عن التفاوض في الأزمة السودانية

بنهاية عام 2021 كانت ما تعرف بـ»أزمة تغراي» في إثيوبيا في أوج اشتعالها، كانت المجموعة المسلحة القادمة من الإقليم الشمالي في حالة تمدد، حتى إنها وصلت أعتاب العاصمة أديس أبابا، شغلت تلك الأزمة العالم بسبب عدد ضحاياها الكبير، وبسبب الأهمية التي تمثلها إثيوبيا.
على مدى شهور طويلة كانت الوساطات تعجز عن تحقيق أي تقارب. بالنسبة للجانب الحكومي كان «التغراي»، مجرد إرهابيين خارجين عن سلطة الدولة، وكان التفاوض معهم يعني التنازل عن هيبة الدولة وتشجيع مجموعات أخرى على التمرد في بلد متعدد العرقيات، أما بالنسبة للمعارضين «التغراي» فكانت قيادتهم تثق في قدرتها على تحقيق الانتصار على سلطة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، الذي كانت تعتبره حاكماً غير شرعي.
لم يستطع «التغراي» تنفيذ مخططهم لقطع الطريق الحيوي، الذي يصل ميناء جيبوتي بالعاصمة الإثيوبية، وهو ما أفشل المخطط المتعلق بـ»خنق» العاصمة. في المقابل استطاعت الحكومة المركزية أن تحاصر الإقليم المتمرد بقطع إمدادات الغذاء والدواء والمال عنه، وأن تعاقب قادته الخارجين عن سلطتها، كما استطاعت أن تمنع المتعاطفين من تقديم السند له. حكومة أديس أبابا مضت لما هو أبعد بمعاقبة إثنية «التغراي» وحواضنه بشكل جماعي، وهو الأمر الذي سبب لها انتقادات حقوقية. كانت مسألة «حقوق الإنسان» وما يرتبط بها من ضغوط دولية، هي آخر ما يشغل أديس أبابا، التي كانت مواجهة بخطر يهدد بقاء الدولة الإثيوبية بشكلها الذي نعرفه، حيث بدأت قراءات تتحدث عن تفكك وانفصالات إقليمية وشيكة. تمرد التغراي شجع مجموعات أخرى كقبائل «الأرومو» على التفكير في سلوك طريق المعارضة المسلحة، حتى إنه تم تشكيل قوة متمردة تحت اسم «الجبهة الموحدة للقوات الفدرالية والكونفدرالية الإثيوبية»، التي انخرط تحت لوائها مقاتلون من خلفيات مختلفة. كانت الضغوط تتزايد من أجل حث الطرفين على الجلوس إلى التفاوض. من ناحية لتقليل التكلفة الإنسانية الكبيرة التي كانت تخلفها الحرب في بلد بعدد سكان هو من الأعلى في المنطقة، ومن ناحية أخرى سعياً لتجنب الفوضى، التي يمكن أن تسببها حالة عدم اليقين، خاصة في حالة انتصار المعارضة المسلحة، التي تضم أطيافا واسعة يمكن أن تتحد مرحلياً خلف هدف إسقاط الحكومة، لكن لا أحد يمكنه أن يضمن استمرار اتحادها، خاصة مع الاختلافات السياسية والعرقية بين أطرافها المختلفة، وتحفظ الكثيرين على عودة «التغراي» مجدداً إلى الحكم، وهو التحفظ، الذي استفاد منه آبي أحمد في خطاباته، والذي أدى لتكوين مقاومة شعبية ساعدت في منع سقوط العاصمة. في مقال كتبته حينها بعنوان «التفاوض المستحيل في الأزمة الإثيوبية» حاولت تحليل أسباب رهان آبي أحمد على الخيار العسكري ورفضه لمبادرات «الاتحاد الافريقي» ومنظمة «إيغاد»، على الرغم من النفوذ، الذي تتمتع به إثيوبيا في المنظمتين الإقليميتين وحالة التعاطف الظاهرة معه ضد التمرد التغراوي.
كان آبي أحمد يصر على اعتبار أن الأزمة داخلية وأن حكومته هي الجهة الوحيدة، التي يحق لها مناقشتها، من المفارقات هنا أنه رفض وساطة رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك، الذي كان يترأس مجموعة «إيغاد»، والذي كان يتمتع بعلاقة طيبة معه، وجه المفارقة هو أن السلطة الحاكمة في السودان آنذاك، كانت تمنح الرئيس الإثيوبي الحق في التشاور حول «الوثيقة الدستورية» الحاكمة، كما كان لإثيوبيا نفوذ سياسي داخلي كبير في السودان، بسبب ارتباطات مجموعة «الحرية والتغيير»، التي هيمنت على النسخة الأولى من الفترة الانتقالية، فيها. ما كشفته تلك الأزمة كان أن العلاقة ليست ندية وأن تدخل أديس أبابا في تفاصيل الحكم السوداني لم يكن يعني بالضرورة السماح بتدخل مشابه من الخرطوم. بعد أقل من عامين على هذه الأحداث اندلع صراع مشابه في السودان، لكن الفارق كان أن القوة المتمردة لم تكن قادمة من إقليم بعيد عن العاصمة، بل كانت شريكة في الحكم ومتمركزة في مناطق حيوية واستراتيجية في العاصمة والولايات، ما جعل الأمر أكثر تعقيداً. كانت الضغوط التي تدفع للتفاوض من أجل حل الصراع موجودة منذ الأيام الأولى بدوافع تتنوع، ما بين الإشفاق الحقيقي على السودانيين، والرغبة في وقف إطلاق النار بأسرع وقت، وما بين تصفية الحساب مع الجيش السوداني عبر تشويه صورته ومساواته بميليشيا ظلت، حتى في وقت السلام، تعامل نفسها ويتعامل معها الآخرون كجسم غريب عن القوات النظامية.

ما قيمة التفاوض إذا كان سيقود إلى تعهدات لا يتم الالتزام بها، وما جدوى الوساطة، التي تضم جهات غير محايدة ومتواطئة مع متمرد يضغط على الحكومة باستهداف مزيد من المدنيين

تواجه السلطة المركزية في الخرطوم منذ شهور الحرب الأولى انتقادات عدة بادعاء رفضها الجلوس للتفاوض ورهانها على الحسم العسكري، على الرغم من أن من حق أي سلطة أن ترفض التفاوض مع المتمردين المسلحين، خاصة إذا كان ذلك التمرد يتعامل مع المدنيين كرهائن أو كدروع بشرية، إلا أن الخرطوم، في حقيقة الأمر، لم ترفض مبدأ التفاوض بشكل مطلق، وإن لم تخفِ تحفظاتها على مساواة كثير من الوسطاء الضمنية بين الجيش النظامي وقوات محمد حمدان دقلو (حميدتي)، التي تضم اليوم آلاف المرتزقة من دول متعددة. يرى كثير ممن تعرضوا لانتهاكات على يد الميليشيا في الحديث عن التفاوض تقليلاً من شأن ما حصل لهم، كما يخشون أن يكون في الجلوس على مائدة واحدة مع «الجنجويد» تمهيداً لإعادة الاعتراف بهم ولإعادة منحهم شرعية قد تعيدهم، بعد كل ما ارتكبوه من جرائم، إلى مربع إعادة تقاسم السلطة السابق. يفسر هذا ما يظهر في وسائل التواصل الاجتماعي من حساسية شعبية حول دعوات التفاوض. في مقابل ذلك يرى البعض غموضاً في المواقف الحكومية، ما بين قبول التفاوض حيناً ورفضه في أحيان أخرى ويتعمد ناشطون إبراز تصريحات مبتورة يظهر فيها تناقض تصريحات كبار المسؤولين، في إيحاء بأن الأمر لم يتم حسمه بعد. يجب أن نضع في الاعتبار أن هذا التشويش على الموقف الحكومي الثابت منذ اندلاع الأزمة في أبريل/نيسان من العام الماضي متعمد، وتقف خلفه جهات سياسية وإعلامية من خارج السودان، وأيضاً من داخله، وهي جهات تكاد لا تخفي رغبتها في إيصال الطرفين لمرحلة «الإنهاك المتبادل» المفضي إلى التفاوض، يهم هذه الجهات أن ينتج كل ذلك تفاوضاً يمكن عبره أن يحصل المتمردون على بعض المكاسب.
التفاوض، وفق المعادلات المعقدة على الأرض، مقبول ومرفوض في الوقت ذاته، فالحكومة، التي أرسلت موفديها للتفاوض في جدة منذ الأيام الأولى تحت مظلة الوساطة السعودية – الأمريكية، هي ذاتها التي تطالب اليوم بالتمسك بما تم الاتفاق عليه حينها، وعلى رأس ذلك مطلب الانسحاب من بيوت المواطنين المحتلة ومن كل المساحات المدنية الأخرى. الذي حدث، كما تابع الجميع، لم يكن فقط استمرار الميليشيا في احتلال المنازل والمستشفيات في الخرطوم، وإنما التمدد نحو مناطق ومدن جديدة قبل أن يجف حبر التوقيعات. ليس هناك، وفق هذا الواقع، ما هو غير مفهوم في رفض دعوات الحوار الجديدة، التي تبدو أقرب لمحاولة إضاعة الوقت من كونها طريقة لوقف الحرب، فما هي قيمة التفاوض إذا كان سيقود إلى تعهدات لا يتم الالتزام بها، وماذا ستكون جدوى الوساطة، إذا كانت سوف تضم جهات غير محايدة وظاهرة التواطؤ مع متمرد يضغط على الحكومة باستهداف مزيد من المدنيين.
كاتب سوداني

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول ٌRaida:

    مقال ثري وعميق يُشخّص الحالة السودانية بتفاصيلها .. الجنجويد لاوطنيين ومتكسبيّ سلطة وقناتهم مع امريكا والكيان الصهيوني فعالة,, الحب والسلام للسودان الشقيق

  2. يقول أسامة كلّيَّة سوريا/ألمانيا:

    شكراً أخي مدى الفاتح. ياسيدي الكريم أي مفاوضات هذه وهم جميهعم فقدوا ثقة الشعب السوداني. فعندما يقوم البرهان بالتعتون مع حمديتي والإنقلاب على حكومة حمدوك والإتفاق السياسي رغم كل الدلائل التي كانت تشير إلى أن الأمور تسير على مايرام!، عندها يكون الإنقلابيين جميعهم على نفس المستوى! ولاأرى حلاً أفضل في السودان (إن توفر غيره أصلاً لأن كل المحاولات حتى الأن أثبتت أن كلاهما يريد بالدرجة الأولى إقصاء الأخر لتغطية مشاركته في جريمة الإنقلاب)، إلا بعودة حكومة حمدوك. بدون ذلك سيستمرون في حماقاتهم وجريمتهم على حساب الشعب السوداني.

اشترك في قائمتنا البريدية