عن أحاديث السيسي في افتتاح المشروعات

حجم الخط
4

يتقصد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مقاطعة المتحدثين خلال افتتاحه لمشروعات في مصر، ليتكلم في مسائل تتنوع بين الاقتصاد والسياسة، وأحيانا الاجتماع والدين بشكل غير منتظم، إذ ينطلق مما هو جزئي يرتبط بالمشروع الذي يفتتحه، ليصل إلى ثورة يناير/كانون الثاني مثلاً أو المعارضة، أو العلاقات الخارجية، ضمن نسق فوضوي، ومقدمات منفصلة عن نتائجها.
وإن كان هذا الأسلوب ليس غريبا عن السيسي، الذي تطورت خطاباته، ضمن نقلة نوعية، من الألغاز والأحجيات غير المفهومة، إلى الكلام غير المتسق.. فقد يكون مفيدا لتفسير المسافة بين الرئيس والأفكار المراد التعبير عنها بشكل متسق، العودة إلى طغيان لغة أيديولوجية قومية مع صعود الناصرية، تبتعد عن الواقع، وتفصل المعاني عن دلالاتها.. لغة باتت أقرب إلى اللسان الرسمي لأنظمة الحكم المتعاقبة، مع مقادير متفاوتة، تتعلق بتحولات المنطقة، وهوية الرؤساء الذين ارتبطوا بشكل أو بآخر بثورة يوليو/تموز.
والرئيس حين يقاطع محدثا ما، لا يكتفي بالاسترسال بكلام غير منظم، بل يورط أحياناً المتحدث معه، طالبا منه تأكيد ما يقول، والمتحدث الذي يريد إرضاء الرئيس، وعدم ارتكاب أي خطأ أمامه، يقع في حيرة وارتباك كبيرين، فإن تحدث بلغة الأرقام والعلم، قد لا يلاقي بذلك مزاج الرئيس، الذي رأى في أحد خطبه أن دراسة الجدوى الاقتصادية تؤخر تنفيذ المشروعات، وإن تحدث بشكل عفوي قد يعاكس رغبة مستجدة عند الرئيس بدراسة الكلام قبل قوله وتحمل المسؤولية، والأهم من ذلك، كيف سيستقبل المتحدث، سيل الفوضوية الموجه له؟ إن أجاب على نقطة محددة، سأل عنها الرئيس، ماذا عن سياق الحديث نفسه؟ غرضه؟ سببه؟ حتى وزير النقل كامل الوزير، المقرب من الرئيس، لم يوفره السيسي من لعبة التوريط الكلامية، فقد استدرجه مؤخرا إلى إجابة متناقضة، حول تكلفة إحدى المشاريع، فتبدى فارق الأرقام الكبير، مجرد تفصيل، لإرضاء الرئيس، الراغب بإجابة يصعب تقدير وجهتها. هذه الفوضوية، ليست بريئة تماما، فالسيسي غالبا ما يسعى من خلال أحاديثه الاعتراضية، لتوجيه رسائل حول صوابية سلطته، التي «أنقذت» البلد من الفوضى والخراب، و»نقلته» إلى الاستقرار والبناء. هذه الرسائل، تمرّ ضمن فوضى الكلام، ليبدو تأثيرها قويا، فالمنصت للرئيس، يراد له التعامل مع فلاشات سريعة، تتعلق بالاستقرار وبأبلسة ثورة يناير والعداء للمعارضة، وهذا يستلزم الكثير من الضبابية، بحيث تبرز الفلاشات جيداً، ضمن فوضى الأرقام المتضاربة، والأحاديث المتنوعة.

السيسي غالبا ما يسعى من خلال أحاديثه الاعتراضية، لتوجيه رسائل حول صوابية سلطته، التي «أنقذت» البلد من الفوضى والخراب

ولاستكمال الصورة، لا بد من متحدث مرتبك يحاول ملاقاة الرئيس برسائله، فهذا المتحدث معادلاً لا بأس به لهيكل الدولة المنصاع بكامله للسلطة المتمثلة بالحاكم الفرد. هكذا، يومئ رئيس الوزراء مصطفى مدبولي موافقاً على ما يقوله الرئيس، لاسيما حين يسأله الأخير، وكذلك يفعل الوزراء والمحافظون. هي إذن لغة السلطة الضبابية والفوضوية غير المنتظمة الساعية لإيصال رسائل تعتاش على خوف المجتمع ورعبه من التغيير، في ظل هيكل تنفيذي للدولة منصاع وتابع. ومع كل افتتاح للمشروعات في مصر سيتكرر المشهد، متحدث مرتبك يشرح عن إنجازات ومكاسب اقتصادية، ورئيس يقاطع مسترسلا بكلام غير منتظم، غرضه رسائل سياسية، ومسؤولون يبدون موافقتهم على كل ما يرد، وفي النتيجة، قطاعات واسعة من المصريين خارج هذا المشهد، حتى أنها لا تكلف نفسها متابعة مجرياته تلفزيونياً، ليقينها، بصعوبة تغييره، بعد ثورة، تم إجهاضها، واستبدال مشهد المشاركين فيها، بذلك الذي نشاهده عند افتتاح المشاريع «الكبرى» حيث يقتنص الرئيس الفرص، للتخويف من التغيير. مشهدان، أحدهما، عفوي وغير متوقع، أبطاله شابات وشبان متنوعون طبقيا وثقافيا ودينياً، يبحثون عن التغيير والحرية، مسرحه ميادين مصر وساحاتها، وآخر معلب ممنتج يسهل توقع مجرياته، والخطابات التي ستقال فيه، مسرحه قاعات كئيبة وملاعب يجري ملء مقاعدها بمؤيدين للرئيس. هكذا هو الاستبداد، إلغاء التفاجؤ من حياتنا، وإغراقنا بالملل، والأحاديث عن الخوف.
كاتب سوري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الكروي داود النرويج:

    يسم الله الرحمن الرحيم:
    ﴿ قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴾ [غافر: 29].
    مقال محايد يعبر عن مأساة الحكم بمصر السيسي! ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. يقول تيسير خرما:

    محمد حسني مبارك بطل 1973 قائد سلاح جو عربي مصر سحق جيش إسرائيل فسيرت أمريكا جسر جوي متواصل لإنقاذها فعينه السادات نائب له وأكمل تحرير سيناء ولم يزر اسرائيل طوال حكمه 30 سنة رغم ضغط أمريكا، فخلق الغرب بدعة ربيع عربي لتسليم الدولة لمغتربين وإهانة بطل النصر وإسقاط نظام مستقر وإشغال أكبر جيش عربي (أسسه محمد علي الكبير قبل قرنين وطرد الترك وحاصر اسطنبول ولم يرجعه إلا أسطول بريطانيا وحرر قناة السويس) لكن فشلوا وبقيت مصر تحمي أمن قومي عربي وأطلقت نهضة اقتصادية كبرى فكافئها الله بكشف احتياط غاز تريليوني

    1. يقول أسامة كلّيَّة سوريا/ألمانيا:

      بطل العبيور، ولم يزر إسرائيل، وخلق الغرب ربيع عربي! الظاهر ياأخي تيسير خرما أنت تحاول أن تشرح إسلوب السيسي في الكلام فشكرًا لك على هذا التأكيد على ماتم شرحه في المقال!

  3. يقول اثير الشيخلي - العراق:

    قرأت المقال متأخراً للأسف!

    اهنئك اخي الاستاذ ايلي عبدو، أنت أفضل من عبر من خلال هذا المقال عن اسلوب خطابات السيسي العشوائية و الدوغمائية و غير المترابطة حين يمسك السيسي “بالحديدة” كما يتندر المصريون و يبدأ بالتجويد و هو يعطيهم ظهره في سابقة غريبة من نوعها!
    الرجل جاهل بما يقول من الناحية العلمية و الواقعية و لكنه يوصل رسائل الطغيان و التخويف و الهيمنة بأسلوب متهافت و شوارعي لا يليق برئيس مجلس بلدي فضلاً عن رئيس جمهورية!
    و قد تطور خطابه الفوضوي تدريجياً مثلما ذكرتم من اللا ترابط و التهويمات الكلامية الى نوع من الخطاب الشعبوي المبطن بكافة انواع التهديدات، و هو ما اكتسبه بالممارسة شبه اليومية (لم أجد رئيس دولة يتكلم بهذا القدر و بهذا التكرار، و بهذه الفوضوية ، ربما عبر التأريخ!)
    أو ربما يلقنه هذا الأسلوب عدد من الصحفيين و الكتاب المتزلفين الذين يحيطون به و يستعين بهم، ثم تقوم جوقة اعلامه المعروفة بتعميم و تمرير و تبرير كلامه المتهافت غير المترابط ليظهروه و كأنه جواهر الكلم إلى الجمهور!
    البعض هنا كما ذكر اخي أسامة كليّة، يثبت ما جاء في المقال تماماً و يسير على نهج السيسي المفكك!
    و لله الأمر من قبل و من بعد.

اشترك في قائمتنا البريدية