شاركت في كل المسيرات التي نظمت في الجزائر من 22 فبراير/شباط الماضي عن قناعة تامة. باستثناء ثلاث حالات كنت مكرها للسفر فيها لأسباب متعلقة بالشغل وهو ما جعلني أرفض منذ شهور الكثير من التنقلات خارج الجزائر، خلال ايام الجمعة تحديدا، أو لوقت طويل يزيد عن يومين أو ثلاثة أيام. سفر لم يمنعني من متابعة تفاصيل الحراك في العاصمة والجزائر على المباشر عندما أكون خارج البلد.
سفر لم تكن الجزائر بعيدة عنه، فقد سافرت في ثلاث مناسبات للمشاركة في ندوات حول الجزائر، في كل من بيروت وجامعة فلورنس الإيطالية، أو صالون الكتاب في باريس في منتصف مارس/آذار، وهو ما سمح لي بالمشاركة في تجمع ساحة الجمهورية مع الكثير من المهاجرين الجزائريين. تأكد لي خلالها، مدى تعلق المهاجر الجزائري بوطنه الذي قد يفوق ما يحس به المواطن المقيم على أرض الوطن. زيارات حضرت فيها عدة لقاءات تلفزيونية في أكثر من عاصمة عربية أو غربية، تكلمت فيها عن ثورة الجزائريين ومطالبهم بتغيير نظامهم السياسي الذي تحول إلى خطر فعلي على الدولة والأمة.
تجربة سفر اكتشفت خلالها ما أعرفه عن نفسي سابقا، وهو صعوبة أن أعيش خارج الجزائر، خاصة خلال الأوقات العصيبة التي يمكن أن تمر بها. فقد اكتشفت خلال سفرياتي أنني اتحول إلى مُحب ولهان بالجزائر، أتأثر بسرعة، بل تدمع عيناي لأي صورة أو نغمة أو حديث عن هذه الجزائر، التي سأتكلم اليوم عن اجمل الصور التي التقطتها لها من داخل الحراك في العاصمة تحديدا.
لعل أول صورة ما زالت ملتصقة بذاكرتي تلك التي تتعلق بأول مسيرة شعبية في 22 فبراير. حين خرجت مع أحد ابنائي للمشاركة فيها، من دون أن أكون متأكدا من مدى المشاركة الشعبية فيها. فمن يضمن أن يخرج الجزائريون، وكيف سيكون موقف الجهات الأمنية؟ وماذا عن الشعارات المرفوعة؟ أسئلة كثيرة كانت في ذهني وأنا أتوجه صباحا نحو ساحة أول ماي. حين اكتشفت بعض الوجوه التي أعرفها من زملاء من الجامعة واعلاميين وابناء حي بلوزداد وأول ماي، بكل ما يميز حضورهم من قوة وعنفوان، كباقي أبناء الأحياء الشعبية مثل باب الواد والحراش.
المفاجأة كانت كبيرة بالنسبة لي. حضور شعبي مكثف من كل الأعمار، مع تميز واضح للشباب. أصدق القول إنني لم اتوقعه بهذا الحجم، خاصة عندما تعلق الأمر بالنساء، مع ملاحظة بعض الخوف على الوجوه، وإصرار كبير جدا لم ألاحظه عند الجزائريين في السابق بهذا الشكل الجماعي، لم نكن نعرف رد فعل المؤسسة الأمنية، التي بادرت في الأول باطلاق الغازات المسيلة للدموع وتخويف المتظاهرين. لتتراجع عن تحرشها بمجرد أن زاد عدد المشاركين في المسيرة. تعلمنا هنا أول درس نحن الذين لم نخرج إلى الشارع منذ سنوات، ومنعنا من التعبير عن مواقفنا السياسية بشكل جماعي. الشرطة تقمع وتتدخل بعنف عندما يكون الحضور قليلا في المسيرات، فقد اكتشفنا بسرعة أن عددنا الكبير جدا، الذي فاجأنا، كما فاجأ الشرطة لن يسمح لها بالقمع، حتى قبل أن نكتشف أن المسيرات خلال هذه الجمعة الاولى للحراك لم تكن مقتصرة على العاصمة فقط، ما يزيد طبعا من صعوبة تدخل الأمن، ببساطة لانه لا يمكن لاي جهاز أمن في العالم أن يتدخل ضد مواطنين يخرجون بمئات الالاف في التوقيت نفسه من اكثر من أربعين مدينة. زاد عددهم عن العشرين مليون، حسب بعض التقديرات، في مسيرات شهري مارس/آذار وإبريل/نيسان.
جيل جزائري تعلم وتواصل مع العالم الخارجي، يصر على بناء جزائر جديدة بمؤسسات شرعية ووجوه نظيفة بعيدة عن الفساد
مسيرة العاصمة الاولى كان يغلب عليها الطابع الشفهي، عكس ما سيحصل لاحقا عندما تظهر الشعارات السياسية المكتوبة بكل اللغات، وتتنوع محتوياتها كانعكاس للتنوع السوسيولوجي والديموغرافي لهذه المسيرات المعبرة عن صدق عن خصائص المجتمع الجزائري. كما كان الحال في مسيرات 8 مارس بمناسبة عيد المراة و5 يوليو/تموز الذي صادف الاحتفال بعيد الاستقلال.
لحظة مسيرة أول العاشر من رمضان – 10 مايو/أيار – الذي صادف المسيرة 12 من عمر الحراك كانت مميزة على أكثر من صعيد. بعد أن نجح الحراك في إفشال العهدة الخامسة والتمديد للرابعة، فقد كان التسويف واضحا من قبل السلطات التي أرادت إفشال، أو لنقل إعياء الحراك الشعبي بمناسبة شهر الصيام. كما تحاول هذه الايام بمناسبة الصيف، من دون نجاح.
بقيت في ذلك اليوم بالقرب من جامع الرحمة في العاصمة، انتظر انتهاء صلاة الجمعة. كانت صورة ـ تكررت لاحقا طول جمعات رمضان ـ غاية في الروعة والوضوح السياسي، فمبجرد انتهاء للحظة الإيمانية انطلقت اللحظة السياسية. بشعارات لا غبار عليها من قبل المصلين الكثر، الذين تزداد اعدادهم في شهر الصيام، كما هو معروف عن الجزائريين. في رمشة عين يظهر المواطن بشعاراته السياسية المنادية بدولة مدنية وبتنحي وجوه الفساد ورفض الانتخابات في ظل الباءات. فالمصلي يصلي وهو يلبس الراية الوطنية، وحتى الامازيغية قبل منعها، واضعا امامه شعاراته المكتوبة ومعلقاته، ليرفعها مباشرة بعد الانتهاء من الصلاة وهو يمارس مواطنته. غابت عنها شعارات التسعينيات التي تخوف من ظهورها من جديد البعض، الذي لم يقدر حجم التحولات التي عاشها المجتمع الجزائري والدروس التي تعلمها منها.
صور جميلة كثيرة أخرى يمكن أن استمر في سردها، خلدتها كاميرات الجزائريات والجزائريين، الذين يصرون في مسيراتهم على تقديم أحسن صورة عن أنفسهم، وعن بلدهم وحراكهم. فالجزائريات والجزائريين، بدا لي ـ أو هكذا صور لي على الأقل ـ اصبحوا اكثر جمالا واناقة واكثر تسامحا مع بعضهم بعضا. لا تحرش بالمرأة ولا عنف لا سرقات، في إصرار كبير على سلمية الحراك، مهما كان تحرش الاجهزة الامنية الذي زاد في المسيرات الاخيرة. شباب من الجنسين وكهول يتناقشون لساعات حول كل القضايا السياسية من دون أن يعرفوا بعضهم بعضا. حولوا ساحات الجزائر وشوارعها إلى أثينا فعلية. لنكون بذلك امام جيل جديد لم يعرف تجربة الارهاب، ولا فترة العمل الحزبي في السرية ومرحلة الاحادية بكل عيوبها وآثارها السلبية، التي ما زالت حاضرة بين مناضلي الاحزاب وقياداته. جيل تعلم وتواصل مع العالم الخارجي، يصر على بناء جزائر جديدة بمؤسسات شرعية ووجوه نظيفة بعيدة عن الفساد. الكثير من المؤشرات تقول إنه سينجح في ذلك مهما كانت الصعوبات الظرفية، فشعب مثل الشعب الجزائري لن يقهر ابدا.
كاتب جزائري
سر نجاح الثورة بالجزائر هو بتجاوز الماضي الدموي (العشرية الحمراء) وكذلك بنبذ الخلافات العرقية (عرب وأمازيغ) والطائفية (مالكية وأباضية) والأيدلوجية (إسلاميين وعلمانيين) ولا حول ولا قوة الا بالله
سيذكر التاريخ ان بعض من أصبحوا بفعل فاعل هم رموز الثقافة و المعرفة و يمثلون نخبة لا تمثل الا نفسها كانوا اكثر من ضللوا الشعب و سرقوا أمله و لكن نحمد الله لظهور المنجلي الذي سيحصد سنابل الزواف الخبيثة.
و الله حينما اقرا هكذا تعليق ..اصاب بخيبة كبيرة..
عن اي منجلي تتحدث؟ و هو الشيخ الثمانيني…الامي الذي لا يعرف مخارج الحروف و الكلمات…و يقرا ما يكتب له بصعوبة شديدة….
و هو من رافق ال بوتفليقة في النهب و السرقة..و مدينة عنابة تعرف عائلته….
احتار من أناس لا يطيقون للحرية؟؟ كيف نفوض امر ااالبلاد مجددا للعسكر دون رقيب او شاهد؟؟ و هو العسكر الذي حكم البلاد و فشل منذ 1962? قليلا من ثقافة الدولة الكاملة ذات مؤسسات حقيقية للمراقبة…لا يقتلك ايها الانسان…ناهيك ان اكبر فساد و تحويل لاموال يتم بين جنرالات السكر و القهوة…و ما خفي اعظم
# دولة مدنية فيها خير الجميع…
السلام عليكم
تحية طيبة للجميع
“الصورة خير من مليون كلمة” لا يحق لمن يمثلون “الرأي والرأي الآخر” التلاعب بالكلمات وإستغلال صحف وجرائد -لها مصداقية عند قراءها وعبر المحيط الإعلامي الواسع -أعطتهم فرصة التعبير.أن يركبوا ظهر الأحداث ليفرغوا جام غضبهم على شعب وجيش قد نطق بعد الشهادتين أنّه لا تسيل قطرة دم ولا يترك مكان فاسد إلّا ليطهره من المفسدين فنراهم يبحثون في كومة القشّ للبحث عن “الابرة” من أجل دعوة خياطة الثوب ويوجد في الواقع مخازن الإبر وأكوام من القماش والخياطين المهرة. إنّ الحراك كان مؤطر فعلا من قوات الأمن لحمايته من المندسين والخونة ومن يريد تعكير صفوه.وفعلا تراجعت قوات الأمن من أمام المتظاهرين لمّا رأوا سلميته أمّا كوّن أنهم تراجعوا خوفا من المتظاهرين فهذه دعوة في جوهرها “حكاية” وقول القائل :( فالمصلي يصلي .. وحتى الامازيغية قبل منعها) نجيب :لنا “راية واحدة هي الأخضر والأبيض ونجمة وهلال بالأحمر وما دون ذلك دعوة للإنفصال عن الأم ومن نكر أمّه التي ولدته وتبع أباه فهذا فيه قول؟؟؟ لسنا ضد تعدد الثقافات واللغات بل نحن ضد من يريد أن يفرق ليستسإد بعدو الأمس الذي قتل أبي وأباه .نقول :فهمنا الدرس ولنا الجواب عن الأسئلة مهما بلغت من الصعوبة
ولله في خلقه شؤون
وسبحان الله
مسارات الحراك محكمة وجيدة وانجازاته متعددة وثمينة ولكن مآلاته لاتزال في المزاد. على الحراك أن يتواصل بقوة بعد التفرغ من الكأس الافريقة وبعد تراجع درجة الحرارة وبعد نهاية مهلة “بلورة المبادرات”. فقوة الحراك وزخمه ستكون أقوى مبادرة للنظام بأجنحته المختلفة بل والمعارضة التي لاتستطيع سوى معارضة نفسها.