عبد الرحمن اليوسفي مسيرة نضالية طويلة من المعارضة إلى رئاسة الحكومة ثم اعتزال العمل السياسي

الطاهر الطويل
حجم الخط
0

الرباط ـ «القدس العربي»: يتيح كتاب «أحاديث في ما جرى، على امتداد 240 صفحة، الغوص في أهم تفاصيل سيرة الشخصية السياسية المغربية عبد الرحمن اليوسفي الذي توفي صباح الجمعة 29 أيار/ مايو، عن عمر ناهز 96 عاماً على إثر مرض عضال.
يحكي الراحل في مذكراته التي رواها للمؤلف امبارك بودرقة (عباس)، أنه رأى يوم 8 آذار/ مارس من عام 1924 بحي الدار القديمة في طنجة على ضفاف واد مخضر وسط محيط جبلي. عاش طفولته بهذا الفضاء الجميل، وتلقى تعليمه الأولي هناك، ونسج به أجمل الذكريات. كانت المنطقة، وقتئذ، تعيش على إيقاع الحرب الريفية الشهرية، بقيادة البطل محمد بن عبد الكريم الخطابي، كما كانت طنجة خاضعة آنذاك لنظام دولي.
فارق والده الحياة سنة 1937، أي السنة التي حصلت فيها على الشهادة الابتدائية، وعانت أمه مع أبنائها كثيراً. لكن معاناتها الكبرى كانت معه هو، نتيجة غياباتي الطويلة والمتكررة عنها، التي كانت تحول دون رؤية الأم لفلذة كبدها.
يتطرق الكاتب إلى هوس الصحافة، فيقول: «كان أخي مصطفى يمني النفس بأن يصبح أستاذاً، حيث انتقل إلى مدينة الرباط في الثلاثينيات من القرن الماضي ليتابع دراسته بثانوية مولاي يوسف، وبعد فترة زمنية دامت بضع سنين، قرر التخلي عن مهنة التدريس بعد أن اكتشف هوسه بالصحافة. فغادر الرباط عائداً إلى طنجة للبحث عن عمل في ميدان الإعلام، حيث التحق بإحدى المطابع المختصة في طباعة الصحف والمجلات. بفضل عمل أخي مصطفى بالمطبعة، أتيحت لنا جميعاً إمكانية الاطلاع على الجرائد والمجلات من مختلف اللغات. ومنذ ذلك الزمن، ترسخت لدي عادة الاطلاع على الجرائد، بحيث أصبحت غرفتي مستودعاً للعديد من الصحف والمنشورات بالإسبانية والإنجليزية والفرنسية إضافة إلى الإيطالية».
ويحكي اليوسفي أنه عند ذهابه إلى الرباط لإتمام دراسته في ثانوية مولاي يوسف، وتحضيراً لنيل شهادة الباكالوريا (الثانوية العامة)، كان المهدي بن بركة في تلك الفترة أحد الكوادر الشابة للحركة الوطنية، وكان أستاذاً للرياضيات بثانوية «غورو»، كما كان أستاذاً لنفس المادة بـ»المدرسة المولوية» التي كان فيها الأمير مولاي الحسن وأصدقاؤه من التلاميذ. ويقول إن بن بربكة أثر فيهم بنشاطه وحركيته الدائمة، وكان يزورهم بين الفينة والأخرى.
يضيف: «كنت في سنة 1943 من ضمن الشباب الذين استدعاهم المهدي بنبربكة، إلى بيت والدته الموجود بحي «الكزا» (الجزاء) بالرباط، ليعرض علينا أفكاره وخططه السياسية.
وتوجت هذه المرحلة بأداء اليمين على المصحف الكريم. هكذا، في شهر ديسمبر/ كانون الأول 1943، أديت القسم، أنا ومجموعة من رفاقي في ثانوية مولاي يوسف، كإعلان على انخراطنا داخل حزب الاستقلال. شهراً بعد ذلك القسم، تم الإعلان على تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11 يناير/ كانون الثاني 1944. كان القسم طبعاً ينص على الوفاء للدين وللوطن وللملك، وعلى الاحتفاظ بأسرار الحزب وعدم كشف تنظيماته.
بعد توقيع وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11 يناير/ كانون الثاني 1944، قمنا بتوزيع نسخ منها داخل ثانوية مولاي يوسف لشرح مضامينها لزملائنا التلاميذ. وخلال نفس الفترة، كنا نتوصل يومياً بمنشورات حزبية تعكس مختلف ردود الشعب المغربي حول هذه الوثيقة، وتستعرض أصداء التظاهرات المؤيدة لها في مختلف أنحاء المغرب».
بعد الاحتكاك مع إدارة الثانوية، جرى منعهم من ولوج المؤسسة بسبب المظاهرات، «من حسن حظنا ـ يوضح اليوسفي ـ أن المهدي بن بركة كان يتابع من بعيد هذه الأوضاع، فأرسل إلينا العديد من رجالات الحركة الوطنية، الذين كلفهم بمرافقتنا لدى بعض العائلات الرباطية التي غمرتنا بالدفء الإنساني، وتولتنا بتوفير الأكل والشرب والمأوى لعدة أيام».
استمر هذا النشاط الحزبي والجمعوي في مدينة الدار البيضاء، من شهر يوليو/ تموز 1944 إلى غاية نهاية السنة الدراسية 1949. وإلى جانب هذا العمل التطوعي، كان اليوسفي يمارس مهنة التعليم في المدارس الحرة لسد الحاجات الضرورية اليومية، وفي نفس الوقت، كان يثابر على متابعة دراسته، حيث اجتاز امتحاني الباكالوريا (الثانوية العامة) الأولى والثانية بنجاح، وتسجل في كلية الحقوق وتمكن من اجتياز امتحانات السنة الأولى والثانية بها بنجاح أيضاً.
وعندما كان يستعد سنة 1949 للتسجيل في السنة الثالثة والأخيرة في الكلية، ألح عليه إخوانه في الحزب، أن يتوجه إلى فرنسا، لإنهاء دراستي الجامعية. هناك التقى لأول مرة، عبد الرحيم بوعبيد سنة 1949-1950، وكان على علم أن هذا الأخير مع المهدي بن بركة، من الجيل الجديد والحديث من قياديي حزب الاستقلال.
عقدت الأمم المتحدة الدورة السنوية العادية للجمعية العامة بباريس، سنة 1951، وكان اليوسفي حاضراً في تلك الفترة بالعاصمة الفرنسية. فكانت تلك الجمعية، بالنسبة لأولئك النشطاء المغاربة، مناسبة للتعريف بمطالب الشعب المغربي وشرح مواقفهم، بل ذهبوا إلى درجة أنهم طالبوا بأن تدرج بجدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة نقطة خاصة بوضعية المغرب (الموجود آنذاك تحت الاستعمارين الفرنسي والإسباني). وقد ساعدهم في هذا الطرح، أمين عام جامعة الدول العربية آنذاك، عبد الرحمن عزام.
جراء ذلك النشاط، اتخذ في حق عبد الرحمن اليوسفي قرار الطرد من فرنسا، ووضعوه في إقامة إجبارية بأحد الفنادق المجاورة لإدارة الشرطة في باريس، ريثما يصدر القرار النهائي بالطرد. لكن، بعد أيام تدخلت العديد من الشخصيات الفرنسية لدى الدوائر السياسية، فتم تحويل قرار الطرد من فرنسا إلى قرار النفي من مدينة باريس إلى مدينة بواتيي وسط فرنسا. وهناك، أنهى دراسته الجامعية وحصل على الإجازة (الليسانس) في القانون.
في سنة 1951، قام العاهل المغربي الراحل محمد الخامس بزيارة لفرنسا، بدعوة من رئيس الجمهورية السيد فانسان أوريول، الذي قرر أن يمنحه الدكتوراه الفخرية بجامعة بوردو، اعترافاً بدور محمد الخامس في دعم «فرنسا الحرة»، في تحرير بلاهم من الاحتلال. كانت الرحلة عبر البحر انطلقت من طنجة إلى ميناء مدينة لا روشيل. وقد جَندنا الطلبة والعمال المغاربة والجزائريين لاستقباله بالشعارات الوطنية التحررية. وكان عبد الرحمن اليوسفي مسؤولاً عن الطلبة، فيما تولى مولاي العربي الشتوكي الإشراف على العمال. وحاولت السلطات الفرنسية الحيلولة دون تنظيم هذه التظاهرة. وأدى الأمر إلى الدخول معهم في مواجهات، أسفرت على اعتقالهما. وحين بلغ إلى علم الملك محمد الخامس خبر الاعتقال، طلب بإطلاق سراحهما تحت تهديد أنه لن يحضر حفل منحه الدكتوراه الفخرية بمدينة بوردو، وأصر على اللقاء بهما قبل حضور ذلك الحفل. وفعلاً تم استقبالهما.
كما يتحدث عبد الرحمن اليوسفي في مذكراته عن مرحلة التنسيق بين جيشي التحرير المغربي والجزائري في سنة 1955، وعن دوره هو في المجلس الوطني للمقاومة، وتأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي انشق عن حزب الاستقلال سنة 1959.
ويكشف عن بعض تصوراته للأمور بالقول: «ظل يخالجني طيلة العقود المنصرمة، تفكير عميق، ذلك، أنه لو ساعدت وسمحت الظروف ليتعرف كل من الزعيم علال الفاسي والمهدي بن بركة على بعضهما البعض، ولو تمكن كل منهما من اكتشاف الآخر، من خلال الحوار والنقاش السياسي والفكري، وبواسطة العمل اليومي والنشاط التنظيمي، لما حصل يوماً الانفصال داخل حزب الاستقلال. ويمكن تصور نفس الشيء، أو كان الحلم به على الصعيد الوطني، لو تمكن كل من الأمير الحسن وعلال الفاسي والمهدي بن بركة ومحمد البصري من بناء جسور التواصل فيما بينهم، والتفكير المشترك في تصور بناء مغرب ما بعد الاستقلال، لتمكن المغاربة من تفادي عديد المنعرجات التي أخرت مسيرتنا، ولعشنا مغرباً آخر غير الذي نعيشه».
ثم يتطرق اليوسفي إلى المعاناة مع الرقابة آنذاك، فيشير إلى أن السلطات المغربية حجزت يوم 14 ديسمبر/ كانون الأول 1959 صحيفة «التحرير» ومنعتها من التوزيع، بحجة أن افتتاحية العدد تتضمن جملة تقول: «إذا كانت الحكومة مسؤولة أمام جلالة الملك، فإنها أيضاً مسؤولة أمام الرأي العام». لكن السلطات الرسمية لم تكتف بقرار حجز الجريدة ومنعها من الوصول إلى القراء، بل دفعها انزعاجها من الافتتاحية إلى اعتقال مدير جريدة التحرير، الفقيه مـحمد البصري، من بيته بالدار البيضاء، واعتقال عبد الرحمن اليوسفي باعتباره رئيساً للتحرير من مكتبه بالجريدة وتم نقلهما مباشرة إلى سجن لعلو في الرباط، حيث أطلق اليوسفي بعد 15 يوماً من الاعتقال بسبب وضعه الصحي السيئ، فيما بقي الفقيه البصري لأكثر من ستة أشهر في المعتقل دون محاكمة قبل أن يتدخل عبد الرحيم بوعبيد (وكان وزيراً للاقتصاد والمالية في حكومة عبد الله إبراهيم) لدى ولي العهد آنذاك مولاي الحسن للمطالبة بإطلاق سراحه.
سنة 1956، انتدبته الحكومة المؤقتة في الجزائر محامياً للدفاع عن قادة الثورة الجزائرية الذين اختطفت سلطات فرنسا طائرتهم، وقد قضوا ست سنوات في السجون الفرنسية.
اللافت للانتباه أنه في الانتخابات التشريعية لسنة 1963 في المغرب، حالف النجاح كل أعضاء الأمانة العامة لحزب «الاتحاد الوطني للقوات الشعبية» وكان اليوسفي الاستثناء الوحيد. يقول: «فيما يخصني، رشحني الحزب بمدينة طنجة، حيث قمنا بحملة نظيفة أفضت إلى الحصول على أغلبية مريحة من الأصوات، لكن سرعان ما غيرت السلطات على الصعيد المركزي تلك النتائج وأعلنت عكس ما أسفرت عليه صناديق الاقتراع. من حينها، قررت ألا أترشح على الإطلاق في أي استحقاق انتخابي، كيفما كان، وهو ما التزمت به إلى الآن».
ويسهب القول أيضاً في أجواء الاعتقالات والمحاكمات التي جرت سنة 1963، حيث توبع عبد الرحمن اليوسفي ورفاقه بتهمة المساس بأمن الدولة الداخلي في ما سمي بـ»المؤامرة»، وتعلق الأمر بالظروف التي رافقت إجراء انتخابات بلدية. وتوزعت الأحكام ما بين الإعدام والسجن، إذ كان نصيب اليوسفي سنتين مع إيقاف التنفيذ. كما يتوقف عند دور الحزب في ملتمس الرقابة داخل البرلمان لإسقاط الحكومة، ويفصل القول في ملابسات اختطاف المهدي بن بركة ثم اغتياله، مشيراً إلى مشاركة أطراف دولية في هذه الجريمة، ومؤكداً أن عناصر من جهاز «الموساد» الإسرائيلي ساهموا بشكل أو بآخر في القضية.
يستطرد قائلاً: «بعد انتهاء محاكمة قضية اختطاف المهدي بن بركة في باريس في يونيو/ حزيران 1967، نصحتني قيادة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بألا أعود إلى المغرب، نظراً للدور الذي لعبته في التنسيق بين أطراف الدفاع المدني كما كنت الشاهد الأساسي، ومنسقاً مع وسائل الإعلام الدولية التي غطت كل مراحل المحاكمة. وهناك قرر العودة إلى الدراسة ومتابعة الاهتمام بقضايا حقوق الإنسان على المستويين العربي والدولي».
يذكر اليوسفي أنه بعد سنوات المنفى الطوال التي كان ضحية لها، استقبلت والدته في نهاية السبعينيات من القرن الماضي، من طرف العاهل المغربي الحسن الثاني، الذي كلف الدكتور عبد الكريم الخطيب بإحضارها إلى القصر الملكي ليتناول معها الشاي. قبل انصرافها سألها إن كانت في حاجة لأي شيء، لتجيبه بلهجتها الطنجاوية: «بغيت وِليدي» (أريد ولدي). أجابها الحسن الثاني: يمكن لابنك أن يعود إلى بلاده متى يشاء، والوطن سيرحب به. فظلت أمه متشبثة بالحياة، إلى أن عاد سنة 1980 بعد غياب دام 15 سنة، لتنتقل إلى عفو الله سنة 1981.
كانت سنة 1992 حبلى بالعديد من الأحداث والامتحانات الصعبة، في سيرة عبد الرحمن اليوسفي. ففي بداية تلك السنة انتقل إلى عفو الله رفيق دربه ومهندس النضال الديمقراطي عبد الرحيم بوعبيد، وكلف إخوانه في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بمهمة خلافة القائد الراحل على رأس الاتحاد، في الوقت الذي كانت فيه أوضاعه الصحية تحتم عليه الخلود إلى التقاعد وعدم الإجهاد. وشهدت هذه السنة والسنة التي تلتها العديد من الاستحقاقات، منها الاستفتاء على الدستور الجديد والانتخابات المحلية البلدية والقروية، ثم الانتخابات التشريعية على مرحلتين، ثلثا مجلس النواب بالانتخاب المباشر، والثلث المتبقي بالانتخاب غير المباشر. وفي 1993 قدم اليوسفي استقالته من قيادة الحزب احتجاجاً على «التشويه» الذي لحق مسلسل الإصلاح السياسي والعمليات الانتخابية في المغرب، لكنه عدل عن تلك الاستقالة في ما بعد إثر العفو العام الذي أعلنه العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني سنة 1994 في حق كافة المعتقلين السياسيين.
بداية 1998، اتصل به وزير المالية آنذاك، إدريس جطو، وأخبره أن العاهل الراحل الحسن الثاني هو الذي كلفه بلقائه، وأنه جاء بعد العرض الذي قدمه جطو حول الأوضاع الاقتصادية الراهنة للمغرب وآفاق المستقبل التي تنتظر البلاد. كما أخبره جطو أن الملك اضطر لإلغاء مسلسل التناوب الذي أطلق سنة 1994 لإيمانه بأن التناوب الحقيقي لا يمكن أن يكون إلا مع من كانوا في المعارضة طيلة العقود الماضية وبالضبط مع شخص عبد الرحمن اليوسفي. وبقي هذا الأخير رئيساً للحكومة إلى 2002، حيث جرى تعيين شخصية تقنوقراطية مكانه، هو إدريس جطو، ما دفع عبد الرحمن اليوسفي سنة 2003 إلى تقديم استقالته من حزب «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية» واعتزال العمل السياسي نهائياً.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية