قصي اللبديأدين، شخصيا، إلى صفّ استثنائي من الشعراء، بكثير من الامتنان لقاء ما أورثونيه وغيري من قرائهم، من فرح ورغبة في الحياة، يتجددان كلما قلبت صفحات دواوينهم الشعرية، أو أطللت على قصيدة لأحدهم تحاكي لحظة ما، تشبه فكرة الإنسان عن نفسه، وعالمه. الانسان حيثما كان، مجردا من زوائده. وينتمي واهبو الفرح، هؤلاء، إلى أماكن وأجيال مختلفة، فأنت تجد بينهم شاعرا من الثمانينيات وآخر من نهايات القرن، أو ما قبل ذلك، أو بعده، من هذا الجزء من العالم، أو ذاك. وقد لا يجمع بينهم إلا ما وشحوا به أعمالهم من ضوء أعماقهم، ودأبهم في الحفر عميقا بحثا عن كل ما يرأم بالروح، ويسندها. وهو دأب يندر أن تقع على مثله عند أقرانهم من الشعراء الآخرين. ومن هؤلاء، الشاعر الأردني طاهر رياض، الذي وصف الشاعر الراحل محمود درويش قصائده، ذات مرة، بأنها قطع صافية من الماس. وهو تعبير دقيق، يعرفه قراء طاهر، ويتداولونه في ما بينهم، كلما جرى الكلام على ديوان أو قصيدة جديدة له. أو جرى عليه هو نفسه.وبالنسبة إليّ، فقد اجتذبتني على الدوام مهارته الشعرية اللافتة، تلك التي سمحت له بأن يقدّ المعنى من حرير اللغة، إذا جاز لي قول ذلك، أو بأن يعبّ غرفته من عينها الأصفى. وكنت ولا أزال أشتاق إلى قراءة قصائده الجديدة، التي يهربها إلى قرائه عبر صفحته الشخصية على ‘فيس بوك’ بين وقت وآخر.وإذا كنت قد جئت على ذكر قصيدته، فلعله من الضروري التذكير، هنا، بأن هذه السطور لا تمثل جهدا نقديا، أو قراءة سطحية أو جوفية في شعر طاهر رياض، بل هي رغبة محضة في الإعراب عن الامتنان إلى هذا الشاعر الكبير، نظير كدّه على اللغة، وحدبه الوفيّ على الشعر، وتاليا نظير سعادتي الشخصية بما وهبنيه من لحظات يمكن المرء خلالها أن يمد يده عميقا في الظلام، ويكنز ما شاءت له مخيلته من صور. تعود تجربة طاهر، كما هو معروف، ما يربو على ثلاثين عاما إلى الوراء. ومع ذلك فأنت تحدس بأن كاتبها لا يزال في مرحلة أولى منها، بسبب من طزاجة قصيدته، وحرارة تدفقها، ووهج مفردتها، وصفاء موسيقاها، كأنما هو لا يكتبها على بحر عروضي، أو تفعيلة محددة، سوى بحر الناي، وتفعيلته الأنقى.وتثير الدهشة، أيضا، قدرته على الاستمرار في اجتراح معانيه وعباراته المصقولة كوجوه المرايا، تلك التي يجوب منابت اللغة، متنقلا ما بين القرآن والمعاجم وكتب المتصوفة والشعر القديم، بحثا عنها، ليعود بها حية، حارة، كأنما هي تخصه وحده.. يلتقط طاهر المفردة التي تلأم قصيدته، وتلائمها، فيعيد صهرها وتكوينها، حتى لتبدو كأنها تركت ماضيها يذهب من دونها، وباتت جزءا من قاموسه هو. أجل، إنه متملك لغة بامتياز. وإذ تتخذ قصيدته شكلها، أو بنيتها التامة من دفق أنفاسه، يخيل إليك أنه، حين يكتب كلماتها، يتمثلها بجسده، أو يذهب الى معانيها الأبعد مشيا على قدميه، فيصطفيها، ثم يحملها من هناك بذراعي مزارع لوحتهما الشمس، ويغرسها في حديقته.ولهذا تظلّ أقدر على الاحتفاظ بطزاجتها، وخضرتها الموحية.وعلى أيامنا، نحن شعراء التسعينيات، كما جرى التصنيف، كان كثيرون منا ينظرون الى هذا الشاعر بوصفه الانموذج الأقرب الى فتنة الشعر. أنا وآخرون، ما زلنا نحمل هذه النظرة، فأنت تلتقيه في صالات الأنشطة الثقافية، ومهرجانات الشعر، أو غيرهما، فيفاجئك برحابة شخصية لا تقلّ إبهاجا عما في قصيدته من دفء، ويبدي حماسة واهتماما خاليين من ظلال الأنا العالية، بما كتبت، أو بما ترجو كتابته، أو حتى بما تعكف عليه فعلا. وكان أن نسج كثيرون منا على منواله، فسرقنا حبيباته من القصائد، وثبتناهن في قصائد أولى، فرحين بالوزن الجديد.وصحيح أن مفردات طاهر مصقولة بصبر ودأب يبعثان على الدهشة، وملمعة بأناة ورقة بالغتين، ولكن اشتباك موهبته المثقفة برؤيته الفلسفية الصافية للوجود، اشتباكهما السلس، منذ قصائده الأولى (أصدر ديوانه الأول عام 1983) كان، على الدوام، المحكّ الأبرز لتجربته واشتغاله الشعريين. وكان الظن أنه سيستغرق في أحدهما على حساب الآخر، كما حدث مع شعراء آخرين كثر، لكنه لم يفعل. بل ترك قصيدته تقفز عن هذا الشرك، وتواصل خطواتها الصحيحة ، فلم تغوه الحرفة، ولم ينتقص من قدرته على إدهاش قارئه، ومباغتته المستمرة له، أنه بات يعرف الطريق جيدا. ولعله مما يثير الاستغراب، أنه أحد أقلّ الشعراء العرب حديثا عن قصيدته، أو تنظيرا لها، بل هو يكاد لا يتحدث عنها مطلقا، فلا يمهد سبيلا أمام قارئه، ولا يقدم له إلا الشعر، صافيا ومقطرا، ‘الشعر المكتوب من أجل الشعر’ كما قال درويش. وعموما، فإن الكلام على الشعر الحق لا يضيف إليه وزنا – كما هو معروف – بل هو ينتقص منه، ويشوبه، إذا يئس أن يحلق معه على الارتفاع نفسه. ولهذا، بحسب ما أظنّ، تكثر الكتابات النقدية عن تجارب أقلّ وضوحا، أو نضجا، مما يحتاج إليه الشعر. وتندر كثيرا أي الكتابات – عندما يكون الشعر بينا ومتوهجا، إلى درجة قادرة على فضح بلادة الناقد، وكسل روحه، وثقل همته.وأعود إلى بداية التسعينيات من القرن المنصرم، فقد كان ديوانه ‘حلاج الوقت’ بطل المشهد الشعري في ذلك الحين، أقله في الساحة الشعرية في الأردن وسورية ولبنان. ومن هناك بدأت تطلّ صوفيته الخاصة بإشاراتها وإيحاءاتها المضوأة، التي لم تعد مجرد تأثر بانشغال الشاعر بتقليب آثار المتصوفة، بل أصبحت اكتواء مباشرا بنارهم، وما حولها.لكني حين دنوتلم أرَ موتاكانت أصوات من ياقوت تهوي في العتمة (حلّاج الوَقت )لقد حررت قصيدة طاهر أثر المتصوف من ظلاله الدينية المقيمة، ومنحته فضاء شعريا مغايرا، تتكامل فيه العلاقات بين الأشياء وأسمائها تكاملا لا شبهة نقصان فيه، من دون أن تتقيد بالدلالات المحددة، التي تشيعها اللفظة، أو الإشارة، في سياقاتها الأثيرية المأثورة، فإذا كانت ذات المحبوب في قصيدة المتصوف، أو على لسانه، هي ذات المعشوق المطلق، فهي في قصيدة طاهر صورة أخرى، تضيء على العلاقة المطلقة بين العاشق والمعشوق، من دون أن تسلخ المحبوب عن ذاته، أو تجرده من كينونته الأرضية: اقرأ، باسم الخلق جميعاً،واكتب ما شئتَعلى ما شئتلمن شئتَ،وأفسحْ في الضوضاء ضباباًتسبحُ فيهالآياتُ(ينطق عن الهوى)وينطبق ذلك أيضا على الأسماء والرموز الدينية، التي تعادل الدلالات في وزنها الصوفي، فقد جردتها قصيدته من محمولاتها الأثيرية، ونثرت عليها التراب والأسئلة:لا تهدِ ضلالَ الأسماءإلى المعنىاعبثْ في الأخضر واليابس.وتأخذ قصيدة طاهر رياض يقين المتصوفة المطلق، وانصرافهم الكليّ الى المعنى، فتقلبه إلى شكّ، لكأن الشكّ هو معادل الحياة، وميزاب مائها، وميزان خطوتها: البحر سراب مملوء بالماء.أو:’فاهطل على مهلٍ.. بحبال مجدّلةكحبال المشانق والأشرعةوخطوطٍ تميلُ مصائرهاكخطوط يديّ’ويبلغ الشك في ما هو يقيني لمصلحة ما هو شعري درجته القصوى في ديوانه ‘كأنه ليل’، إذ تصبح لغة المتصوف هي ذاتها قاموس المرتاب، ومعينه اللغوي الصافي. ويغلب عدم الثبات على كل شيء، تقريبا، بدءا من اسم الديوان حتى سطره الأخير، في ما يشبه محاولة لإعادة تدوين الذات والأشياء، انطلاقا من إزاحتها، ومساءلتها، وبثّ الريبة فيها.حرص طاهر على لفظ كل ما هو غير شعري بعيدا، وأتمّ كتابة قصيدته حتى مفردتها الأخيرة، مصرا على حفر مجرى سري بينها وبين القصيدة العربية الكلاسيكية، ورافضا التوقف أمام ‘الصرعات’ الهجينة، التي شاعت في نصوصنا الشعرية العربية بكثافة في نهايات العقد المنصرم، منادية بنبذ كل ما هو ‘أصفر’ و’مشطور’ في إشارتين إلى التراث الشعري العربي، وداعية إلى إعلان القطيعة معه قطيعة تامة، لا رجعة فيها.وكان أن وجدت هذه الأصوات منظرين ومناصرين لها، على حساب أدوات الشاعر، وحمولته اللغوية، فحفلت الملاحق الثقافية على مدى سنوات بمحاولات جوفاء، مرة باسم الحداثة، والحداثة منها براء، وأخرى في يشبه محاكاة فظة لتجارب شعرية أوروبية ناقمة على محيطها، أو ماضيها، مستوحية حرارة الغضب بدلا من حرارة التجربة، وثالثة باسم التجريب. وبذلك، أصبح في وسع المرء أن يدع الصفحة بيضاء تماما، على سبيل المثال، متيقنا من أنه لن يعدم من يقول إن ‘البياض هنا يعكس حال الشاعر النفسية، و.. الخ من أوهام’. لم يقطع طاهر رياض مع ماضيه الشعري، ولكنه أيضا لم يستخدم قوالبه الجاهزة، بل عرف كيف يملأ جيوبه منه، ويعود بحصته الأجزل. مؤلفاته:1. شهوة الريح، (شعر)، دار منارات للنشر، عمّان، 1983.2. طقوس الطين، (شعر)، دار منارات للنشر، عمّان، 1985.3. العصا العرجاء، (شعر)، دار منارات للنشر، عمّان، 1988.4. صلاّج الوقت، (شعر)، دار منارات بالاشتراك مع المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1993.5. الشجار على مهلها (شعر)، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2000.6. حرف الحرف (مختارات من النثر الصوفي)، الأهلية للنشر والتوزيع، عمان 1998.7. تجوال هرمان هيسة- ترجمة دار منارات للنشر، عمان، 1990.موت يا شهوتي انطفئي جسد الحبيبة باردٌ تحت اللحاف و لم يثُر فوق الوسادة شَعرُها الغفيانْ يا شهوتي انطفأتْ جحيمٌ كنتُ أقطف من حدائقها الأنيقة زهرة البركانْ في قلب كل غواية شيطانُها إلا غواية أن أبدّل ما أحب بما أحب فتلك شيطانانْ ! يا شهوتي انطفئي حياتي لم يعد فيها سوى هذا القليل من الزمان ! كأسي الأخيرة سوف أشربها على مهل وحيداً واحداً .. و سأغلق الباب الأخير على جمال كلما حاولتُ ألمسه تفلّت ثم راوغَ ثم غاب .. مخلّفاً جسداً قليلاً في يديّ ،و كأسَ خمر مزة في الحانْ ياااا شهوتي انطفئي وغَطي ما يُخايلُ ثوبُك الشفّافْ جسدُ الحبيبة باردٌ تحت اللحافْ !(من صفحة طاهر رياض على فيس بوك)