل تفاصيله. المواقف على تعددها باتت تعبر عن حالة ضيق بحكومة اليمين في إسرائيل، التي ربما تستمر بالاعتقاد بأنها ستتحمل ملامة البشر المتزايدة والمكّثفة وغير المسبوقة، ولمرة واحدة في الحياة في مقابل تحقيق رؤيتها في تنفيذ مشروع إسرائيل الكبرى، القائم على اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم ونسف وجودهم، وتغيير خريطة الحكم في الشرق الأوسط، والاستيلاء على طرقٍ استراتيجية لتجارتها المستقبلية. طرق تمتد من المتوسط إلى حوران ومعظم الجنوب السوري، وصولاً إلى قاعدة التنف الأمريكية، ومنها إلى الخليج العربي. كل هذا يقوم على قاعدة أن من لا يستسلم لنزوات حكومة الاحتلال بالتطبيع سيقتلع بقوة السلاح المدعوم بإرادة رسمية أمريكية تسيّد إسرائيل على العالم. وبهذا تتحقق الرؤية الصهيونية القائمة على عقيدة: دولة إسرائيل من الفرات إلى النيل.
أصحاب هذا المشروع يتسلحون بالقناعة الكامنة في أن تشوّه وجه وسمعة إسرائيل في العالم، جراء جرائمها المتواصلة، يمكن ترميمه عبر جولة علاقات عامة تتبع الحرب، مدعومة بترليونات الدولارات. هؤلاء لا يعرفون، أو أنهم لا يريدون أن يقتنعوا، بأن ظاهرة سوبرمان إيحائية كانت أم فعلية، إنما تعززت أكثر فأكثر في صدور البشرية قاطبة، وهو ما سيزيد من تراكم الأحقاد والضغائن حول العالم، وبصورة خرافية لن ينفع معها مال قارون برمته. سوبرمان لن يكون وحيداً في تحليقه، فقد يتبعه الرجل الوطواط، والرجل العنكبوت، وطرزان، والرجل الخارق، والقائمة تطول من أباطرة الشهامة الخياليين والحقيقيين. سوبرمان لن يحل عقدة غزة لوحده، لكنه حتماً سيعزز الطرق على الخزان، ومضاعفة الضغط البشري نحو إنهاء المحرقة والمجزرة والمقتلة والإبادة المرتبطة بحق فلسطين والفلسطينيين والمنطقة برمتها. لقد هبت جموع اليهود المتنورين حول العالم لرفض الحرب وجرائم إسرائيل، وعبّروا عن مواقفهم ومساهماتهم وخطواتهم، بإجراءات عدة عرفها الجميع، إلا أن تحركهم يحتاج إلى التصاعد والتزايد أكثر فأكثر، رغم وصف المتطرفين في دولة الاحتلال وخارجها لهم: باليهود الكارهين لأنفسهم.
الكاره لنفسه هو من يقتل النساء والأطفال والأبرياء، والذي يسحق الكنائس والمساجد، والمدارس والمشافي والجامعات، ويدمر البيوت ويجرفها على رأس ساكنيها، ويقتلع الناس من أرضها، ويزور عواصم العالم ليقنعها بتهجيره المنشود لسكان الوطن الأصليين، ويسوّق لها فكرة استيعابهم ضمن مشروعه الإزاحي الكبير.. فهل يساهم سوبرمان وغيره من الظواهر في تبديل المشهد؟ ننتظر ونرى!

كاتب فلسطيني
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول د. رامي:

    هناك قيمة سامية ممتدة في الإنتماء لسؤال الضحية… الفاتورة الحالية مهولة جدا وغير مسبوقة ويصعب حصرها في الأرواح والدماء والممتلكات، وإن لم يكن مقابلها دولة وإستقلال فهذا يعني أن هذا الشعب هو معشر القوم الضائعين بلا جدوى… “شعب بلا دولة هو شعب يقع في الفراغ وينثر في الهواء”…
    هناك كوارث وقضايا تحظى بإهتمام الرأي العام العالمي وبالتالي المجتمع الدولي، وهذا الإهتمام يمثل فرصة لأصحاب تلك القضايا، وهناك كوارث وقضايا لا تحظى بإهتمام الرأي العام العالمي فتجد أن جميع ملفاتها مهملة وكوارثها تتفاقم، كما حدث في أمثلة كثيرة في أفريقيا وآسيا…
    لا يوجد واقع سياسي سهل، كل أزمة تأتي معها فرصة، رفع مستوى ودرجة نشاط التشبيك السياسي والدبلوماسي مع الأطراف الإقليمية العربية والأوروبية والدولية ذات العلاقة لقطع خطوات نحو مزيد من الإعتراف الغربي بالدولة والإستقلال على طريق الإستقرار الطويل (حل الدولتين) وفق ثوابت النظام الدولي (القانون الدولي)، وحسابات الممكن المتغير… السياسة حضور وتفاعل ومشاركة…

  2. يقول د. رامي:

    على الصعيد المحلي، هناك من يبحث عن ما يمكن تسميته “بر الأمان”، ومفهومه الخاص به لبر الأمان ما زال عالقا وجامدا كما هو شكلا ومضمونا بدون تغيير رغم مرور هذه الشهور الطويلة من الكارثة المتصاعدة… التوافق على تعريفات وطنية لمفهوم “بر الأمان”، ضمن رؤية عقلانية وعملية لثوابت الواقع الدولي “النظام الدولي” وللممكن المتغير… ما يشغل الرأي العام العالمي قد لا يصبح شاغلا له بعد مرور فترة من الزمن… الممكن ليس ثابتا، الممكن متغير… هناك حاجة ملحة لمواصلة عملية الإصلاحات الحكومي والمؤسساتي وبكل ما له علاقة بالبعد الوطني والمجتمعي والخدماتي ضمن غايات تحقيق التطوير والرقي والشفافية والعدالة بنهج حضاري يحظى بالقبول والإشادة… بعد كل تحديثات متجددة في قراءة المشهد، أن تسأل ماذا يجب أن أفعل؟، كيف أفعله وبأي طريقة؟، هل هناك فرصة؟…

  3. يقول د. رامي:

    مبادرات لإنقاذ كل ما يمكن إنقاذه على الصعيد الإنساني…
    واحدة من الوظائف الأساسية للأمين العام للأمم المتحدة وممثليه هي إيصال وتبني صوت الضعفاء إلى العالم وإعطاء هذا الصوت منبر من خلال المؤسسات الأممية…

اشترك في قائمتنا البريدية