إيتمار بن غفير وزير الأمن القومي الإسرائيل, وبتسلئيل سموتريتش -وزير المالية الإسرائيلي
يصف كتاب “تغيير النظام” من تأليف الصحافيين الأمريكيين ماغي هابرمان وجونثانسوان، الذي يتناول رئاسة ترامب الحالية، المسار الذي سلكه الرئيس من بناء حكومة مركزية مطلقة في أمريكا إلى الحرب الفاشلة لتغيير النظام في إيران. الشخصية الثانوية التي تقود الحبكة من المقدمة وحتى النهاية هي رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. حسب الكتاب، يرى ترامب الزعيم الإسرائيلي محاوراً مرهقاً، لكنه وصفه في مقابلته مع المؤلفين بأنه “شريك جيد جداً في الحرب”.
يصور الكتاب نتنياهو على أنه مخرب لا يمل، دفع ترامب إلى قصف المنشآت النووية الإيرانية ثم إلى حرب شاملة. ومثل ترامب، عاد نتنياهو إلى موقعه لتشكيل حكومة مركزية، وإلغاء القيود، والحصول على الحق في ممارسة الفساد. في الواقع، هناك وجوه تشابه كثيرة بينهما: ازدراء المؤسسات والقوانين، والسيطرة على الأحزاب التي تخضع لهما، واستخدام وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي.
لكن هناك أيضاً فرقاً جوهرياً بين ترامب ونتنياهو؛ فالرئيس ترامب يتصرف علناً، ويجري مقابلات في كل مكان، ويتحدث ويغرد دون انقطاع. ومساعدوه أطلعوا سوان وهابرمان على التفاصيل الدقيقة للمحادثات المغلقة في المكتب البيضاوي. والكتاب يشبه عمود نميمة متواصلاً في صحيفة. ولا يمكن للمراسلين الإسرائيليين إلا أن يحسدوا هذه الشفافية، أما رئيس الحكومة نتنياهو فيدير شؤونه في الخفاء، ولا يجري مقابلات في إسرائيل إلا مع معجبيه ومحيطه المقرب العصي على الاختراق. حتى المراسلون الذين يعتبرون أبواقه ويحظون بمحادثات جانبية معه تحت غطاء “مسؤول شرق أوسطي رفيع المستوى، فلا يتم اطلاعهم على خبايا مكتبه.
خلال فترة حكومة نتنياهو الحالية، شاهدت إسرائيل الكثير من الاضطرابات: انقلاب نظامي، هجمات 7 أكتوبر المفاجئة، الحرب متعددة الجبهات في أعقابها، تدمير قطاع غزة، واحتلال أراض في سوريا ولبنان، وعزلة دولية متزايدة. يتحمل نتنياهو مسؤولية كل هذه الأحداث، لكن تورطه المباشر ما زال غامضاً. ولا يعرف الجمهور إلا القليل جداً عن آلية اتخاذ القرارات في حكومته.
يميل نتنياهو إلى نسب الفضل لنفسه في نجاحات عملياتية مثل اغتيال رئيس حزب الله، حسن نصر الله، أو مهاجمة المنشآت النووية الإيرانية في السنة الماضية. وقد ظهرت هنا وهناك تفاصيل عن إخفاقاته، في مقابلات ومحادثات جانبية مع مسؤولين أمنيين كبار تمت تبرئتهم، وفي تحقيقات مع مساعدي رئيس الحكومة، أو في مواد قدمت في التماسات للمحكمة العليا. ولكن ليست هذه إلا تفاصيل جزئية، والوصف المنشور قليل وغامض مقارنة بكشف تورط ترامب ودائرته المقربة في “تغيير النظام”.
من الممكن تحديد صندوقين أسودين، تخفى فيها قرارات نتنياهو المصيرية في فترة ولايته الحالية: الانقلاب النظامي والقتل والجماعي والدمار الذي ألحقته إسرائيل بغزة عقب هجوم حماس في 7 أكتوبر. في الحالتين، النتيجة معروفة، لكن المسار الذي أدى إليها غير معروف. لقد نجح نتنياهو في إخفاء قراراته المصيرية ودائرة شركائه الذين شكلوها.
لنبدأ بالانقلاب. إطار القصة معروف: تجاهل حزب الليكود النظام القضائي في حملة انتخابات 2022. وعند تشكيل الحكومة، تم الإعلان بشكل غير متوقع أن هدفها الأساسي سيكون إصلاح النظام القضائي. قدم وزير العدل ياريف لفين مبادئ الانقلاب في 7 كانون الثاني 2023. وتجنب نتنياهو، المتهم بارتكاب جرائم، الخوض علناً في القضية بسبب تضارب المصالح. وقال بعد ذلك إنه “سيشارك في الحدث”، لكن مشاركته بقيت غامضة، ومتجاوزة مجرد ترديد هذه الجملة المبتذلة في الخطاب الإعلامي.
هذه الرواية غير مقنعة. أولاً، لأن نتنياهو عين لفين المعروف بمواقفه المعارضة لاستقلالية القضاة في المحكمة العليا، في منصب وزير العدل، ويخترقاضياً آخر من حزب الليكود مثل أمير اوحانا أو ميكي زوهر. ثانياً، لأن حزباً مركزياً مثل الليكود الذي يقوم على عبادة شخصية نتنياهو، ما كان فيه لفين سيتصرف دون توجيهات من الزعيم. ثالثاً، لأن القرارات المتعلقة بالانقلاب لم تنته عند انطلاقه في بداية الولاية، فقد قرر شخص ما تجميده عند اندلاع الحرب، وقرر آخر استئنافه بكل القوة في نهاية الولاية.
دائما يتهرب نتنياهو من تحمل مسؤولية القرارات المثيرة للجدل، ويفضل الظهور كمبادرات مستقلة من مرؤوسيه أو كاستسلام لضغوط الرئيس ترامب من اليسار، وبن غفير وسموتريتش من اليمين. كان غيابه هذا الأسبوع عن التصويت على قوانين دولة الشريعة اليهودية والتهرب من الجيش، أمراًمعتاداً، كما كان امتناعه العلني لقيادة الانقلاب خلال السنوات الثلاث والنصف الماضية. مع ذلك،يصعب تصديق أن نتنياهو اكتفى بالجلوس في مكتبه ومشاهدة لفين وسمحا روتمان ومساعديهم على الشاشات دون إبداء أي اهتمام بأفعالهما.
إن أي إعلان عن تضارب المصالح يعتبر إشارة للمرؤوسين بأن للرئيس مصلحة في القرارات، وأن عليهم إرضاءه. لكن يصعب تصديق أن نتنياهو اكتفى بالإشارات والتلميحات أو التحريض ضد حركة الاحتجاج. سيكون مثيراً للاهتمام معرفة كيف أدار الانقلاب في دائرته المقربة، قبل تشكيل الحكومة وأثناء فترة ولايتها، ومن همسوا في أذنه، وكيف عبر عن رأيه بشأن النظام القانوني. هل كشف عن أهدافه النهائية من البداية – وقف محاكمته وإضعاف الضوابط والتوازنات في حكمه، أو أنه اكتفى بتقديم التوجيه والتشجيع والحث؟ كيف أرسل رسائله إلى المنفذين؟
تشكل مساعي سحق الديمقراطية وإقامة حكم ديني استبدادي بقيادة نتنياهو جوهر النقاش السياسي في إسرائيل، لكن الحدث الذي سيحدد إرثه التاريخي، والذي سيشكل محور أي سيرة ذاتية مستقلة له هو الحرب التي اندلعت بعد هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر. إن مسؤولية نتنياهو عن الفشل ودعمه لتقوية حماس ضد السلطة الفلسطينية، وتجاهل تحذيرات الاستخبارات من اندلاع حرب وشيكة، والصدمة التي أصابته في الأيام الأولى من الحرب، كل ذلك أمور موثقة جيداً، كما تم توثيق معارضته لعودة الرهائن الإسرائيليين في حينه.
لكن لا يعرف الكثير عن كيفية تعامل نتنياهو مع الهجوم الإسرائيلي المضاد في قطاع غزة، الذي قتل فيه الجيش الإسرائيلي عشرات آلاف الفلسطينيين، وهجر الملايين من بيوتهم، واحتل أكثر من نصف القطاع، ودمر مدنه وقراه. ما الذي كان يعرفه في كل مرحلة من مراحل القتل والتدمير؟ هل شجع الجيش على استخدام القوة المفرطة؟ هل كان يهتم أصلاً بما يحدث في غزة، أو أنه فضل الصمت؟
أسباب صمته واضحة. هناك مذكرة اعتقال دولية معلقة بحق نتنياهو (ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت)، بتهمة ارتكاب جرائم حرب، وهو يخشى ترك أي أثر قد يستخدم دليلاً ضده في المستقبل. وهو ليس وحده؛ رؤساء الجيش ورؤساء جهاز الاستخبارات، الذين يتفاخرون بالتحذيرات المبكرة التي قدموها لنتنياهو، يفضلون التقليل من شأن دورهم في حرب يصفها الكثيرون في العالم بالإبادة الجماعية. لماذا يورطون أنفسهم؟ لقد أيدت المستشارة القانونية للحكومة، وهي مدافعة شرسة عن الديمقراطية داخل الخط الأخضر، تصرفات الجيش ولم ترفع أمامه راية القانون الدولي وقوانين الحرب. حتى الرأي العام الإسرائيلي الذي أيد “الحرب على الإرهاب” ضد الفلسطينيين في غزة، ويخشى مقاطعة دولية وقيود على السفر إلى الخارج، لا يظهر أي حماسة للكشف عن قرارات تدمير غزة.
إن الصمت حيال غزة يريح الجميع، لكنه ينخر إسرائيل من الداخل ويعزلها عن أسرة الدول المتنورة. مهم أن نعرف، ليس فقط في الدراسات التاريخية المستقبلية، كيف تصرف نتنياهو خلال الحرب: ما تعليماته، من كان إلى جانبه في اللحظات الحاسمة، وما الذي طمح إلى تحقيقه، ولماذا استمر في الهجوم حتى عندما اتضحت أبعاد الدمار والموت في غزة للعيان. ما زالت إجابات هذه الأسئلة مجهولة، ويرغب نتنياهو في إبقائها كذلك، وسيلوم الجيش وقادته، بالضبط مثلما ألقى عليهم كل المسؤولية عن كارثة 7 أكتوبر، وسمح لجهاز إعلامه بتلفيق اتهامات بالخيانة العظمى لكبار مسؤولي الجيش وجهاز “الشاباك” بهدف إسقاط الحكومة. هل اختلق نتنياهو نظرية المؤامرة بنفسه أم أنه تواطأ مع ابنه يائير وعضوة الكنيست تالي غوتليب والمتآمرين الآخرين؟ هذا لغز آخر بحاجة إلى حل.
وصف المؤرخ يغئال عيلام في كتابه “منفذو الأوامر” كيف يتم اتخاذ قرارات مصيرية تشكل التاريخ أحياناً دون توجيه من القيادة، لا سيما عندما تنطوي على انتهاك القانون وجرائم حرب ومظالم أخلاقية. ويرى أن من حق المرؤوسين فهم وجهة نظر رئيسهم والتصرف حسب ذلك. نتنياهو تبنى هذا النهج دائماً، خلافاً لترامب الذي يركز على الذات فقط. مع ذلك، لا يجب تجاهل مسؤولية رئيس الحكومة عن القرارات الحاسمة خلال فترة ولايته، ومن المهم الكشف عن دوره وتصريحاته وأسلوب عمله، كما فعل هابرمان وسوان مع ترامب في كتاب “تغيير النظام”.
ألوف بن
هآرتس 17/7/2026
عندما ينقلب السحر الأسود على عصابة كاتس وزامير وبنغفير وسموتريتش و على رأسهم الفاسد سفاح أطفال ونساء غزة بإذن رب العزة 😏☝️💯