صحافيو مصر.. الجنازة حارّة ولكن!

أهم ما يميز النظام السياسي الحاكم في مصر حالياً، أنه لا يزايد على الديمقراطية والحريات والإعلام والقضاء والأحزاب والبرلمان… بمعنى أنه لم يحدث أن خرج أحدهم يوما، على مدى 12 عاماً، يدعي أننا نعيش عصر الحريات مثلاً، أو يتفاخر بأن لدينا حرية إعلام، أو يتباهي بالديمقراطية التي تعيشها البلاد، أو يزعم أن السجون والحمد لله، بلا مساجين، أو حتى يعد بمستقبل أفضل في هذا المجال أو ذاك، إلى غيرها من أمور، كانت الأنظمة السابقة تزايد عليها وترددها بلا كلل أو ملل.
الأهم من ذلك، أن الرئيس عبدالفتاح السيسي، خاطب دول وقادة الغرب أكثر من مرة قائلاً: (ديمقراطيتنا غير ديمقراطيتكم) موضحاً أن حصول المواطن على سكن أو تعليم، هو شكل من أشكال الديمقراطية، بمعنى أن ديمقراطية الغرب، لا تتناسب مع ديمقراطية العالم الثالث، بل إنه في عام 2006، أي قبل تنصيبه رئيساً بثماني سنوات، كتب بحثاً أكاديمياً لكلية الحرب الأمريكية، أثناء دراسته فيها، جاء فيه: أن الديمقراطية كنموذج علماني، قد لا تقبله الشعوب المتدينة في المنطقة بشكل فوري، وأن فرض النموذج الغربي بسرعة، قد يؤدي إلى نتائج غير مرغوب فيها.
بدا واضحاً أن الشعب المصري، استوعب الرسالة مبكراً، لم يعد أحد، إلا ما ندر، يسعى إلى مناهضة هذا الوضع، بالتطلع إلى الديمقراطية، أو على الأقل العمل بهامش الحريات المنصوص عليه في الدستور والقوانين المحلية، أو المواثيق الأممية والدولية، فيما اعتبره المراقبون، صيغة واضحة للتفاهم مع القوى السياسية، على اعتبار أن كل الأطراف سلمت بذلك، بعد أن استوعبت أن الأمر الواقع سيمتد إلى أجل غير مسمى، أو بامتداد حكم النظام، الذي لا يقبل بتجاوز الخطوط الحمر، أو حتى الخروج عن النص، بأية ذريعة وتحت أي ضغوط. ربما كان الصحافيون المصريون الأكثر استيعاباً وفهماً لذلك الذي يجري على الساحة، فلم تعد قضايا الحريات تشغل مرشحي النقابة وناخبيهم على السواء، رغم سقوط الصحافة الورقية، على سبيل المثال، سقوطاً ذريعاً، تجاوز 95% من نسب التوزيع السابقة، بمعنى أن التوزيع لم يعد يتجاوز 5% مما كان عليه الوضع قبل 20 عاماً، في الوقت الذي انصرف فيه المشاهد عن القنوات التلفزيونية المحلية إلى الأجنبية، وهو أمر جلل، كان يجب أن تنتفض له الهيئات ذات الصلة على أقل تقدير، إلا إنه بدا هو الآخر كأمر واقع، لم يعد يشغل كل الأطراف، قراء، مشاهدين، صحافيين، مسؤولين، اقتصاديين.

نشهد انتخابات، محورها الأول والأخير، البدل النقدي، من خلال مرشحين للنظام السياسي، يرفعون شعارات البدل والخدمات الاجتماعية، كأقصر طريق إلى أصوات وقلوب الصحافيين

الاستعداد لانتخابات نقابة الصحافيين، نقيباً وأعضاء، بدأ مبكراً الآن، رغم أنه من المقرر إجراؤها في شهر مارس المقبل، أي بعد نحو تسعة شهور، إلا أن الأسماء تطرح نفسها حالياً، الواحد تلو الآخر، بأحاديث شبه موحدة، عن أهمية زيادة ما يعرف بالبَدل، وهي مكافأة شهرية مالية من خزينة الدولة، يحصل عليها كل الصحافيين أعضاء النقابة، يسعى المرشحون إلى زيادتها خلال مواسم الانتخابات بشكل خاص، من خلال الضغط على الحكومة، التي اعتادت الامتثال للضغوط في كل مرة، على اعتبار أن الأداء الصحافي يسير على ما يرام، أي لا يخرج عن السيطرة، أو لا يحيد عن الخطوط المرسومة، بالتالي يجب دعم ذلك الوضع. وفي هذا الصدد تجدر الإشارة، إلى أن الجدال يحتدم كلما حانت الانتخابات، حول الاختيار بين الحريات الصحافية والبدل الحكومي، إلا أن النتيجة تكون عادةً في صالح البدل، الذي ترى الأغلبية أنه لا يمكن الاستغناء عنه، في ظل الظروف المعيشية الطاحنة، والغلاء الفاحش، بالتالي فإنه يجب عدم مناطحة الحكومة أو مجرد استعدائها، حيث يمكنها وقف تمويل ذلك البدل، البالغ مقداره (4500 جنيه) شهريا، أي لا يتجاوز ما قيمته (100 دولار) لكل صحافي، من المتوقع زيادتها خلال الانتخابات المقبلة، بما يتراوح بين 10 و15% من القيمة الحالية.
علاقة البدل النقدي بانتخابات نقابة الصحافيين، لم تكن أبداً بريئة، ضربت استقلالية النقابة والصحافة في مقتل، منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي، حينما بدأت قيمة البدل في ذلك الوقت بمبلغ ستة جنيهات، تحت مسمى»بدل المراجع»، بقصد تحفيز الصحافيين على شراء الكتب والمراجع، قبل أن يتطور إلى مسمى «بدل التكنولوجيا» الحالي، مع التطور الرقمي الحاصل في العالم، لذا فإن حديث الزيادة يصبح موسمياً، كل عامين، مع حلول موعد الانتخابات، ويصبح السؤال الأكثر تداولاً في الأوساط الصحافية هو: كم قيمة الزيادة هذه المرة؟
المهم، هو أن برامج المرشحين الانتخابية، لم تعد ترتكز، كما كان في السابق، على شعارات الحرية الصحافية، والكرامة الإنسانية، والإفراج عن السجناء الصحافيين بشكل خاص، وسجناء الرأي بشكل عام، إلى غير ذلك من طرح كان يجد اهتماماً وارتياحاً لدى الجماعة الصحافية، التي أصبحت تعاني الآن اجتماعياً ومعيشياً، ما توارت معه اهتمامات الحريات بكل أنواعها، فأصبح حديث البدل والعلاج والخدمات الاجتماعية، يتصدر الساحة، وهو مؤشر يمكن القياس عليه نقابياً بشكل عام، وعمالياً وطلابياً أيضاً، ذلك أن نقابة الصحافيين وحدها، كانت تتصدر الشأن الديمقراطي، ذات يوم، باعتبارها قبلة التعبير، ودعامة الحريات.
لا يمكن أن نغفل أن ذلك التردي أو التحول في الأداء النقابي، أفقد النقابات المهنية عموماً، ركناً أساسياً من قيمتها على المستويين المحلي والدولي، بعد أن اشتغلت وانشغلت بالبحث عن تخفيضات في عضويات الأندية، وأقساط السلع المعمرة، والعثور على مصايف مناسبة، وتسهيلات في تملك المقابر، والبحث عن سرير مناسب بالمستشفيات، إلى غير ذلك من مجالات قد تبدو متدنية، إلا أنها أصبحت تمثل الشغل الشاغل للوسط الصحافي، الذي لم يعد يمثل سلطة رابعة، أو حتى خامسة، ذات قيمة حقيقية على أرض الواقع.
المثير للدهشة، هو أن شهر يونيو، يمثل أهمية بالغة لدى الصحافيين المصريين بشكل عام، فيما يتعلق بقضايا الحريات والديمقراطية ودولة القانون وغيرها، فقد تم اختيار يوم 10 يونيو، عيداً للصحافة المصرية، أو يوماً للصحافي المصري، يتم الاحتفاء به كل عام، وهو ذكرى ما تعرف بـ(جمعية الكرامة) في إشارة إلى الجمعية العمومية، التي انعقدت في مثل هذا اليوم عام 1996، أي قبل 30 عاماً، والتي تعد محطة بارزة في الدفاع عن حرية الصحافة في مصر، بعد أن تراجع الرئيس الأسبق حسني مبارك، عن قانون كان قد أصدره بالفعل، برقم 93 لسنة 1995، استهدف اغتيال حرية الصحافة في ذلك الوقت. وتجدر الإشارة إلى أن نضال الصحافيين ضد القانون المشار إليه، استمرّ عاماً كاملاً، إلى أن تم إصدار قانون جديد، يحمل رقم 96 لسنة 1996، بعد تضامن واسع من النقابات المهنية والعمالية الأخرى، إضافة إلى عدد كبير من الفنانين، ونواب البرلمان، وقادة الأحزاب السياسية، والمثقفين وغيرهم، ممن شاركوا الصحافيين احتجاجاتهم واعتصاماتهم، ولم يتم حينها اعتقال صحافي واحد، أو التنكيل بآخر، أو الانتقام بأي شكل من الأشكال، بل إن إبراهيم نافع نقيب الصحفيين الراحل، وأحد ركائز النظام السياسي حينذاك، هو الذي قاد حملة الصحافيين للدفاع عن حريتهم.
الغريب في الأمر، هو أننا أصبحنا نشهد انتخابات كل عامين، محورها الأول والأخير، هو ذلك البدل النقدي، من خلال مرشحين للنظام السياسي، يرفعون شعارات البدل والخدمات الاجتماعية، كأقصر طريق إلى أصوات وقلوب الصحافيين، في مواجهة تيارات معارضة، معظمها من اليسار، في غياب التيار الديني، تم استدراجهم أيضاً إلى تناول مثل تلك الخدمات الشخصية، بمنأى عن قضايا الصحافيين السجناء، والصحافيين الهاربين خارج البلاد خوفاً من البطش، والصحافيين العاطلين دون صحف بعد أن أُغلقت صحفهم، إما بفعل فاعل، أو بفعل الخسائر، أو بفعل التضييق في النشر، وهو ما يجعلنا أمام انتخابات تبدو حارّة، إلا أنها في نهاية الأمر، لا تسمن ولا تغني من جوع، ككل ما هو انتخاب في هذه المرحلة.
السؤال هو: هل يمكن أن نشهد تغيراً في الطرح هذه المرة، بفعل تسعة أشهر من التفاعل السياسي والنقابي، أم أننا أمام امتداد للسوابق الانتخابية الأخيرة، مع الوضع في الاعتبار أن انتخابات نادي القضاة اليوم، – الملاصق لنقابة الصحافيين- ستلقي بظلالها حتماً على مسار انتخابات النقابة، ذلك أن التنافس هناك يحتدم حول الحالة نفسها، (تيار الاستقلال) المهتم بالشأن السياسي، و(تيار الخدمات) المهتم بالشأن الاجتماعي.

كاتب مصري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول فتحي:

    هل الصحافة في روسيا او الصين حرة و متحررة من سلطة و قبضة الدولة؟ بالقطع لا. لكنها دول ناجحة و نجحت في الارتقاء بالوطن و المواطن الى مستويات راقية في العيش و في تثبيت الاستقلال و السيادة.
    القمع المجرّد لا يزيد انهيار الوطن الا انهيارا.

  2. يقول Mohi El Din Ahmad Ali Rezk:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، صحافيو مصر.. الجنازة حارّة ولكن. أستاذنا الفاضل عبد الناصر سلامة، تحياتي لحضرتك. مقال به من علامات الاستفهام الكثير بخصوص وضع صحافيي مصر بهذا الوضع. تتم الانتخابات من أجل زيادة البدل، وبكلمة بسيطة من أجل الحصول على قيمة البدل في الشهر، وهذا بسبب غلاء المعيشة الذي أصبح سيفًا على رقبة الجميع، وعلى شريحة كبيرة من الشعب المصري. وغلاء المعيشة ضرب العالم، ولكن الفقير في أوروبا يختلف عن الفقير في العالم العربي. وللأمانة، ليس هدفي أن أكتب تعليقًا عن غلاء المعيشة فقط، بل عن الصحافة أو الصحفي في مصر. لماذا لا يهتم بتثقيف الشباب المصري من خلال مقالات مفيدة، طالما أن الكلام عن الديمقراطية ممنوع؟ لماذا لا يبحث عن مواضيع ويتكلم عن مشاكل المنطقة، وأقصد العالم العربي والغرب؟ أنا قاعد في المنزل 24 ساعة، ومقسم وقتي بين قراءة القدس العربي، وجمع مشاكل العالم، وكتابة التعليقات. صحيح أنني أكتب تعليقات طويلة، وهذا لكي أناقش المقال وأفهم أكثر، أما الذي يكتب سطرًا فلا يستفيد ولا يفيد. الذي أقصده: لماذا الوقوف محلك سر؟ ممكن أكون غلطان، ولكن عندما تشرح حضرتك، وأنت قامة كبيرة في عالم الصحافة، ( 1 )

  3. يقول Mohi El Din Ahmad Ali Rezk:

    أن الشعب المصري ترك الصحافة في مصر واتجه إلى الخارج، فلماذا اتجه إلى الخارج؟ التشكيلة في الصحافة العربية في الخارج غنية بتشكيلة من الكتاب، وعلى سبيل المثال القدس العربي. وجميع الجرائد في الخارج تجدد نفسها لكي تستمر. لماذا؟ لأن المواضيع دسمة جدًا، والذي يقرأ هو الكسبان، والصحفي أيضًا كسبان. وجميع كتاب القدس العربي، كل يوم أكتشف كاتبًا كان أمام عيني ولم أعطه اهتمامًا، والسبب أنني غير ملاحق على جميع المقالات. لدرجة أنني قرأت مقالًا للدكتورة نعيمة عبد الجواد وانبهرت به، وكتبت لها تعليقًا واعتذرت لها، وطلبت منها أن تسامحني، وأنا أكبر من الوالد لهذه الدرجة. وأنا أنتظر مقال حضرتك كل أسبوع، ولا أرغب في ذكر جميع الكتاب حتى لا أنسى كاتبًا، فالجميع كتاب أفاضل وقامات محترمة. أستاذنا، تحياتي لحضرتك من رجل عمره أربعة وثمانون عامًا، وتحياتي لجريدتي المفضلة القدس العربي، وأسرة القدس العربي. ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. محيي الدين أحمد علي رزق، إنسان حر، مقيم في أوروبا منذ 9/10/1971. (على شباب الأمة الإسلامية المطالبة بتحرير فلسطين بالكامل). ( 2 )

اشترك في قائمتنا البريدية