في ليلة سوداء على الشعب والإدارة التركية مع وصول المصابين والقتلى من الجيش التركي نتيجة استهدفهم بشكل مباشر من قبل ميليشيات الأسد في ريف إدلب، فالأنباء الأولية أشارت لسقوط ما لا يقل عن ثلاثين جنديا قتيلاً بالإضافة لعشرات المصابين، شكّل هذا الخبر صدمة قاسية على الشارع التركي المحتقن سلفاً من أعباء أربعة ملايين لاجئ سوري وعلى الإدارة التركية التي أعلنت استنفارها وعقدها لاجتماع مغلق بقيادة الرئيس التركي أردوغان شخصياً وبحضور كبار المسؤولين العسكريين والأمنيين.
المفاوضات الأوروبية
كان أمام المسؤولين الأتراك تراكمات سلبية من الجانب الروسي الذي رفض وبشكل متكرر وقفاً لإطلاق النار في إدلب ومحيطها كما كانت المؤشرات من الحلفاء ليست بالمستوى المطلوب، ليلة قاسية دفعت أنقرة لاتخاذ خطوات حساسة وحاسمة، فالرد كان على جبهتين الأولى على الأسد وحلفائه من خلال إطلاق سرب من طائرات البيرقدار المسيرة تركية الصنع لتجعل من أرتال الأسد رماداً، وعلى الجبهة الثاني حيث « الحلفاء « في أوروبا فكان القرار بفتح الحدود التركية اليونانية وإعلان نهاية الاتفاق التركي الأوروبي لعام 2016، هذا المشهد المعقّد ما بين ملف سوريا يدخل عامه العاشر وملف اللاجئين تم طويه مؤقتاً منذ أربعة أعوام بالضبط هناك تحالفات تقف على المِحك وقرارات ستكون مصيرية تدفعنا لإعادة قراءة الأحداث من جديد .
على ضفتي نهر إفروس الفاصل بين تركيا واليونان فتح كل طرف على الآخر حرباً كلامية وخطابية وإعلامية، فمع الساعات الأولى للقرار التركي بدأ الآلاف من اللاجئين والمهاجرين بمختلف جنسياتهم يتحركون نحو الحدود لعل وعسى تكون بداية لحياة أفضل، أما على الطرف الآخر من الحدود كان القرار اليوناني واضحاً بمنع تكرار المشهد لصيف عام 2015، فأغلقت أثينا بواباتها البرية ونشرت خفر السواحل في بحر إيجة تحت عنوانين عريضين الأول عنصري بحت وهو « أوروبا للأوروبيين « والثاني سطحي تحت شعار ترفض فيه أثينا أن يتم ابتزازه سياسياً عبر ورقة اللاجئين والحدود، أما على الضفة الأخرى اختارت أنقرة أن يكون خطابها على شكل أكثر دبلوماسية مبني على عدم تنفيذ أوروبا لوعودها ضمن اتفاق عام 2016، فلم ترفع الفيزا عن المواطنين الاتراك ولم تتقدم المفاوضات الأوروبية التركية في ملف انضمام تركيا للاتحاد، كما ماطلت أوروبا في دفع مبلغ 6 مليارات يورو، ضمن هذا الخطاب والمبررات حاول كل طرف إبعاد الضوء عن أسباب مختلفة تقف خلف الخطوة التركية ورد الفعل اليونانية برأيي الشخصي فهي على الشكل التالي :
على الضفة التركية
قاد أردوغان اجتماع مجلس الأمن القومي التركي لست ساعات متتالية دُرس خلالها خطط الأعداء وأفكار الحلفاء ومصالح أنقرة مع حماس الشارع التركي فكان قرار فتح الحدود مع أوروبا مناسباً على جبهتين، الأولى امتصاص حالة الغضب لدى الشارع التركي مع وصول جثامين الجنود الاتراك، فحرب مباشر مع الأسد في ظل وجود روسي عسكري مباشر ودعم إيراني لا محدود إرضاءً عواطف الشارع هو امر لا يمكن لأنقرة دفع تكاليفه وبالتالي قرار فتح الحدود أقل تكلفة باعتباره يدعم رؤية جزء من المواطنين الأتراك الراغب بتقليل أعداد اللاجئين، أما المحور الثاني فهو مبني على استمرار التهرب الأوروبي من تحمل مسؤولياته تجاه ما لا يقل عن 4 ملايين سوري يعيشون في آخر المناطق المحرر ضمن محافظة إدلب وهم على أعتاب مذبحة يسن لها السكاكين من بيروت وحتى موسكو مروراً بطهران، أو أن يتحولوا للاجئين نحو الداخل التركي وهو سيناريو لا تستطيع أنقرة تحمل تبعاته على المستوى الشعبي أو الاقتصادي .
على الضفة اليونانية
ثمانية أشهر مرت على تولي رئيس الوزراء اليوناني ميتسوتاكيس منصبه، هذه الأشهر مرت على الشارع اليوناني بشكل ثقيل عانى خلالها من خيبات أمل داخلية شملت ملفي اللاجئين والاقتصاد وخارجية شملت ملفي قبرص وترسيم الحدود البحرية، فالحكومة الجديدة كانت بعيدة كل البعد عن متطلبات المرحلة وهو ما بدا واضحاً حتى لدى عامة اليونانيين، هذه الأجواء السلبية دفعت ميتسوتاكيس وحكومته لقرع طبول الحرب أمام قرار أنقرة فتح الحدود، فهاشتاغ اليونان تتعرض للهجوم أصبح رقما واحدا في اليونان مع الساعة الأولى من القرار، صحبه تحريض شعبوي لدعم قرار الحكومة بإغلاق الحدود وتحرك إعلامي ضخم ضمن المسار ذاته، هذا الخيار من الحكومة اليونانية لم يأت بشكل عبثي وإنما نتيجة خطة مدروسة تم اتخاذها ضمن مسارين، الأول هو أن حكومة التي يقودها حزب الديمقراطية الجديدة والذي خسر جزءاً من شعبيته خلال الأشهر الثماني الأولى كان بحاجة لإعادة ملء هذا الفراغ من خلال عرض مسرحي ضحيتها اللاجئون والمهاجرون والمنتفع هو الحكومة التي أظهرت نفسها تحت شعارات شعبوية عنصرية غطت من خلالها ضعفها الدبلوماسي الخارجي وضعفها الاقتصادي الداخلي .
أما المسار الثاني لهذا القرار فكان من خلال تقديم هذه الحكومة نفسها للحكومات الأوروبية الأخرى وبالأخص باريس وبرلين على أنها درع أوروبا القوي أمام المهاجرين واللاجئين، هذه الشعارات وهذا القرار قوبل بدعم أوروبي حكومي ضخم بجميع كياناته الرسمية، وعلى هذا الأساس قدمت هذه الحكومات 700 مليون يورو كدعم أوّلي لحكومة أثينا بشكل يظهر المعدن الحقيقي لمدّعي التحضّر والإنسانية .
و بينما يرتفع سحاب الدخان الناجم عن الغازات المسيلة للدموع على ضفتي نهر إفروس على الحدود التركية اليونانية تبكي العيون دماً على الحدود السورية التركية، مليون نازح هربوا من براميل الأسد وطائرات موسكو وسكاكين الميليشيات الطائفية الإيرانية واحتموا بحدود ومصالح أنقرة، وفي زيارة مستعجلة للرئيس التركي أردوغان لموسكو تم الإعلان عن اتفاق لوقف إطلاق النار جديد أعطى أنقرة متسعاً من الوقت لتعيد بناء المعادلة على الحدود مع أوروبا من جهة ولتقرأ سياسة أمريكا الجديدة في الملف السوري عموماً من جهة أخرى، أما موسكو فالاتفاق بالنسبة لهم لن يكون مختلف عن سابقاته من الاتفاقيات فترة مؤقتة من إعادة ترتيب الأوراق ثم معركة جديدة والهدف هو إنهاء أي وجود للمعارضة السورية المسلحة ضمن الجغرافيا السورية، أمّا الشارع السوري الحر فالاتفاق كان ضربة قاصمة لأحلام بنيت على عجل واختفت على عجل، وليعود لواقعه ضمن خيمةٍ سيجعلها بيتاً ومن نومه قصراً ومن حريته عالماً أكثر إنسانية ولا تزال إدلب حرة ….
محللة سياسية يونانية مختصة بشؤون الشرق الأوسط