شمبانيا في سَدوم

في أمورٍ كثيرة،
أقترِبُ من حالةِ البحر الميت،
تضمحلُّ أهم خصائصي مثل منسوبه،
تموتُ في داخلي الأشياء،
أقعُ بين فئتين متعاديتين،
رغباتي وقدراتي،
أهبط إلى أخفض نقاط الأمل،
أحسُّ بملوحة الحياة وكأنها كلها في حلقي.
في أشياءَ غريبة،
أشبه حالة البحر الميت،
مهما صبّت فيه الوديان من مياه عذبة،
تصيبُها لعنته فورا،
وتصير مياهه غير صالحةٍ لشيء.
تمرُّ من أمامي مئاتُ الجميلات،
وأزهد تماما،
كأنني ذَكرٌ من سدوم،
يشهد لي الناس باجتنابِ النساء،
ولكن زوجتي لا تطيعني.
أجلس في بيتي دون فعلِ شيء مفيد،
سوى مراقبة حركة الغيوم الغاضبة،
أتخيّلُ داخلها صورا لرجالٍ بيض،
لا يحبون الطعام،
ولكنهم يبرَعون في صناعة الهلاك.
تعالي إلى النار،
هذه ليست صورة،
هذه جنةٌ على هيئة جهنم.
سَدومُ كانت عِبرة مالحة،
تحكُّ جلدَ الإنسانية الزائفة،
تعالي إلى النار،
قبلَ أن يأخذوكِ إلى الجزيرة،
سدوم كانت جزيرة،
متخمة بالقوانين والسلاح الفتّاك،
وبالنفاق،
العرّابُ فيها غريبُ الأطوار،
والسيّاحُ مجموعةٌ من المعاتيه،
وسدومُ لا ذنبَ لها،
فهي لم تهيّئ فِراشا للرذيلة،
ليس المكانُ هو المدنَّسَ،
بل قلوبُ الساكنين فيه.
عالَمٌ يسخرُ من منديلٍ ورقيٍّ مُلقى في شارعٍ أنيق،
ويجد سببا وجيها لتناثرِ الجثث في مدينة فقيرة،
عالَمٌ متعجرفٌ،
تهزّهُ – كتعبيرٍ عن نقاءٍ زائفٍ – إيماءةٌ عنصرية في مباراة،
ويصلي لنجاح طيارٍ حربي في هدمِ جسورٍ فوق الأنهار،
تعبرُ فوقَها بالسيارة،
عائلةٌ تمتُّ بصلة القربى،
للّاعبِ المظلوم.
المهم أن يبقى العالمُ متحدا،
تحت راية القوادين،
هكذا سنضمنُ المتعةَ المشتركة،
للمغتصِبِ والمغتصَبة.
أليستْ سدومُ بقعة شاذة من الأرض،
كما قرأ المؤمنون في كتبهم المقدسة؟!
سدومُ المعنى،
والضحيةُ بناتٌ لا يجدنَ بها أزواجا،
لا بالحلال ولا بالحرام،
فالجزيرة المالحة،
الجزيرة الغامضة،
لم تعد تأبهُ بالحياة الطبيعية،
يصيحُ الزبائنُ بحماس،
نريدُ أشياءَ لم يجرّبها أحدٌ قبلنا،
أكثر من هيروشيما،
أكثر من ريثا وذعرتا،
نريدُ أن نجرّبَ الدناءةَ في نهر أرنون المقدّس.
أُجْهِضَ حَمْلُ الشقيقتين الدنِس،
وصارت مياهُ أرنونَ فاسدة،
لا حياةَ بعد اليوم،
إلا لأبناء الحياة السفلى،
حورونَ وأصفيائه.
مستمرّون دونما كلل،
في إدامة البذاءة،
وتجميل الوحشية،
مستمرون في إبهار الناس عن طريق الخوف،
سيصفّرُ الجميع باندهاش،
سيصفّقُ الجميع بإعجاب،
ليس هناك ابتكارٌ جديد لدى الطغاة،
ولكن الشاشاتِ صارت تعرض ذلك على الملأ،
في الماضي،
لم يكن يرى الدماءَ إلا القتيل،
اليوم نراها ونحن نشرب الشمبانيا،
لا ندري نَخْبَ من؟!
السفاح أم الضحية،
المهم أن نشرب،
في صحةِ سَدوم،
سَدوم المالحةِ جدا.

شاعر أردني

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول بلي محمد من الدار البيضاء المملكة المغربية:

    عودة لعالم هده اللوحة التي رسمت بالكلمات المعبرة ادا سمحتم لنا شكرا لكم والشكر كدالك على سعة الصدر وهي كدالك لشاعر الكاتب المحترم ربما ما رسمناه وهو من باب المحبة لهد ا الفن العظيم الناجي دائما من الشيخوخة ومن النسيان الفن الشامخ بين الناس جميعا ولو أغلقوا لابواب في وجهه بل حتى النوافد أنه الشعر فيكفيه فخرا واعتزاز ا فهو من أفضل وسائل لتعبير بدون منافس ماعد ا التشكيل

  2. يقول Hekmat Qudah:

    شاعر مبدع روعه

  3. يقول بثينة الزير:

    لم يكتف عالمنا بأن يكون سدوم الجديدة بل بات يحتفي بذلك يرفع الكؤوس ويعلي النخب
    قصيدة صادمة وموجعة تكشف كيف تحول القبح إلى مشهد مألوف وتضعنا أمام مرآة يصعب تجاهل ما تعكسه

اشترك في قائمتنا البريدية