سورية ردّت… ستردّ… في الجولان؟

حجم الخط
9

يطرح السوريون، كما العرب، هذه الايام سؤالاً مقلقاً ومحرجاً: هل تردّ سورية على الضربة الإسرائيلية الموجعة التي استهدفت منشآت ومرافق وقواعد عسكرية في محيط العاصمة دمشق، ام تستوعبها ولا تردّ؟ من تقويم المعطيات الموضوعية وتقدير المزايا الإستراتيجية للقوى المتصارعة في المنطقة تستقيم الإجابة عن السؤال المطروح في إطار استخلاص الحقائق والاحتمالات الآتية :
اولاً، ثمة حقيقة بازغة، هي ان الحرب الدائرة في سورية وعليها ليست مجرد صراع على السلطة بين نظام ومعارضة، بل هو صراع محلي واقليمي ودولي متشابك على المواقع والموارد والمصالح ومناطق النفوذ، ادى الى نشوء محورين رئيسين، تقود احدهما الولايات المتحدة والآخر روسيا.
ثانياً، سبقت حراكات ما يسمى ‘الربيع العربي’ وواكبتها واعقبتها انتفاضات وازمات نجمت عنها صراعات وحروب وقضايا متفجرة في أقطار عربية عدّة، الامر الذي ظلّل قضية فلسطين وطغى على صفتها المركزية كقضية العرب الاولى. هذه الحقيقة البازغة صبّت في مصلحة ‘اسرائيل’ التي شنّت على قطاع غزة عملية ‘عمود السحاب’ الوحشية خريفَ العام 2012، ثم اردفتها بعمليات عسكرية موجعة ضد سورية، كانت اخيرتها في الاسبوع الماضي.
ثالثاً، شكّل صعود ايران وبرنامجها النووي عاملاً مساعداً لدول حلف ‘الناتو’ و’اسرائيل’ على تنزيل رتبة قضية فلسطين الى مرتبة ادنى، ورفع خطر ‘ايران النووية’ وتداعياته على دول المنطقة. في هذا السياق، حاولت ‘اسرائيل’ تقديم ‘خطر’ النظام السوري على خطر التنظيمات الإسلامية المتطرفة كتنظيم ‘القاعدة’ وغيره. كل ذلك بقصد استنزاف وتفكيك كلٍ من سورية والعراق ولبنان والاردن، وإحاطة نفسها بطوق من دويلات قميئة قائمة على اسس قبلية وطائفية واثنية عاجزة عن مواجهتها.
في ضوء هذ المعطيات ضربت ‘اسرائيل’ ضربتها الموجعة الاخيرة، ما طرح بقوة السؤال المقلق والمحرج: هل ترد سورية ام تعود الى تكرار موقفها التقليدي بأنها تحتفظ بحق الرد في الزمان والمكان المناسبين؟
ثمة ثلاثة اسباب تحمل المراقب المعني على الاعتقاد بأن سورية سوف تتريّث في الرد، وثلاثة اخرى تحمله على ترجيح الرد في وقت غير بعيد.
اول اسباب التريّث ان سورية منشغلة ومستغرََقَة في حربٍ مريرة، ما يفرض على قيادة النظام إعطاء الحرب اولوية مطلقة، ولاسيما لجهة استكمال السيطرة على المفاصل الإستراتيجية الرئيسة، وفي مقدمها المنطقة الوسطى ومحورها حمص التي تفصل بين جنوب سورية ومحوره دمشق، وشمال سورية ومحوره حلب، وبين وسط سورية وغربها وساحلها ومحوره اللاذقية. عنوان هذه المعركة الفاصلة القتالُ الدائر حول مدينة القصير وفيها.
ثاني اسباب التريث محاولةُ التأكد مما اتفقت او اختلفت بشأنه امريكا وروسيا في الاجتماع الاخير لوزيري خارجيتهما في موسكو. هل توافقتا على انتهاج مقاربة سلمية للأزمات الاقليمية تُنتج، عاجلاً او آجلاً، تسوية سياسية للأزمة السورية، ام انهما اختلفتا بشأن الازمة السورية وغيرها من الازمات الاقليمية؟ التوافق على مقاربة سلمية تفاوضية للأزمة السورية يرجّح استبعاد خيار الرد العسكري، خشيةَ تعطيل مسار المفاوضات. الاختلاف يُبعد بدوره الرد العسكري لمصلحة تعزيز إعطاء اولوية مطلقة لخطة استكمال السيطرة على المفاصل الإستراتيجية الرئيسة، وذلك لاستباق قيام امريكا بتزويد مجموعات المعارضة السورية باسلحة متطورة كالصواريخ المضادة للطائرات.
ثالث اسباب التريث تدارسُ الوضع السياسي والعسكري مع حليفي سورية الرئيسين، ايران وحزب الله، في ضوء ما يكون قد تقرر فعلاً لا قولاً في اجتماع موسكو الاخير من جهة، وانعكاساته من جهة اخرى على ‘اسرائيل’ ودول الخليج. ذلك ان سورية تريد التأكّد من ان حليفيها الرئيسين سيكونان فعلاً الى جانبها اذا ما تطوّر تبادل الهجمات بينها وبين ‘اسرائيل’ الى حرب شاملة.
ماذا عن اسباب ترجيح الردّ؟
اول اسباب الترجيح ان سورية كلها، مسؤولين ومواطنين، احسّت بأن الضربة الإسرائيلية طعنت كبرياءها الوطني في الصميم، وان السكوت عليها يُعرّض امنها القومي لخطرٍ شديد. الدعوة للثأر من ‘اسرائيل’ عمّت اوساط الشعب وتركت اثرها في القيادات، لدرجة ان وزير المصالحة الوطنية علي حيدر امتنع عن حضور مجلس الوزراء لعدم صدور قرار بالرد. اكثر من ذلك، ارتفعت اصوات بين المسؤولين والمواطنين تتساءل باستغراب: هل يعقل ان يقوم قطاع غزة الضعيف بالرد على ‘اسرائيل’ القوية بعشرات الصواريخ في كل مرة كان يتعرض فيها لاعتداء، في حين ان سورية القوية بعشرات الاف الصواريخ تحجم عن رد الصاع صاعين؟ كل هذه الواقعات والاعتبارات حملت وتحمل معظم المراقبين على الاعتقاد بان القيادة السوريـة تمهل ولا تهمل، وان الرد حتمي عاجلاً او آجلاً.
ثاني اسباب ترجيح الرد ان سورية قوية فعلاً بقدراتها الصاروخية المتقدمة. رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية اثناء حرب 2006 الجنرال عاموس يادلين قدّم تقريراً للجنة الشؤون الخارجية والدفاع في الكنيست، بعد وقف العمليات الحربية قال فيه، إن الاربعة الاف صاروخ التي قصفنا بها حزب الله كانت كلها من صنع سورية. اذا كانت سورية زودت المقاومة بأكثر من اربعة الاف صاروخ وألحقت بـ’اسرائيل’ كل تلك الاضرار وتسبّبت باندحارها المخزي، فلا بد انها كانت تمتلك آنذاك عشرات الاف الصواريخ، وربما تمتلك منها الآن مئات الآلاف. واذا كانت سورية تمتلك مئات الاف الصواريخ، هل تعجز، مثلاً، عن قصف ‘غوش دان’، اي السهل الساحلي الممتد بين حيفا ويافا مسافة 90 كيلومتراً بعرض عشرة كيلومترات، حيث يتركّز ثلث الكيان الصهيوني بسكانه وعمرانه وصناعته ومرافقه الحيوية؟ ‘اسرائيل’ تدرك ان سورية قادرة على كل ما تقدم بيانه، لذلك تراها هذه الايام منهمكة بتدابير متنوعة لتبريد الاجواء مع سورية وتوسيط حتى روسيا لتفادي صدام وحريق اقليميين هائلين.
ثالث اسباب ترجيح الرد ان ‘اسرائيل’ خرقت بضربتها الاخيرة بشكل فظ ومخالف للقانون الدولي اتفاق فصل القوات في الجولان. اذا لم تردّ سورية، فإن ‘اسرائيل’ لن تتوانى عن معاودة عدوانها فحسب، بل قد تقوم بتوسيع رقعة احتلالها في الجولان وبإنشاء ‘منطقة عازلة’ بدعوى ‘توطين’ النازحين السوريين في سياق تسريع عملية تفكيك البلاد الى دويلات قبلية وطائفية واثنية. لعل ذلك ما دفع القيادة السورية الى الإعلان عن فتح جبهة الجولان للمقاومة الشعبية، السورية والفلسطينية، كما الإعلان عن تزويد حزب الله بأسلحة نوعية كاسرة للتوازن. ولا شك أن هذا القرار الإستراتيجي هو ما دفع السيد حسن نصرالله الى الإعلان، من جهته، عن اعتزام المقاومة اللبنانية المشاركة في المقاومة الشعبية ضد ‘اسرائيل في الجولان.
‘اسرائيل’ تدرك مفاعيل هذا الرد السوري الإستراتيجي، ولعلها تتمنى الآن ان تعتمد سورية ‘تقدير’ الجنرال يادلين بأن تكـــون الضربة السورية التكتيكية القادمة محسوبة ومحدودة، بحيث يكون الكيان الصهيوني قادراً على تحملّها واستيعابها، وبالتالي عدم الرد عليها! سورية ردّت استراتيجياً، وقد تردّ تكتيكياً. متى تردّ واين؟ ام لا تردّ، ولماذا؟ هذه هي المسألة.

‘ كاتب لبناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول حسين المدري:

    حتما الجيش العربي السوري البطل سيرد ردا موجعا وسوف نراه قريبا يدك حلب وحمص وريف دمشق بالصواريخ والطائرات. نعم وسوف تعلم إسرائيل أن انتهاك السيادة العربية ليس نزهة.
    حزب الله سوف يرد استراتيجيا أيضا في ريف القصير بحمص
    أما غوش دان … فأبشر بطول سلامة يا مربع!

  2. يقول Suleiman:

    Given the current tragic internal Syrian conflict situation and to avoid further humiliation, the Syrian regime has no choice but to retaliate by rockets or by staged proxy coordinated limited operation.

  3. يقول amine:

    سوريا باعلانها فتح جبهة المقاومة الشعبية في الجولان المحتل وضعت يدها على الجرح وهذا الرد المباشر على اسرائيل وهو الشافي والكافي لان كل ما يجري على الارض السورية وراءه اسرائيل والحديث عن تسوية مضيعة للوقت
    الجل في الميدان حسم عسكري على الارض السورية الورقة الرابحة الوحيدة
    وجبهة المقاومة الشعبية في الجولان هي التي تبدد حلم اسرائيل قطع الطريق امام كل محاولات الجامعة العربية بوجها القبيح
    كما ان هذه الجبهة هي الامل للشعوب العربية الغيورة على القدس الشريف بيت المقدس في الالتحاق بالجبهة المباركة وازالة الكيان الظالم
    اسرائيل فتحت النار على نفسها من حيث لا تتوقع
    اما سوريا كما كانت دائما عاصمة العروبة والعزة والكرامة وتسامح الاديان ستكون عاصمة للمقاومة

  4. يقول amine:

    في انتظار فتح جبهات من الاردن ومصر وتوسيع جبهات النار على الكيان الصهيوني واحراج القاعدة ومشتقاتها اكثر وفتح الباب اما غشاق الشهادة الحقيقية

  5. يقول حسين المدري leeh !!!:

    @Hussein حسين المدري ??????
    1) اسرائيل فتحت النار على نفسها من حيث لا تتوقع >>>
    2) فتح الباب اما غشاق الشهادة الحقيقية !!! ( القاعدة ومشتقاتها )
    3) أما حسين المدري … فأبشر بطول سلامة يا مربع!

  6. يقول علي سليمان الخولي:

    صح جبهة الجولان سوف تفتح ولكن للسياحة الصهيونية والتمتع بالمناخ والشمس الساحرة في حراسة الجيش العربي السوري وأشراف الأسد رمز المقاومة والصمود والدعوة عامة لكل يهود العالم للعودة الي الهدوء والسكينة في الجولان والبدء في بناء البيوت والقصور والحدائق ومن يريد البحث عن الأمن والأمان فعليه بالجولان

  7. يقول رشيد:

    يا كاتبنا المحترم لاتتعب نفسك في التحليل والتكهن والتخمين فان النظام الاسدي لن يرد لان لحظة الزمان والمكان المناسبين لم تات بعد.ولن تاتي الى يوم القيامة فالنظام مشغول بقتل شعبه.وفي احسن الاحوال سيكلف وبايعاز من ايران حزب الله بمناوشة اسرائيل من الجولان.طابت اوقاتكم

  8. يقول العزازي:

    رأي : ما دام أن سوريا لها جيش متماسك .وجيش ديبلوماسي أكثر تماسك .وشعب متعلم يفهم ما يحاك حوله ، يحب بلده ويبدل في سبيله النفس والنفيس ، ولا يصدق هرطقة أن النظام يقتل شعبه ، لأن دلك لا يصدقه أحد …لا لشيء الا لأ ن الشعب ركن من أركان الدولة …منه الجيش ، ومن الحكومة ، ومنه اليبلوماسيون ، ومنه العلماء …أما عن الرد الفوري علي الغارة ، فهو لا يصدر الا عن قائد طائش انفعالي يستفز لجره الي حتفه …ولا يصدر دلك عن قائد استراتيجي يحارب قوي من جميع الأجناس …أغلبها علي نفس موجات التردد مع العدو الاسرائيلي …في حياتي لم أكن أتخيل أن هناك عربي يهلل ويكبر للغارات الاسرائيلية علي وطنه …كما قالها الابرهيمي مبعوث الأمم المتحدة دات مرة في العراق ” لم أسمع عن أناس يطلبون الاحتلال لبلدهم ” حتي امريكا ثارت وحررت نفسها من بريطانيا …ليس هناك افضل من رد استراتيجي مثل فتح مدخل الجولان …هيا قاعدة القاعدة وهيا ياجبهة النصرة الي فلسطين والأقصي لنيل تأشيرة الجنة وحور العين بالمناسبة لم يطمثهن لا انس ولاجان …الله في عون سوريا …البارحة كانت فلسطين والآن سوريا والمستقبل فيه عتمة وظلم وظلام….شكرا

  9. يقول زهير دواق الجزائر:

    من المؤكد أن اكيس الناس واعقلهم , ناهيك عن المتخصصين في الاستراتيجيات العسكرية لا يحبذون استدراج سوريا من قبل اسرائيل الى رد قد يفتح الباب واسعا ويشتت جهود الجيش السوري في مواجهة واستئصال ادوات امريكا المتصهينة التي كدست باعداد كبيرة في هذا البلد العربي الداعم للمقاومين لمشاريع الصهاينة في المنطقة .. لست خبيرا عسكريا , كما انه ليس لي باع في هذا المجال غير انني اعتقد جازما أن اي خطأ من القيادة السورية لا ياخذ بعين الاعتبارذلك الفخ الصهيو- غربي -عربي -اطلسي الذي نصبه الاسرائيليون بشن عدوانهم الغادر على تلك المنشآت السورية . اي خطا غير محسوب بدقة عالية سيصب في ميزان تخفيف العبء والحصار المفروض على ادوات الاجرام التي زرعت وسقيت بماء تخريب وتفجير كل مظاهر الحياة في ربوع سوريا . تمهيدا – ان امكن ذلك – لتدميرها وتفكيكها وتحويلها الى كيانات ضعيفة متناحرة خدمة للمشروع الاستيطاني الصهيوني الاخطبوطي الذي تتحرك اذرعه في كل الاتجاهات وتمتد لتلتهم كافة اراضي الشعب الفلسطيني ومقدساته. سوريا يجب عليها في ظروفها العصيبة والمؤامرات التي تحبك لها في السر والعلن ان تتجمل بصبر ‘ ايوب ‘ وتصابر الى حين بلوغها بر الامان وخروجها من نفق القاعدة وجماعات التكفير التي تمتهن قتل الحياة وابادة كافة اشكالها بايعاز من علماء بث الفتن وشرعنة قتل الابرياء حبا في اهراق الدماء الزكية البريئة . حكام سوريا والمدافعون عنها عليهم أن يصبوا اهتمامهم في ظل الاوضاع الراهنة على تخليص بلدهم من براثن ذيول المتصهيننين عربا وعجما , وبعدها فاليتم التخطيط لكبح جماح الغول الصيوني المدعوم بالسلاح الغربي والمال الخليجي القبلي العشائري الذي غدا أداة فعالة في تخريب الوطن العربي وتمزيق العالم الاسلامي وادخالهما في ليل الفتن المذهبية والطائفية التي تنسج خيوطها الاستخبارالت الصهيونية وتتولى تنفيذها ايدي عربية واشباه اسلاميين الذين لا يعرفون من الاسلام الا اسمه .. سوريا يجب ان تتحمل الاعباء وتمتص العدوان الاسرائيلي الى حين على ان يكون الرد قاسية وشاملا ومقيضا لاركان هذا الكيان السرطاني الجرثومي الذي زرعه الغرب الاطلسي وعبيده في محمياته المنتشرة في منطقة المشرق العربي المبتلى بعائلات رًكِّب فيها الاستبداد باحكام قل نظيره .. سوريا ستنتصر قريبا وستخرج برصيد هائل من تجارب ادارة اشد الحروب ضراوة وفتكا واعقدها واكبرها على الاطلاق .. انها حرب العصابات المدعومة امريكيا وبريطانيا وفرنسيا بل واطلسيا وعربا خاصة من رؤساء قبائل الاعراب غلاظ القلوب ضعفاء العقول الذين لم تعد شتى انواع الخمور وارقاها هي ما يسكن غرورهم ويريح خواطرهم . بل راحتهم واطمئنان قلوبهم في اهراق دماء أطفال سوريا ونساء وتشريدهم في كل اصقاع الارض وتحويلهم بعد عز وكرامة الى مذلة ومهانة ..

اشترك في قائمتنا البريدية