عناقيد الغضب

الهروب.. الهروب إلى أرض كاليفورنيا حيث الغد أفضل، هكذا نظّم جون ستينبك خيط قصته الشهيرة التي عكست معاناة المجتمع الأمريكي البسيط، وعكست ظاهرة سيسميها المؤرخون بـ»الهجرة القروية»، وقد كانت القصة وسياقها بعيدين كل البعد عن حصر الظاهرة في الجغرافية الأمريكية، فجاوزت الجغرافية البشرية جغرافية الخرائط.
بمزاجه وتطلعاته ومحددات زمانه، زرع الشعب الفرنسي عناقيد غضبه، وفاجأ العالم، و»الغد الأفضل» الذي سارت على منواله الاحتجاجات، ضرب جذوره في نماذج سياسية تعود إلى فترة ولت، وولى معها زمنها. وهنا يكمن عمق المفارقة بين الحركات الاحتجاجية، التي تعرفها حشود المدن الفرنسية الكبرى، بما تشهده من تجاوزات، و»وقودها الاحتجاجي» الذي يتزود بنمط أيديولوجي لم يعد ملائما لعصره، رغم سعيه لتجميع أوسع طيف ممكن من الشرائح الاجتماعية، حول فكرة أن «التقدم الاجتماعي لا يزال قابلا للانصهار في قالب الحدث الثوري».
الحدث الثوري الفرنسي، أرخت محطاته تواريخ 1789، 1793، 1794، وهي تواريخ سجلت أحداثا لافتة مثل اقتحام سجن «الباستيل»، إلغاء الامتيازات الإقطاعية، قدوم «نظام الرعب» بزعامة روبسبير، إعدام الملك لويس السادس عشر…

«الغضب المقدس»، هوالذي يستمد منه المرء تحفيزا للمراجعة، والمراجعة لا تعني بالضرورة التراجع

لكن هذا العصر ولّى والتاريخ لا يعيد نفسه، بكل تأكيد لا يعني ذلك أن علينا تغييب الحدث الثوري من تحليلاتنا لوقائع عالمنا المعاصر، لكن عندما نتحدث هنا عن «العصر»، يجب أن نضع الحالة الفرنسية في الإطار الأشمل الذي تنخرط فيه شاءت أم أبت، وهو إطار العولمة الاقتصادية .مشكلة تأسيس المقاربة على مفاهيم أمثال «نهاية الرأسمالية»، أو»إلغاء الطبقات» تؤدي من جهة إلى نكران حتميات المنافسة العالمية، التي لم يعد لفرنسا فيها موقع تحسد عليه كقوة عظمى، لكن تؤدي أيضا من جهة أخرى إلى تضييع الوقت الذي كان بالإمكان – بل من الواجب – استثماره في البحث عن حلول للإشكالية الأساسية، لو استبعدت الشحنات الأيديولوجية التي تقطع على التفكير السياسي كل الطرق للإتيان بثمرات.
والإشكالية الأساسية هي التالية: كيف يمكن الجمع بين حتميات الرأسمالية الجديدة والرفاه الاجتماعي للجميع؟  إذا كان البعض يقرأ في هذه السطور نوعا من الدعوة إلى اشتراكية جديدة فلسنا ننكر، لكن هذا وفق تعريف لا يزال قيد التأسيس، باعتبار أن مسألة كيفية أقلمة مع عصرنا، بل حداثتنا، معايير مثل توزيع الثروات، ضمان فرص الشغل، تحسين ظروف العمل، لم تحظ حتى الآن بما يكفي من العناية التطبيقية في أي من البرامج السياسية الفرنسية. وعندما تحدث أحد المحللين عن وجود «أزمة للسلطة» في فرنسا كان محقا. ونضيف هنا أن الغضب كان بالإمكان أن يصبح وقودا قابلا للاستثمار، بدل أن يكون قابلا للاشتعال.
يكفينا مثلا إعادة النظر في تبعات احتجاجات السترات الصفراء، عندما أبدع الرئيس الفرنسي سلسلة من النقاشات الدورية، انتقل فيها إلى المحافظات وتنقل في ما بينها كما لم يتنقل ولم يتنقل أي رئيس قبله، لكنه لم يواصل ولم يبدع صيغة نقاشية – تفسيرية في موضوع المعاشات، تكون مبنية مثلا على مقارنات بين سن التقاعد الحالي في فرنسا وسن التقاعد في البلدان المجاورة (أو بالأحرى فعل شبه مضطر في مقابلته الأخيرة مع الإعلام التلفزيوني، لكن خارج استراتيجية لو كانت مخططة منظمة مسبقا لأنتجت منطقا قابلا للفهم وربما للمشاركة) .
فالغضب ليس بالضرورة «بئس ناصح» حسب الأثر الفرنسي، فهناك أيضا، حسب أثر آخر، «غضب مقدس»، ذلك الغضب الذي (بعد نبذ مبدئي لأي من مظاهر العنف الجسدي) يستمد منه المرء تحفيزا للمراجعة، والمراجعة لا تعني بالضرورة التراجع. هنا، يمكن الحديث عن «مراجعة النفس السياسية لذاتها» التي هي، في الحالة الفرنسية، كانت ستتسم بفعالية كبيرة لو أخذت بيد المواطن في توضيحه رهانات حداثتنا المشتركة التي لا تبعد عن التقييدات الاقتصادية أسباب التقدم والرفاه. لكن هذا يتطلب مشروعا جماعياً بعيدا كل البعد عن السياسة بالمعنى الحزبي، قريبا كل القرب من أصل السياسة وهو إدارة الشأن العام.
فهل بقيت الأيام بيننا؟
باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية