التاريخ قدر بلادنا الحتمي.عاش العرب، بغالبيتهم، خلال اربعة قرون، تحت حكم الامبراطورية العثمانية، حتى بداية القرن العشرين. تخلل هذا الحكم تنازع طويل ما بين هذه الامبراطورية وما بين الامبراطورية الفارسية بمرحلتيها، الصفوية وما بعدها. اتخذ هذا التنازع شكل الصراع المستديم على ‘الولايات’ العربية.
التاريخ يتعاطى مع الوقائع التي ترثه بعناد. لا يتطلع التاريخ لا إلى الأوهام ولا إلى خيالات الناس الطويلة عند شروق الشمس. الوقوع بين دولتين كبيرتين حقيقيتين لم يترك للبادية، القليلة الحواضرحينئذ، إلا أن تكون موضوعاً لهذا الصراع الذي اتخذ أشكالا لا تقل عنفاً وفظاعة عما نشاهده اليوم بالرغم من مرور الزمن. قليلة رؤوس الولاة العثمانيين، التي حكمت ولاية العراق في هذه الفترة مثلاً، التي قيض لها أن تموت في فراشها وهي موصولة بجسدها.
واليوم يبدو أن التاريخ يصر على تذكيرنا بأن الحاضر استمرار لما كان لا أكثر ولا أقل. فبعد انهيار مصر الناصرية ومشروعها ببناء دولة عربية حقيقيـــــة موازية للدولتين الكبيرتين التاريخيتين المحيطتين بالعرب، على يد القوى الغربية وأداتها الإسرائيلية في المنطقة، عادت العرب الى ‘الفــــراغ الاستراتيجي العربي’، أي إلى البادية-الموضوع للصراع التاريخي المحيط. نقول ذلك بموضوعية في تجربة كبرى، أيا كان رأينا وموقفنا السياسي والآيديولوجي من جمال عبد الناصر وما له وما عليه. فنحن لسنا بمعرض تقويم هذه التجربة إلا من زاوية تأثيرها على الصراع الاستراتيجي الجاري على مستوى المنطقة.
كم من ‘ثورة’ جرت في بلاد العرب أثناء الحكم العثماني بتحريض وتحضير وتمويل وإعداد من الخصم التاريخي؟ كم من ‘ربيع عربي’ عرفت هذه الأمة وكم من رؤوس تدحرجت وسلخت وأفرغت وحشيت أطياباً وعنبراً حتى ترسل إلى هذا الباب العالي أم ذاك ؟ طبعاً لم تعد الدولتان العظيمتان عظيمتين وحدهما في المنطقة خصوصاً وأن العالم صار مربوطا بالإمبراطوريات الحديثة التي نجحت اليوم بالإطباق على جهات الكون الأربع.
كلنا صار يعرف اليوم أن ما يجري في بلادنا اليوم ينطلق حتماً من مشاكل فعلية في بنانا السياسية والإقتصادية والإجتماعية. بالتأكيد أننا، نحن العرب، نعيش مأزقا فعلياً على كافة الأصعدة. بالتأكيد أن الناس لم تنزل إلى الشارع بدون سبب أو بناء على حاجة الخارج وحسب. لكن منذ متى لم يستعمل ‘الخارج’ العوامل الداخلية في سياسته العادية التي يسميها البعض ‘المؤامرة’ ؟ لا مؤامرات في التاريخ بل سياسات ومصالح طبيعية تأخذها الدول المعنية بعين الإعتبار لتبني استراتيجيتها وتحقق أهدافها في الموارد الإقتصادية والمواقع الاستراتيجية في العالم من ممرات برية وبحرية وجوية وغيرها ..
لا يمكن لعاقل اليوم أن يخطط لمستقبل بلاده دون الانطلاق من حقائق التاريخ خصوصاً عندما يكون راهناً. أو بدون الإنطلاق من حقـــــائق الصراع الدولي والقــــوى العظـــمى فيه. فكما لم يكن للقــــوى المحلية العـــــربية، خلال حقبة الصراع العثماني-الصفوي مثلا، أن تتصارع يــــومها باستقلالية عن دول هذا الصراع ومصالحه وأوامـــــره، كــــذلك اليوم لا يعــــقل أن معارك الحرية و’اســـقاط النظام’ يمـــــكن لها ان تكـــون بمنأى عن مصالح الصراع التركي-الإيراني على الصعــــيد الإقلــــيمي، أو عن الصــــراع البريكـــسي- الغربي على الصعـيد الدولي.
من يتنكر لذلك لا يمكنه مثلا فهم أي دور من الأدوار التي نشاهدها بأم العين لكل من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا العظمى وتركيا وإيران وإسرائيل وغيرها.
ليس من شك في أن مجريات الأحداث العربية تنتدرج في إطار أعم وأشمل. ليس من شك أن الإنفجار العربي جاء في لحظة شهدت فيها الدولتان الإقليميتان الكبيرتان، تركيا وإيران، تحولات كبيرة، وعلى كافة الأصعدة، جعلت منهما من جديد دولتين إقليميتين لا يمكن القفز عن مصالحهما في المنطقة. ليس من شك أن أحداثنا جاءت في لحظة صعود دول عالمية جديدة على الصعيد العالمي. ليس من شك في أن ثوراتنا تأتي في لحظة تشهد الإمبراطورية الأمريكية وحليفتها الغربية عموماً تراجعا إقتصادياً أقل ما يمكن القول فيه أنه بنيوي. من السذاجة في السياسة، إذن، الإعتقاد أن مجريات أحداثنا مستقلة تمام الإستقلال عن كل هذه التناقضات التي تحيط بنا من كل صوب.
في لحظة تراجع إقتصادي أمريكي كبير بمواجهة قوى اقتصادية صاعدة تحتل مواقع جديدة يوما بعد يوم من الصعب الإقتناع بنظريات من يحاول الإيحاء بأن امريكا تستعد إلى الخروج من المنطقة ولم تعد مهتمة بالشرق الأوسط بسبب اكتشافها للنفط الأحفوري لديها، كل ذلك بهدف إقناعنا بأن الداخل عاد ليحتل الأولوية على الخارج. في لحظة تحاول إيران أن تنتزع استقلال دولتها عبر تنمية وتطوير برنامج نووي يمنحها إمكان التحكم بمواردها، وفي لحظة تحاول تركيا أن تستفيد من التراجع الأوروبي الغربي لكي تنقل بعضا من صناعاتها إليها، فـ’تثأر’ من الماضي، في لحظة لا يوجد أي نهضة عربية لا صناعية ولا إقتصادية ولا سياسية ولا فكرية ولا تقنية، في هذه اللحظة بالذات، من الصعوبة المنهجية بمكان أن نتصور أن ما يحدث في بلادنا يخرج عن صراع المصالح بين كل هذه الدول المحيطة بنا وبمواردنا. من الصعوبة بمكان تصوّر صعود حركة القوى السياسية التي برزت محلياً بمنأى عن الدور التركي، أو تراجعها بمنأى عن الدور السعودي المستجد في الإقليم. من الصعوبة ان نقتنع بأن ما جرى ليس إلا صراع الثورات الداخلية الطبيعي.
الثابت الوحيد، إلى الآن، أن هناك من الموانع والتناقضات،الداخلية والخارجية، ما يجعل نوايا الترك والإيرانيين، إذا ما تأكدت، بالسيطرة على ‘البادية العربية’، ولملء ‘الفراغ الاستراتيجي’، غير قابلة للتطبيق اليوم بالسهولة التي يظنها البعض. وإذا كان الأتراك قد دخلوا بمأزق كبير بعد مشروعهم ‘العربي’، فإن الإيرانيين ليسوا بأحسن حال خصوصاً بمواجهة حملة ‘الأكثرية والأقلية’.
أداء الدول من أداء القياده و أداء الشعوب من أداء الإنسان و في أحسن الأحوال التفاعل بين الإثنين عندما يستطيع الشعب بتماسكه و تجانسه أن يخلق خيارات لقيادات جديده متوفره من الشعب و عندما تعرف القيادات أن هناك لها بديلا مهما كانت عظمة القائد و إذا كان للأمه العربيه أن تتبوأ مركزها فيجب توفر كل من العاملين في شعوب متجانسه غير طبقيه تنتمي إلى دوله تثق بقاداتها و كل هذا يحصل عن طريق الممارسه و التربيه في الطريق إلى الديمقراطيه وعندما يتمكن الشعب من آليات و فن حكم النفس بالنفس و لا أظن أن هناك عربيا لا ينشد الوحده العربيه أو على الأقل يحلم بها فهي في الوجدان و لكن المشكله كانت و لا تزال “الكيْف” و السؤال إذا كانت عوامل التفرقه مثل الطائفيه و العصبيه و القبليه و الأنانيه بالفعل أقوى من عوامل المنفعه العامه المنطقيه و تحقيق الوجدان و لا توجد حلول جاهزه و لا يمكن نسخ تجارب شعوب أخرى و قد يكون ما نحتاجه هو فقط تجربه واحده بآليه ناجحه يمكن البناء عليها
الشيئ الثابت و الجلي أن كل الدول الفاعلة تقوم بدورها بشكل أو بأخر في رسم معالم الدول العربية المتزعزعة وفق المعطيات الجديدة بما يخدم مصالح هده الدول أو على الأقل لعزل مصالحهاعن المتغيرات .
أما الدول العربية فتقوم بدور سلبي يفوق التصور بايعاز أو حتى بدونه بما يخدم مصالح هده الدول بتتبع أصحاب الحل و الربط شهواتهم السياسية النابعة عن التفرد و احتقار الأخر و اختزال مصير أمة في النكرة الحاكم بمنطق “أكون أو لا تكونوا ”
فهم لا يظمنون حتى بقائهم مقابل هدا الخنوع و الرضوخ الأعمى . اما الدول المارقة فتبقى مصلحتها الأولى و قبل كل شيئ اضعاف دولنا بخلق عدم انسجام بين الدولة كمؤسسات و المحكوم .فتبقى دلنا قابلة لزعزعة أ, حتى الزوال في أي لحضة يريدون “هم”.
النزاع بين الفرس و الروم و بين الايران و الاتراک لم يکن فی ای زمن علی الرمال و الجمال فی البادية العربية. الصراع بينهم کان يدور دائما حول جبال قوقاز للاستيلاء علی الاراض الخصبة الواقعة بين بحيرة قزوين و بحر الاسود و ينابيع الدجلة و الفرات. البادية العربية کان ارض معزولة عن العالم و لم يکن فيه خير الا حج البيت حتی اکتشاف النفط . الحروب الصليبية دارت فی فلسطين للاستيلاء علی الارض المقدسة حتی بدا العالم الغربی يتحضر و يتقدم. فبعد اکتشاف النفط فی الصحراء العربی بدات الحملة الصليبية مجددا للاستيلاء علی آبار النفط العربی لاسمترار الحضارة الغربية. و هم قسموا الارض العربية فيما بينهم وفق اتفاقة سايکس بيکو و بعد خروجهم من الارض العربية و لاستمرار مصالحهم النفطية خلفوا اسرائيل مکانهم لصنع الصراع العربی الاسرائيلی. ما دام النفط موجود فی البادية العربية؛ اسرائيل موجود و الانظمة القمعية و الفاسدة و الثورات و الصراعات موجودة لا محالة. لو کان العرب اولو الالباب لاجتمعوا مع اسرائيل و ايران و ترکيا لصنع اتحاد کبير فی الشرق الاوسط لاحلال الاخوة و الحرية والعدالة و السلام . لتکن منهم امة وسطا و قوة عظمی و ولايات متحدة تسمی دولة ابراهيم.
شكراً للاستاذة عناية على المقال التحليلي الجيد…
…
بعد أذنك أريد أن أقتبس من المقال الاتي: ” في لحظة لا يوجد أي نهضة عربية لا صناعية ولا إقتصادية ولا سياسية ولا فكرية ولا تقنية، في هذه اللحظة بالذات، من الصعوبة المنهجية بمكان أن نتصور أن ما يحدث في بلادنا يخرج عن صراع المصالح بين كل هذه الدول المحيطة بنا “…
وأردف بالقول أن أستنتاجك هذا صحيح ولكن بتقديري من أهم أسباب “صفريّة النهضة العربية” في القرن الماضي وحتى هذه اللحظة (أي الفترة 1945-2014) جاءت عبر أسباب كثيرة من أهمها:
1- زرع أسرائيل في قلب الوطن العربي.
2- الاستبداد والظلم والفساد وعسكرة المجتمع و أنسداد أَفاق الحرية والديمقراطية.
3- هروب الرساميل العربية لخدمة البنوك والدول الغربية.
4- أغراق الاسواق العربية بالبضائع المصنعة والمواد الاولية.
5-الفقدان التدريجي للامن الغذائي والامن المائي.
وغيرها كثير…وعلى سبيل المثال فحكم عبد الناصر للفترة 1952-1970 وحكم صدام حسين للفترة 1979-2003 هما دليلان على السبب الثاني وهكذا دواليك…