سودانيون يغادرون مصر بعد الحملات الأمنية والمبادرات الطوعية

تامر هنداوي
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: زاد معدل عودة اللاجئين السودانيين المقيمين في مصر إلى بلادهم خلال الآونة الأخيرة، بعد الحملة التي شنتها الأجهزة الأمنية في مصر لاستهداف تقنين أوضاعهم وانطلاق مبادرات العودة الطوعية.

لجنة الأمل

وأعلنت لجنة الأمل للعودة الطوعية برئاسة المهندس محمد وداعة، أن عدد المتقدمين للعودة الطوعية عبر الموقع الإلكتروني التي دشنته اللجنة لاستقبال الطلبات بلغ نحو 14 ألف شخص.
وتشكلت لجنة الأمل، وهي مبادرة شعبية في فبراير/ شباط الماضي، وبينت أن مهمتها تسهيل إجراءات العودة وتقديم الدعم القانوني والخدمي للاجئين، بعيداً عن التجاذبات السياسية.
وأكدت في بيان تدشينها أنها ليست جهة حكومية أو حزبية، بل هي مبادرة وطنية خالصة تضع مصلحة المواطن السوداني كأولوية قصوى.
وشددت على أن هدفها الأساسي هو صون حق السودانيين في الاختيار الحر؛ سواء بالبقاء المؤقت في دول الاستضافة بما يحفظ كرامتهم، أو العودة إلى أرض الوطن لمن يرغب في ذلك.
وصرح وداعة بأن اللجنة تضع ملفات شائكة على رأس أجندتها، أبرزها معالجة أوضاع السودانيين المحكومين والنزلاء في السجون المصرية، والبحث عن تفاهمات مع السلطات المصرية لمنح مهل قانونية وتخفيف الضغوط عن اللاجئين، وخاصة الطلاب المقبلين على امتحانات الشهادة السودانية في أبريل/ نيسان المقبل.
ودفعت الحملة الأمنية في مصر عددا كبيرا من اللاجئين السودانيين إلى اتخاذ قرار العودة، حسب عمر، رجل ستيني، وهو أحد اللاجئين المقيمين في شارع فيصل في محافظة الجيزة.
ويقول عمر لـ«القدس العربي»: رغم عدم استقرار الأوضاع في السودان، وحديث من عادوا عن ظروف صعبة تتعلق بانقطاع الكهرباء وغياب الخدمات، إلا أن الكثيرين من السودانيين قرروا العودة بسبب الملاحقات الأمنية. ويضيف: صحيح أنني لا أتعرض لمضايقات بسبب سني، لكني أخشى على أبنائي من أن يجري توقيفهم.
ويؤكد عمر أنه اتخذ قرار عودة أسرته إلى السودان قبل عيد الفطر، لكنه مضطر للانتظار أسابيع حتى ينهي تعاملاته في مصر، ويبيع الأثاث الذي اشتراه بعد قدومه قبل 4 أعوام.
ولفت إلى أن عددا من أبناء بلده المقيمين في مصر ينتظرون عودة رحلات العودة الطوعية، بسبب تكلفة السفر المرتفعة، والخوف من أن يتم توقيفهم في الطريق إلى المعبر بسبب عدم امتلاكهم أوراق إقامة.
وحسب آخر بيانات الهيئة القومية لسكك حديد مصر، كانت آخر رحلة عودة طوعية سيرتها الهيئة في 31 ديسمبر/ كانون الأول الماضي. وكانت الهيئة، نظمت 44 رحلة ضمن مشروع «العودة الطوعية»، بإجمالي مستفيدين بلغ 42,944 راكبًا. وحسب تقديرات حكومية سودانية، فإن عدد السودانيين الذين عادوا طوعا من مصر يقدر بنحو 500 ألف شخص، ما يقارب ثلث أعداد السودانيين في مصر.

منحى متطرف

واتخذت حملة ملاحقة مجتمعات اللاجئين والمهاجرين في مصر منحى متطرفاً منذ بداية عام 2026، لتصل إلى حد الأزمة، حسب المبادرة المصرية للحقوق الشخصية.
وأكدت المبادرة في ورقة تحليلية للأزمة، تعذر الجهات الحقوقية وغيرها من الجهات المعنية بأحوال اللاجئين والمهاجرين في الحصول على أرقام شاملة بشأن الاحتجاز والترحيل، بسبب منع الوصول إلى مراكز الشرطة والمناطق الحدودية.
ولفتت إلى أن مصادر من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تحدثت عن اعتقال ما لا يقل عن 3000 لاجئ وطالب لجوء في الشهرين الأولين من العام الجاري، بينما قدر بعض المحامين عدد اللاجئين وطالبي اللجوء المعتقلين بما يتراوح بين 5000 و10000 شخص.
ونقلت المبادرة عن أحد الفاعلين المحليين في مجال الحماية أن ما يقرب من 5000 لاجئ قد اعتقلوا خلال الأسبوعين الأخيرين من شهر يناير/ كانون الثاني الماضي، أغلبيتهم من السودانيين. ونتيجة لذلك، أصبح أفراد مجتمعات اللاجئين والمهاجرين يخشون الآن مغادرة منازلهم.

14 ألفاً سُجّلوا في موقع لجنة الأمل

وحسب الورقة، فإنه منذ منتصف عام 2024، شنت السلطات المصرية حملة عشوائية ضد اللاجئين والمهاجرين، وأخضعتهم للاحتجاز الإداري والترحيل بغض النظر عن وضعهم القانوني، ويرقى هذا التصعيد إلى ما وصفناه سابقاً بانهيار منظومة حماية اللاجئين القائمة لعقود.
وتابعت: في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، أعرب أربعة مقررين خواص للأمم المتحدة عن قلقهم العميق إزاء التصعيد واسع النطاق للاحتجاز التعسفي والترحيل القسري للاجئين وطالبي اللجوء، في خطاب موجه للحكومة المصرية، سلط الضوء على ارتفاع حوادث الإعادة القسرية – التي تشمل لاجئين مسجلين لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين- بنسبة 150٪ بين عامي 2024 و2025، إلى جانب ارتفاع بنسبة 56٪ في اعتقالات اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين.
وتناولت الورقة رد الحكومة المصرية في ديسمبر/ كانون الأول الماضي على المقررين الخواص في خطاب أكدت فيه احترامها الكامل للحماية الدولية، ونفت تورطها في أي إعادة قسرية للاجئين أو طالبي اللجوء المسجلين، أو احتجاز وترحيل الأطفال.
وبينت المبادرة أنه على الرغم من النفي الرسمي، تصاعدت الحملة التي تستهدف اللاجئين والمهاجرين مع بداية عام 2026 إلى مستويات غير مسبوقة، ما أدى إلى نشر أربعة خبراء ومقررين خواص للأمم المتحدة بيانًا جديدًا يعربون فيه عن استمرار مخاوفهم بشأن التصعيد غير المسبوق للاعتقالات التعسفية والترحيل غير القانوني، المصحوب بانتهاكات حقوق الإنسان ضد اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين في مصر.

الإعادة القسرية

وتحدثت المبادرة على أنه منذ بداية العام الجاري، كثفت السلطات المداهمات التي تستهدف مجتمعات اللاجئين والمهاجرين.
ولفتت إلى أن حجم الاعتقالات واستمراريتها وانتشارها الجغرافي، يشير إلى تنفيذ سياسة رسمية من قبل وزارة الداخلية، تتضمن فحوصات عشوائية للإقامة والوثائق.
وزادت: شملت تلك الحملة إجراء السلطات لعمليات مرور على المنازل لاستهداف المهاجرين واللاجئين، ما أدى إلى اعتقالات من داخل المساكن الخاصة. كما وقعت اعتقالات عند نقاط تفتيش عشوائي في الشوارع وفي وسائل النقل العام، وفي المدارس والجامعات وأماكن العمل، وفي حالات عديدة، أقيمت نقاط تفتيش خارج مراكز تعليم اللاجئين ومقار مقدمي الخدمات، وتم اعتقال بعض الأفراد أثناء سعيهم للحصول على حماية الشرطة أو العلاج الطبي في المستشفيات العامة. كما جرى احتجاز أطفال بزي مدرسي وطلاب جامعيين يحملون وثائق وإقامات سارية، ونساء، وكبار سن، وأشخاص ذوي إعاقة. وفي حالات كثيرة، يبدو أنه تم توقيف الأفراد واعتقالهم فقط على أساس لون البشرة أو الشك في الجنسية. لم تكذب المبادرة رد حكومة مصر الرسمي على مذكرة الخبراء الأمميين الذي قالت فيه :»لا يتم اعتقال أحد لكونه لاجئاً أو طالب لجوء، بل فقط لانتهاك قوانين الإقامة»، ولفتت إلى أن عدم الحصول على إقامة رسمية السبب الرئيسي (بنسبة 90٪) للاعتقالات بين اللاجئين وطالبي اللجوء، وأن ما يقرب من 80٪ من اللاجئين لم يحصلوا على إقامة سارية صادرة عن وزارة الداخلية، بسبب امتداد مواعيد إجراءات النظر في الطلبات حتى عام 2029 بعد تقدمهم بطلبات للحصول عليها.
وتوقعت المبادرة أن تنخفض فترات الانتظار في المستقبل مع زيادة القدرة على استقبال طلبات الإقامة من اللاجئين وطالبي اللجوء، لكن ستظل فترات الانتظار تصل إلى 19 شهرًا، ما يفرض على اللاجئين حالة من عدم القانونية القسرية، التي تستخدم بعد ذلك لتبرير اعتقالهم الإداري.
وتابعت: استهدفت الحملة الأمنية أيضًا لاجئين موثقين يحملون بطاقات هوية من مفوضية اللاجئين وتصاريح إقامة سارية، وأثناء الاعتقالات، أفادت التقارير بأن السلطات صادرت وأتلفت وثائق المفوضية وكذلك تصاريح الإقامة التي كانت بحوزة من اعتقلتهم، ما ترك المحتجزين غير قادرين على إثبات وضعهم القانوني أثناء الإجراءات الرسمية.
وواصلت: على الرغم من تمتعهم بالحماية من الإعادة القسرية بموجب القانون الدولي فإن أعدادًا متزايدة من اللاجئين المسجلين لدى المفوضية تتخذ إجراءات ترحيلهم.
ولفتت المبادرة إلى أن الإفراجات من الاحتجاز الإداري نادرة بشكل متزايد، إذ يواجه جميع الأفراد غير الموثَّقين إجراءات الترحيل، ويواجه المحتجزون قيد الاتهام بممارسة نشاط مُجرّم جنائيًّا إجراءات الترحيل، حتى لو تمت تبرئتهم لاحقاً، ويمثل اللاجئون السودانيون أكثر من 90٪ من المرحلين، على الرغم من موقف مفوضية اللاجئين الصارم، المؤكد على احتياجات الحماية الدولية للاجئين السودانيين، ومؤخرًا، تم أيضًا اعتقال وترحيل أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين.
ونقلت المبادرة شهادات تؤكد أن اللاجئين الذين تُتخذ إجراءات ترحيلهم يُجبرون على التوقيع على إقرارات عودة طوعية.
وتناولت المبادرة واقعة وفاة طفل في يناير/ كانون الثاني الماضي في مقر الاحتجاز، بعد اعتقاله أثناء شرائه الطعام لعائلته، رغم حيازته وثائق سارية من المفوضية السامية للاجئين تتضمن موعد إقامة محددا.
وشددت المبادرة على أنه بالنظر إلى هذه المعطيات جميعها؛ فإن حجم هذه الحملة وطبيعتها العشوائية قد أدت فعليًا إلى تفكيك إطار حماية اللاجئين في مصر، وأن اللاجئين باتوا يواجهون الآن الاعتقال والترحيل أثناء قيامهم بأنشطتهم اليومية الروتينية؛ أي أثناء الذهاب إلى المدرسة أو العمل، أو عند طلب الحماية أو الرعاية الطبية، بما في ذلك البقاء في المنزل.

العزلة وتآكل الحماية

وتابعت: أدى الخوف من الاعتقال إلى حبس العديد من اللاجئين في منازلهم، وفقد الكثيرون فرص العمل غير الرسمي التي كانت لديهم ولم يعودوا قادرين على تلبية الاحتياجات الأساسية، ومع محدودية الوصول إلى حماية الشرطة أو المفوضية أو مقدمي الخدمات، يواجه اللاجئون عوائق كبيرة في الإبلاغ عن الجرائم ضدهم وطلب الحماية.
وحسب تقديرات الحكومة المصرية، فإن نحو تسعة ملايين مهاجر ولاجئ يعيشون في مصر من نحو 133 دولة، 50.4٪ منهم من الذكور ويمثلون 8.7٪ من حجم سكان مصر.
في المقابل تتحدث المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عن أن عدد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين في مصر يبلغ 1.1 مليون لاجئ، يشكّل السودانيون منهم 76٪، يليهم السوريون بنسبة 11٪.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية