الأمم المتحدة – “القدس العربي”:
في قاعة مجلس الوصاية بمقرّ الأمم المتحدة في نيويورك، نظمّت لجنة الأمم المتحدة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف، الخميس الرابع من كانون الأول/ديسمبر، عرضًا خاصًا لفيلم “صوت هند رجب”، تلاه نقاش موسّع مع مخرجة الفيلم المرشّحة للأوسكار، التونسية كوثر بن هنية، بحضور دبلوماسيين وصحافيين ومهتمين من مختلف البلدان في إطار إحياء اليوم الدولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني.
قصة تبدأ بنداء استغاثة حقيقي
منذ اللحظات الأولى، يضع الفيلم مشاهديه أمام الحدث الأصلي الذي هزّ العالم. لا يقوم العمل على “قصة مستوحاة من الواقع”، بل على واقعة حقيقية كاملة. يبدأ الفيلم بإدماج التسجيل الصوتي الأصلي للنداء الذي أجرته ليان حمادة (15 عامًا)، ابنة عمّ الطفلة هند رجب، إلى غرفة عمليات جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في 29 كانون الثاني/يناير 2024.
كانت العائلة محاصرة داخل سيارة تتعرض لإطلاق نار، وخلال المكالمة سُمعت طلقات كثيفة وصراخ، قبل أن ينقطع الخط فجأة. وبعد لحظات، أعاد المسعفون الاتصال بالرقم ذاته، لتجيبهم هند — الطفلة الصغيرة الوحيدة ابنة الست سنوات، التي بقيت على قيد الحياة داخل المركبة، محاطة بجثامين أفراد أسرتها.
دامت مكالمتها مع غرفة العمليات ساعات طويلة، تطلب النجدة، خائفة، منهكة، إلى أن انقطع الاتصال معها أيضًا. وعندما نُشرت التسجيلات بعد أكثر من أسبوعين، انتشر صوت هند حول العالم، وترك وقعًا بالغًا على الرأي العام الدولي.

فضاء واحد… وأربعة أصوات
اختارت كوثر بن هنية أن يكون أغلب الفيلم محصورًا داخل مكتب الهلال الأحمر الفلسطيني، حيث تدور الأحداث بين أربع شخصيات رئيسية:
عمر – يؤديه الممثل معتز مليحس، وهو مسعف يتولّى التواصل المباشر مع هند، ويستمع إلى صوتها المرتجف لحظة بلحظة.
هند رجب– لا يؤدّي صوتها ممثل؛ بل يُستخدم التسجيل الحقيقي للطفلة كما ورد في المكالمات الأصلية.
مهدي – يشرف على غرفة العمليات، ويجسّد دوره الممثل عامر حجّال. يظهر مثقلاً بالمسؤولية وسط الفوضى والقواعد الصارمة التي تحكم إرسال فرق الإنقاذ وضرورة التنسيق مسبقا قبل إرسالها.
رنا – الموظفة في غرفة الطوارئ التي تتلقى نداءات الاستغاثة الأولى، وتؤدي دورها سجى كيلاني.
يتكشف التوتر بين هذه الشخصيات ثلاثيًا: ضغط العمل، فوضى الحرب، وحدود القدرة الإنسانية. وأكثر اللحظات لفتًا للانتباه كانت الاصطدام بين عمر ومهدي: الأول يعيش اللحظة عبر صوت الطفلة ويصرخ بحاجتها العاجلة للإنقاذ، والثاني يوازن بين الاستجابة وبين القواعد التي تهدف حماية طواقم الإسعاف.
سؤال “اللامبالاة”… وجواب الواقع
خلال فترة النقاش أمام قاعة مكتظة بالحضور التي أعقبت عرض الفيلم بمشاركة من المخرجة كوثر بن هنية ورئيس الهلال الأحمر الفلسطيني، الدكتور يونس الخطيب، طرحت “القدس العربي” سؤالًا حول الفارق اللافت بين انفعال عمر وبرود مهدي في المشهد الذي يدخل فيه عمر إلى مكتب مهدي ليخبره: “إنهم يطلقون النار عليها”، دون أن يبادل مهدي نفس الهلع والاستعجال. وسُئل عامر حجّال، الممثل الذي جسّد مهدي، عن مدى واقعية هذا التباين.
أوضح عامر أن شخصية مهدي معقدة وصعبة التمثيل، لأنها تعكس شخصًا يتبع القواعد وسط فوضى كارثية، مع العلم مسبقًا بأن مهمته ستفشل أحيانًا. وشاركنا تفاصيل حديثه مع مهدي الحقيقي، قائلًا: “بعد خمس دقائق من التمثيل، طلبت منه أن يحدثني عن ذلك اليوم. فقال بكل احترام وحزن: هذه كانت واحدة من مئات القصص، وكنت أدير غرفة الطوارئ لكل هذه الحالات. في البداية، كانت مجرد حالة عادية مثل المئات الأخرى، لكن مع مرور الوقت أصبحت مميزة لأنها استمرت حوالي أربع ساعات”.
وأضاف عامر أن مهدي كان يلتزم بالقواعد ليس لأنه يؤمن بها بالضرورة، بل لأنها الطريقة الوحيدة لإدارة غرفة الطوارئ وإنقاذ مئات الأرواح يوميًا. وأكد أن مهدي لم يكن أقل اهتمامًا من عمر أو رنا، بل كان الأكثر حرصًا، إذ قضى أسابيع يعمل بلا توقف، نائمًا في المكتب وأحيانًا دون رؤية أطفاله، ما يعكس حجم التحدي الذي يواجهه في الواقع.
واختتم عامر مشيرًا إلى أن كتابة الشخصية بهذه الطريقة تمنح المشاهد فرصة لفهم صعوبة المهمة الإنسانية التي تبدو مستحيلة، وتسائِل النظام وطريقة التعامل مع الأزمات القصوى.
هذا التفسير، في جوهره، يجيب أيضًا عن السؤال “كم من هند رجب قُتلت دون أن نسمع صوتها؟”
إجابات حجّال، المستقاة من شهادات العاملين في الهلال الأحمر، توحي بأن هذه هند واحدة من سلسلة طويلة من النداءات التي لم تُوثّق، ولم تُسمع، ولم تُنقذ.
ثمن قرار الإنقاذ
تناول النقاش كذلك المصير المأساوي لطاقم الإسعاف الذي حاول الوصول إلى هند. فقد قُتل المسعفان يوسف الزينو وأحمد المدهون أثناء توجههما إلى موقع السيارة بعد ساعات من التنسيق للحصول على “ممر آمن”. وبعد 12 يومًا، عُثر على جثمانيهما إلى جانب سيارة الإسعاف المدمّرة عقب انسحاب القوات الإسرائيلية من المنطقة.
هذه الوقائع تعيد الإضاءة على معضلة الفيلم المركزية: ليس كل “عدم استجابة” لنداء نجدة هو إهمال، بل قد يكون ثمرة منظومة محاصرة بالمستحيل.
استقبال واسع… وشهادات لافتة
الفيلم، الحائز على جائزة الأسد الفضي في مهرجان البندقية وصاحب أطول تصفيق في تاريخ المهرجان، يُعرض حاليًا في تونس وعدد من الدول العربية، كما يُشارك في مهرجان مراكش السينمائي الدولي. وسيبدأ عرضه العام في نيويورك ولوس أنجلوس في 14 كانون الأول/ديسمبر.
ولاقى الفيلم تفاعلًا واسعًا من الحضور، وبرزت خلال النقاش شهادات مؤثرة حملت ثقل تجارب أصحابها؛ إذ تحدث أحد الناجين من الهولوكوست عن قيم العدالة في الديانة اليهودية ورفضها الظلم الواقع على الفلسطينيين، مؤكدًا أن “أصواتًا يهودية كثيرة تُقمع اليوم”. كما أدلى بشهادته أنطوني، وهو جندي أمريكي متقاعد بعد خدمة 25 سنة في القوات الخاصة (القبّعات الخضراء)، وقال إنه عمل مؤخرًا مع مؤسسة إغاثية في غزة في رفح وخانيونس ومواقع توزيع المساعدات، واصفًا ما رآه هناك بأنه “إبادة لا يستطيع العالم غضّ الطرف عنها”، مضيفًا أن وجوه الأطفال والأمهات والآباء الذين كانوا يقفون في طوابير طويلة “يستجدون الطعام” تطارده كل يوم.
ختام الجلسة… ورسالة عن الأطفال
اختُتمت الندوة بكلمة مندوب فلسطين لدى الأمم المتحدة رياض منصور، الذي أكد أن “الأطفال ملائكة لا يجوز أن يمسّهم أذى في أي مكان في العالم”، منوّهًا بأن الفيلم “قدّم للعالم صوتًا فلسطينيًا لم يستطع أحد إسكاتِه”.
هند نموذج موثق للجريمه الصهيونيه وهنالك كثير من الحالات التى لم توثق او تحدثت عنها الاخبار. هذه ألدماء لن تذهب هدرا بل ستكون النور والنيران على طريق التحرير والنصر.