صحيفة إسرائيلية.. “ترتيبات” مقصدها الأول هو التجويع بعنوان “إنساني”: هكذا أصبحنا دولة منبوذة

حجم الخط
0

يصر الجيش الإسرائيلي على أنه لا يوجد جوع في قطاع غزة وأن “حملة التجويع الكاذبة” هي مبادرة من حماس تستهدف التأثير على الوعي، ولا تصف الواقع على الأرض. على الرغم من ذلك، نشرت هذا الأسبوع أكثر من 20 دولة – معظمها صديقة لإسرائيل مثل بريطانيا، فرنسا، كندا وأستراليا، بيانات مشتركة أعلنت فيها بأنها “تشجب القتل غير الإنساني للمدنيين الذين يحاولون الحصول على الغذاء، وضخ المساعدات بالتنقيط”، من قبل إسرائيل.

 أكثر من 20 دولة – معظمها صديقة لإسرائيل مثل بريطانيا، فرنسا، كندا وأستراليا، بيانات مشتركة أعلنت فيها بأنها “تشجب القتل غير الإنساني للمدنيين الذين يحاولون الحصول على الغذاء، وضخ المساعدات بالتنقيط”.

لكن ما هو أخطر حتى من نزع الشرعية عن حقنا في الدفاع عن أنفسنا هي الصور ومقاطع الفيديو وشهادات أطباء وصحافيين غربيين موجودين في غزة، تثبت وجود أطفال ورضع يموتون جوعاً في القطاع بأعداد لا تطاق. وحسب وزارة الصحة الغزية، التابعة لحماس، ففي أثناء الأسبوعين الأولين من تموز، أدخل إلى المستشفيات 1.648 طفلاً في حالة سوء تغذية حاد، وأدخل إلى المستشفى منذ بداية السنة نحو 19 ألف طفل للسبب ذاته. حتى لو كانت هذه الأرقام مبالغاً فيها، وحتى لو كان نصف عدد هؤلاء الأطفال جوعى، فستظل هذه مشكلة أخلاقية لا يمكننا كيهود أن نتعايش معها. لقد أصبحت إسرائيل دولة منبوذة في الرأي العام العالمي، والجنود الذين يقاتلون دفاعاً عنها باتوا يلاحقون كمجرمي حرب.

كل هذا، لأن خطة منع وسلب ونهب الغذاء والمساعدات الإنسانية، تعطي مفعولاً واقعياً لـ “حملة التجويع” التي كانت كاذبة عندما بدأتها حماس، وهي الآن واقع رهيب، أخلاقياً وإعلامياً.

صندوق غزة الإنساني هو مشروع لبضعة رجال أعمال هرعوا تلبية لاعتبار أن حماس تسلب المساعدات الوافدة إلى غزة، وتبيعها في السوق، لتجنيد مقاتلين جدد لصفوفها. هذا الصندوق استأجر شركة حراسة كي يحرس توزيع الغذاء بواسطة حراس من خريجي الجيش الأمريكي.

 أقام الجيش الإسرائيلي مراكز التوزيع، ويوزع الصندوق رزم غذاء جاف تزن كل منها 19 كيلوغراماً، ويفترض أن تكفي عائلة من خمسة أنفس لثلاث وجبات يومياً لمدة خمسة أيام. منذ بدأ العمل، وزع الصندوق لغزة ملايين الرزم كهذه، لكن ما حصل بالفعل حقق نتائج معاكسة لما أمل به مؤسسوه ودولة إسرائيل التي تمول من أموال دافع الضرائب معظم ميزانيته، وجنود الجيش الإسرائيلي يحرسون مراكز التوزيع من الخارج.

مئات الأشخاص قتلوا وهم يحاولون الحصول على الغذاء في مراكز التوزيع. بعضهم قتل بـ “نار الإبعاد” التي نفذها جنود الجيش الإسرائيلي. عشرات آخرون قتلوا دوساً من الجموع، والحراس الأمريكيون لا ينجحون في تنفيذ توزيع منظم. ما يجري على الأرض هو “اخطف بقدر وسعك”، من قبل الأقوياء. أما الغزيون الضعفاء، المرضى، الأطفال والنساء فيعودون من مراكز التوزيع بأياد فارغة، ويرون بعيون تعبة كيف يعرض تجار محنكون الغذاء المسلوب من مراكز التوزيع للبيع في بسطات محملة بكل خير، بأسعار مبالغ فيها في أسواق غزة أو دير البلح.

ممَ ينبع هذا الوضع؟ أولاً من أن كميات الغذاء التي يوفرها صندوق غزة الإنساني ببساطة غير كافية. لكن السبب الأساس هو العدد القليل (5 فقط) لنقاط توزيع الغذاء من قبل الصندوق، وموقعها البعيد عن مراكز السكان. فلأجل الوصول إلى مراكز التوزيع، يتعين على الغزيين أن يسيروا كيلومترات كثيرة على الأقدام. محظور عليهم أن يصلوا في مركبة إلى مراكز التوزيع منعاً لخطر سيارات مفخخة ضد جنود الجيش الإسرائيلي والحراس الأمريكيين.

ولما كان الغزيون لا يعرفون متى تصل شاحنات المساعدات إلى مراكز التوزيع، فإنهم يتدفقون إلى هناك بالآلاف، منذ ساعات الليل كي يسابقوا ويكونوا في المكان قبل وصول الشاحنات. وعندما يسمح لهم رجال الصندوق وجنود الجيش الإسرائيلي بالوصول فإنهم ينقضون، بكل معنى الكلمة، على مراكز التوزيع.

“تسونامي بشري” يندفع ويدوس كل ما هو في طريقه، والوضع يخرج عن السيطرة. جنود الجيش الإسرائيلي الذين يحرسون مراكز المساعدات من مسافة كيلومتر، يشعرون أنهم يعرضونهم للخطر، يطلقون النار نحو الجموع. وهكذا يتزايد قتلى.

لقد كانت الفكرة أن تقام مراكز توزيع في مكان نقي كي لا تتمكن حماس من سلبها، وأن يتلقى كل غزي رزمة غذائه. الهدف الأول تحقق بالفعل، غير أن ليس كل الغزيين ينجحون في الحصول على الغذاء. أولئك الذين هم من ذوي الاحتياجات الخاصة أو الضعفاء جسدياً كالأطفال والنساء والشيوخ ممن ليس بوسعهم السير كيلومترات كثيرة فما بالك حمل 19 كيلوغراماً على الظهر، وليس بوسعهم أن يصارعوا الشبان الذين يستخدمهم التجار ممن يخطفون رزم الغذاء من أيديهم – يبقون جوعى.

ما فاقم الوضع الكارثي هذا هو حقيقة أنه قبل 11 أسبوعاً من بدء عمل الصندوق، منعت إسرائيل بقرار من الكابنيت، إدخال أي مساعدة إنسانية لغزة. ونتيجة لذلك، هزلت مخزونات الغذاء التي كانت في غزة لدى منظمات المساعدات الإنسانية، وأساساً الأمم المتحدة، وما يدخل إلى القطاع الآن ليس كافياً.

وما يبعث على الغضب هو أن العنوان كان على الحائط. المنظمة العليا لهيئات الإغاثة في غزة نشرت في أيار من هذا العام قبل بدء الصندوق الإنساني عمله، بياناً حذرت فيه من أن “مسؤولين إسرائيليين حاولوا تعطيل شبكة توزيع المساعدات القائمة التي تشغلها الأمم المتحدة والمنظمات المشاركة لها، والحصول على موافقتنا على تقديم المساعدات عبر مراكز لوجستية إسرائيلية. حسب الخطة التي عرضت علينا، فإن أجزاء واسعة من غزة بمن فيهم ذوو الاحتياجات الخاصة والأكثر هشاشة وضعفاً، سيبقون بلا تموين. الخطة خطيرة لأنها تبعث المدنيين إلى مناطق عسكرية كي يتلقوا وجبات غذائية، وهكذا تعرض حياة الإنسان للخطر”. هذا التوقع الذي ألغوه في إسرائيل بهزة كتف استخفافية، تحقق بكامله.

هذه كارثة يجب وقفها. يجب السماح للأمم المتحدة والمنظمات الدولية بتوزيع المساعدات، حتى لو جنت حماس هنا وهناك ربحاً. أو إيجاد طريقة لنثر عشرات أخرى من مراكز توزيع المساعدات الإنسانية في القطاع، مع مسارات وصول شاحنات المساعدات إليها يحرسها الجيش الإسرائيلي. لا يمكن أن يستمر هذا على هذا النحو.

رون بن يشاي

يديعوت أحرونوت 24/7/2025

 

 

   

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية