في الأيام التي تلت وصولنا الى لبنان مدمر، لم يخرج بعد من حربه الأهلية، عجت شقتنا الصغيرة بعدد هائل من الزوار، قادهم فضولهم ليأتوا للمباركة لمحمود بزواجه المفاجئ. لم يفهموا كيف ولماذا «كتب كتابه» على فتاة شامية تصغره بست عشرة سنة، أعادها معه من رحلة قصيرة الى واشنطن. وقد عرف سريعاً أنها ابنة أخ نزار قباني – الذي كان قد تقاسم مع محمود ولاء قراء الشعر العربي الحديث.
بالرغم من هذا «التنافس» الأدبي بينهما، صارا أصدقاء وأحباء، ليصبحا نسباء عند لحظة عقد قراننا. كان محمود يقول أن العالم العربي تعرف على اسمه، ثم على قصائده بشكل لافت، بعد أن حياه نزار قباني في قصيدة «شعراء الأرض المحتلة». وبكرمه المعهود وعرفانه للجميل (تجاه الرجال، على الأقل!) ظل مدينا لهذا، لأن التحية النزارية جعلت كتب الشاعر الشاب تباع كأرغفة الخبز الساخن. وقد استولى على نشرها – من دون إذن أو عقد – صاحب دار «العودة» في بيروت، محمد سعيد محمدية. فأصبح غنيا من وراء مبيعات ديوان محمود درويش، دون أن يشاركه – ولحقبة من الزمن – بقرش من أرباحه الطائلة. لكن، حين جاء محمود ليسكن في العاصمة اللبنانية، بعد أن غادر فلسطين وروسيا ومصر، دعاه «ناشره» الى عشاء لتكريمه في شقته الفخمة. فقال له محمود أمام الضيوف الحاضرين، بوجع الفقير أمام منظر استغلاله، وبتهكم الأمير اللاذع أيضاً: «أظن أن هذا الكرسي المذهب (اللويجي خمسة عشرة) الذي أجلس عليه هو يدي اليمني، وهذه الثريا الكريستال التي تنور الغرفة بشكل مبالغ فيه، وأنا مثل أكثر أهل بيروت أعيش في العتمة، هي لحم كتفي!». ضحك محمدية لأنه، كما كان يسميه محمود في وجهه «النصاب الظريف». وبدأت الوساطات التي أدت أخيراً الى أن يقبل ان يعطي الشاعر المشرد اذن الجمل مما جنى من موهبته. جاء زواجنا بعد سنين من كل هذا، لتصبح نجاة، زوجة محمدية، أوفى صديقة لنا. كانت تحبنا بشكل لم نفهمه تماماً، ربما لأنها خلقت رومانسية المزاج، فقررت ان ترى فينا «روميو وجوليت» دائرتها. هي الوحيدة التي بكت بحزن حقيقي عند سماعها بخبر طلاقنا الأول، وباتت لا تمل ولا تكل وهي تقول لمحمود أنه كان هو المخطئ في حقي. للتاريخ، فرحت هي وزوجها كالأطفال الأبرياء حين عدنا الى بعضنا البعض في زواجنا الثاني، بعد مقلب لعبه عليهما محمود فور وصولي الى بيروت لمرة أخرى. اتصل بهما في ساعة متأخرة من الليل، متعمداً إيقاظهما من النوم، وقال: «تعالوا فوراً الى شقتي لأن رنا قد عادت لي، وتريد أن تراكما فوراً!» وبالفعل، بعد عشر دقائق فقط، وصلا الى بناية دبوس وصعدا الدرج تسعة طوابق وهما يلهثان، وما زالا في ثياب النوم تحت معطفيهما.
رتب محمود أن تفتح الباب جارتنا في البناية. كانت قد انتظرت في المطار لاستقبالنا، وهي المرحومة ندى حداد، ابنة المثقف اللبناني الرائد البير أديب. رغم أنها كانت مارونية من ضيعة دير القمر، مثلها مثل كميل شمعون، رفضت أن تترك بيروت الغربية طوال الحرب، اذ كانت تكره التطرف الديني والسياسي والطبقي الذي أدى ببلدها الحبيب الى الهاوية. جميلة الوجه ولكنها بدينة، وفي عمر أمي تقريبا، وعاطفتها تجاهي وتعليمها المستمر والصبور لي واهتمامها الدائم الدافئ بكل حاجاتنا، جعلت مكانتها مقدسة عندي، فسماها محمود «القديسة البكيني»، إذ كانت تعشق الشمس والبحر والسباحة في نادي «السبورتينغ». مازلت أسمع صوتها الحنون في أذني، كلما عانيت من متاعب أو مصائب، رغم مرور عمر بأكمله على تلك الأيام. بعد ربع ساعة من جلوسه على مضض، طلب محمد سعيد فنجان قهوة، فقامت ندى لكي تحضره له. حين خرجت من الغرفة، قالت نجاة لزوجي الأول والثاني، الذي كان قد جعلني أختبئ في غرفة النوم حتى إعطاء الإشارة، قالت وهي ترتجف من البرد والغضب، لانها قدرت أنها وقعت في فخ هذا الطفل الكبير: «والله لورجيك شو بدي أعمل فيك، يا شرير، يا محمود!» وفي لحظتها، دخلت عليهم وأنا أحمل صينية القهوة، فصرخت «آخ، منكم، يا مجانين» وقفزت لتقبلني، ودموع «النصاب الظريف» تذرف من الإنفعال.
ولكنني سبقت السيرة، فدعوني أعود لإستقبال الضيوف أولا.
كانت التقديرات في مجالس بيروت التي سبقت دخولي الصاعقي الى حياته، أن محمود سوف يرتبط بواحدة أو بأخرى من نساء عائلتين فلسطينيتين معروفتين – الحسيني والنشاشيبي – وكان لهما دور معين – وأحيانا ًمحير – في سياق تاريخ فلسطين، خاصة منذ ثلاثينيات القرن العشرين. ولكن محمود كان كالزئبق، يتملص من كل علاقة يقيمها، إذ كان يريد «مادونا» لم تعرف أي رجل، ولا حتى هو بذاته! حين سألته لماذا، قال إن تجربته الأولى مع فتاة فلسطينية في الصغر في المخيم، التي كان يعتقد أنها ستكون له، اكتشف صدفة أنها كانت قد أحبت غيره من قبله، ولم تخبره. من هنا جاء سطره القاسي:
«كيف تكونين دهشة عمري؟
وأعرف أن النساء تخون جميع المحبين إلا المرايا»
اكتشفت فيما بعد أن الأسباب كانت أعمق بكثير من ذلك التفسير، وأقدم. وأن خوفه من أن يصبح ضعيفا أمام امرأة، حول هذا العاشق من فلسطين الى وحيد أبدي.
رنا قباني
هذا مقال روائي إن جاز التعبير تتألق فيه الحكاية وتتفوق على الخبر أو المعلومة أو كلاهما مما يعطيه دفئاً ومساحة يجول فيها الإحساس والخيال بنشوة خمرية. يحار التعبير في وصف هذه الكلمات الأنيقة والعبارات السلسة التي تشكل الهيكل العظمي لحكاية ترسم لنا الطفل المشاكس وحتى المتخبط القابع في حنايا شاعر الثورة الفلسطينية، ترسمه بشفافية ترقى إلى مستوى الرؤية بالعين المجردة، وفي هذا إضافة ثمينة لأي صورة رسمها قراؤه في أذهانهم عنه حتى يومنا هذا، شفافية تلتقط وترسخ بعده الإنساني الذي غاب عن المخيلة إذ ظل على مدى العقود تجسيداً صارخاً لشاعر صلب مقاتل، ولا شيء غير ذلك.
بدأنا نحب محمود درويش أكثر بكثير مما كنا نحبه من قبل. كنا نحبه كشاعر، أما الآن فإننا نحبه كإنسان ويزيد حبنا له عندما نقرأ عن ضعفه وجنونه وعثراته. بدأنا، بفضل قلم رنا قباني الملهم، نتعرف على أدب مختلف يجمع المقالة والرواية والقصيدة– أي الخبر والقصة والخيال، في بوتقة واحدة وعلى نحو ملحمي يتحول خلاله البطل ويتطور فيما يكتسب صفات وأبعاداً جديدة في النهاية.
رااااااائع
الله يكرمك يا ست رنا ويعطيك كل ما تمنيت وكل ما سوف تتمنين،،، أمين،،،، يوسف،،، فلسطين
رجاءا استمري فانا انتظر مقالك
يا ايتها الشامية اﻷصيلة ، لم تعذبينا كل مرة بأن تنهي هذه العجالة؟!!
أستاذ ج. ا. الشمال الكريم، أظن انك انت الكاتب و الناقد المرهف و الفريد، فلك كل امتناني على هذا التعليق
كما
اشكر كل من قرا هذه السيرة الذاتية الصعبة و المحزنة و العجيبة، التي لم أكن أتصور ان اقدر الاستمرار بسردها لو لا هذا الاستقبال العاطفي الغامر المحب
رنا قباني
انا من المتابعين لمذكرات الاخت والاستاذة رنا قباني مع شاعرنا المبدع محمود درويش.و حسب اعتقادي لو نشرت هذهِ المذكرات في كتاب لكان افضل.
باستثناء المتنبي وامرؤ القيس
اعتقد انه الوحيد درويش الذي يستطيع ان يجعلنا ونحن نقراه في حالة دهشة مستمرة
كل التحية والتقدير لك ايها السيدة الفاضلة
حبذا لوتجمعين هذا فبي كتاب
اخي محسن،
كانا في تقديره اهم شعراء العرب.
فكلامك صائب، و لو سمعه، لفرح بالتشبيه.
شكراً.
أستاذتي أرغب بالتواصل معك فلو سمحتِ لي ببريدك الإلكتروني ؟