«الناس يرقصون في مدينتي لأن غيرهم يصفقون»
أمل دنقل
«فيك الخصام وأنت الخصم والحكم»
المتنبي
في حفل إفطار الأسرة المصرية في ابريل/ رمضان 2022 أطلق السيسي دعوة للحوار الوطني وأتحف الحضور حينها بكلمة طويلة رصعها بالرطانة المعتادة عن يقينه الراسخ بمكانة مصر المملوءة بالكفاءات والخبرات ما يفتح أمامها شتى الاحتمالات والمسارات كما دعا إلى «حوار وطني» مع كافة القوى دون استثناء أو تمييز، ورفع مخرجات ذلك إليه.
من هنا دشن «مولد» الحوار الوطني الذي استمر طيلة العام على نار هادئة ووحده الله يعلم إلى متى سيمتد…أحسب أن ذلك يتوقف على موهبة وملكة النظام على المط، بالطبع ما لم تحدث تطورات تجبرهم على إيقافه والبحث عن بدائل.
كثيرا ما يحلو لنا أن نكرر تعبيرات من قبيل أن «الاحتمالات في الحياة لا تحصى» وأن المقدرة البشرية على الابتكار وتخطي العراقيل لا تعرف حدا الخ، وهي في المجمل تعبيرات متنوعة عن التفاؤل والإيمان بمقدرة السلالة البشرية على التغيير والاستمرار والانفتاح على آفاق أخرى في المستقبل؛ لكنني لا أملك إلا مناقضة ذلك التفاؤل حين يتعلق الأمر بمنطقتنا العربية، بل وأجد اللجوء لتعبيرات كتلك من قبل النظام ومن يطبلون في جوقته ضربا من الخداع وابتذال الأمل والكلمات والأفكار الأنبل في محصلة البشرية الحضارية.
فالواقع مغاير تماما، ولعل أكثر ما يدهشني هو فقر الخيال في «مخرجات» و طرق تحايل الأنظمة الديكتاتورية على أزماتها، فالشاهد أنها تعيد نفسها وحين تطور تستعين بـ «صديق» آخر من طغاة العالم كمخابرات ألمانيا الشرقية في الأزمنة الغابرة، ولعل أبلغ تعبير عن قناعتي تلك أن نفس أبيات الشعر تحضرني إزاء تحركات النظام ومناوراته.
في حالة حوار السيسي «الوطني» فإن أول ما يستوقف نظري وما أجده كاشفا ودالا هو أن الحوار تم بـ «دعوة» منه… ذلك يختزل علاقة القوة الحقيقية على الأرض وفرض ولم يزل مسار ذلك «الحوار» من طرف، النظام والسيسي، يمتلك، لا بل يحتكر، كل أدوات العنف ويتوفر على فائض من القوة لا قبل لسائر الأطراف، المسحوقة تماما، به. ذلك كنه المعادلة.
أمام التدهور المستمر في قيمة العملة والناس الذين يئنون تحت وطأة الغلاء والنذر المتراكمة بالمقبل الأسوأ وانغلاق أفق السياسة فإن ذلك «الحوار» والمجهود والوقت المضيعين فيه والوضع برمته لا توصف جميعا سوى بكلمة واحدة: العبث
بشكل أو بآخر، ودون الدخول في تفصيلات الأمر وإبداء الرأي فيه، نجح السيسي، بدعم شعبي، في ضرب الفصيل ذي الحضور الأكبر والشعبية في الشارع؛ كل ما تبقى من تشكيلات سياسية فإنها وإن عبّرت عن وجهات نظر تتسق مع ما نتوقعه من مرجعياتها وانحيازاتها الاجتماعية بما يجعلها تبدو معقولة معهودة ومتعارفا عليها، إلا أنها في واقع الحال مفروض عليها الحصار ومنبتة الصلة تقريبا بالشارع، فليس من جموع ستهب لدعمها ونصرتها ونجدتها إذا تعرضت للعسف…هي تشكيلات ينتمي إليها رسميا عدد قليل من الناس يمثلون جمهورا مفترضا باهتماماته التي تلائم طبقته إلا أنه يدور في عالمه الخاص الموازي لعالم السياسة والنظام ولعبة القط والفأر التي لم يفتأ يلعبها مع المهتمين بالشأن العام في فضاء التصحر السياسي.
الأزمة الاقتصادية تطحن الجميع وبينما المشاركون في الحوار الوطني يحاورون ويتكلمون ويطخون كلاما كبيرا فالمواطنون ينتظرون الفرج من الله أو منة ورحمة من السيسي والنظام أو من أي شيء كائنا من كان.
مما يقودنا إلى النقطة الأهم ربما والمحورية: أليس لأي حوار من هذا النوع شروط وقواعد؟ ألا تسبقها التزامات؟ ألم يكن من المفترض أن يشترط الإفراج عن كل سجناء الرأي والتعهد الصارم بإنهاء حالات الاختفاء القسري والحبس الاحتياطي قبل الجلوس للحوار؟ ألم يجب الاتفاق على أن تكون القرارات ملزمة لا محض استشارية؟ ما هي الثوابت المتفق عليها وفيم الحوار إذا كانت التعديلات الدستورية والسياسة الخارجية والأمن القومي الاستراتيجي خارج الحوار وفقا لدكتور ضياء رشوان المنسق العام للحوار الوطني؟ وهل ستتوقف المحظورات أم أن القائمة ستطول؟ وبالطبع ما لم يذكر لكنه معروف بالضرورة أن ذكر أو الاقتراب من أو المساس بذات السيسي العلية هو أهم المحظورات.
لا تفارقني ذكرى المرحوم جورج حبش كلما قرأت أخبار هذا «الحوار الوطني» عندما كان يجادل مهاجما ومفندا مفاوضات أوسلو مذكرا بأن أيا من أقدس ثوابت القضية الوطنية الفلسطينية وأهداف الثورة الفلسطينية لم يتفق عليها ولن يعترف بها كحق العودة مثلا. كذلك الحال في «الحوار الوطني» فإن النظام جمع «المحاورين» دون تقديم أي تنازل ذي معنى أو قيمة اللهم إلا السماح لهم بالكلام، وبينما هم يفعلون لم يزل النظام يعتقل كما فعل مع أقارب المعارض أحمد طنطاوي.
الآن، كما هي الحال دائما، لا نعيش سوى تمثيلية أعيد إنتاجها مرات لا تحصى، سمجة ومملة، رديئة الكتابة والإخراج منذ العرض الأول، إلا أن الإعادة لا تزيدها إلا رداءة. في هذه التمثيلية يدعي النظام أنه يهتم بالديمقراطية ويسعى للتغيير والانفتاح ويجاريه البعض (المحاورون في حالتنا خير مثال) فيدعون أنهم يصدقون، بل وقد يبدون الحماس، ويلبسون بزات وربطات عنق ويحضرون كلمات وخطبا ويذهبون إلى قاعات ويلقونها، وربما كان هناك عامل نفسي يقوم بدور لا بأس به، إذ ربما في هامشية هذه التنظيمات وبؤس المجال العام تؤكد الدعوة الرئاسية وجودهم أمام ذواتهم وتمنحهم شيئا من الاعتراف الرسمي والقيمة، وربما يأملون في العثور على ذلك الرجل الرشيد بين رجالات النظام الذي سيستمع ويقتنع بحجتهم، ويقنعون أنفسهم بأنه حتما موجود وسيظهر في الوقت المناسب، ولن يضيرهم التوسل ربما يرق قلب السيسي ويمنحهم بعضا من التنازلات من منطلق أن أي شيء أفضل من لا شيء.
بذا تكتمل صورة الدولة والأهم في رأيي أن النظام يخلق منهم حاجزا عازلا يمتص الصدمات ويكسبه لدى الأزمات أو أي انفجارات عفوية صفة الإجماع الوطني، وربما ينتظر منهم الدفاع عنه بدعوى أنه غير إقصائي ويفعل ما في وسعه.
لعل الأدق أن نصفه بحوار أو سلسلة من الاجتماعات تحت السلاح للوصول إلى صيغة تسمح للمشاركين بالحصول أو التمتع بالاعتراف الرسمي ويتصورون بذلك أنهم يقدمون السبت ولا يدركون أنهم بذا يكرسون الهزيمة ويصبون في مصلحة النظام فقط وحصرا ويمنحونه ورقة توت هو في حاجة إليها على الصعيدين الداخلي والخارجي، فمع تفاوت ميزان القوة كما أسلفنا سيخرج النظام منتصرا أوحد.
السيسي ونظامه هما الخصم والحكم، وإن سؤالا بسيطا يطرح نفسه هنا: لما كانت «مخرجات» الحوار سترفع إلى السيسي في صورة توصيات، ولما كانت استرشادية فقط، وفي حال قرر تجاهلها تماما، أو عدم قراءتها وإلقاءها في سلة المهملات، فماذا يملك المحاورون إزاءه؟ لا شيء على الإطلاق… ماذا لو صحا يوما، وهو على ما نعرف من أحلامه وتطيراته وحواراته العجيبة مع الذات العلية فقرر أنه يتشاءم من الحوار فقرر فض هذا «المولد» فما الذي سيحدث؟ أيضا لا شيء على الإطلاق.
ليتهم حرموه ورقة التوت بهذا الاعتراف المجاني، وإن أرادوا فليستعيضوا عن ذلك بكتابة عرائض الالتماسات عله يرق ويرحم، فذلك أوفر للمجهود، والوقت، والنتيجة، واحدة.
الحقيقة، أمام التدهور المستمر في قيمة العملة والناس الذين يئنون تحت وطأة الغلاء والنذر المتراكمة بالمقبل الأسوأ وانغلاق أفق السياسة فإن ذلك «الحوار» والمجهود والوقت المضيعين فيه والوضع برمته لا توصف جميعا سوى بكلمة واحدة: العبث.
كاتب مصري
مقال تحفة ورائع كما المعهود