احتفى العراقيون بعودة منتخبهم الوطني إلى نهائيات كأس العالم، التي سيسدل عليها الستار خلال يومين. وجاءت العودة بعد غياب طويل، امتد لأربعة عقود، منذ أول تأهّل عراقي إلى دورة المكسيك عام 1986. وهو غياب يعكس أيضاً تبعات الحروب والحصارات التي جثمت على صدر البلاد والظلم والتهميش الذي تعرّضت له. كانت نتائج المباريات مخيبة للآمال، ويمكن أن نعزو بعض أو معظم أسباب ذلك، والعوامل التي أدت إليه، إلى الفساد، الذي ينخر كل المؤسسات والقطاعات في البلاد، وسوء التخطيط، وانعدام رؤية بعيدة المدى، وانعدام الهياكل والبنية التحتية الرياضية الضرورية لرصد وتنمّية المواهب في المراحل العمريّة المبكرة، ورفد وإغناء الفرق المحليّة، وبالتالي المنتخب.
يجيد الغرب التباكي على الأقليات والجماعات المضطهدة بعد أن تكون سياساته وتحالفاته وحروبه قد ساهمت في تدهور أحوالها
مع كل هذا وذاك، وبغض النظر عن خيبة الأمل والإحباط، فإن مباريات المنتخب الوطني كانت مناسبة وحيزاً لإظهار اللحمة والوحدة الوطنية، كما يحدث في مناسبات كهذه، وتأجيل، أو تهميش، الانقسامات الطائفية التي تعاني منها البلاد، وتوحيد الصفوف خلف عراق واحد، على المستطيل الأخضر، بالإضافة إلى علم البلاد الذي رفعه الجمهور العراقي على المدرجات، كانت هناك أعلام أخرى: الآشوري والكردي والأيزيدي. وكان هناك احتفاء وفخر على وسائل التواصل الاجتماعي بانتماء عدد من لاعبي المنتخب إلى إثنيات وقوميات العراق المختلفة، وبالذات من الشتات العراقي. وفي تعليق على صورة لأحد هؤلاء اللاعبين، كتبت إحدى المشجعات: «هذا اللاعب هو من سكّان العراق الأصليين»، بينما كتب آخر في أحد المواقع، أن نسبة اللاعبين من «السكّان الأصليين» في المنتخب الوطني تتجاوز نسبتهم من السكان وتشير إلى مساهماتهم المستمرة في البلاد.
ويعيدنا هذا إلى إشكاليات استخدام هذا المصطلح. وتبِعات تعميمه، لما يفترضه ويسقطه على الماضي، وضرورة التذكير بتاريخه ومرجعيته وحمولته وإحالاته، خصوصاً أنه أصبح شائعاً في السنين الأخيرة.
تعود بدايات استخدام (indigenous) في اللغة الإنكليزية إلى القرن السادس عشر، وهي مشتقة من اللاتينية (indegna) واستخدمها لأول مرة دبلوماسي لوصف شعوب السامويد في سيبيريا. ويشير الباحث مانفير سنغ في مقالة عن تاريخ المصطلح إلى أن استخدام (indigenous) (native) لم يكن يقتصر على البشر آنذاك، بل كان يشمل النبات والحيوان. وفي ما بعد شاع استخدام المصطلح للتمييز بين المستوطِن/المستعمِر، والسكان الأصليين، في البلاد التي غزاها الاستعمار الاستيطاني، والتي تشكّلت في العصر الحديث (أو الحديث المبكّر) بقيام جماعة من قارّة أخرى باستعمار بلد آخر، وقتل سكانه الأصليين و/أو تهجيرهم (على سبيل المثال: أستراليا، نيوزلندا، أمريكا الشمالية والجنوبية، جنوب افريقيا، وفلسطين وغيرها). بعد عقود من النضال ومقاومة عواقب وتبعات الغزو والاستعمار، وبناه وخطابه ومؤسساته والمطالبة بالاعتراف بحقوق السكان الأصليين، تكللت الجهود على الصعيد الدولي بإعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية في 2007. وكان قد سبقه في عام 2001 قرار لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة بتعيين مقرر خاص معني بحقوق الشعوب الأصلية.
هل تشكّل العراق الحديث في سياق الاستعمار- الاستيطاني؟ وهل من المناسب استخدام مصطلح «السكّان الأصليين»؟ مهما كان رأي المرء في ما يسمّي بالفتوحات العربية-الإسلامية، وبالعنف الذي رافقها، فإنها لم تكن استعماراً-استيطانياً. واستخدام هذا الإطار خارج سياقه التاريخي وإسقاط افتراضاته على ماض بعيد ومختلف، يختزل تاريخاً أكثر تعقيداً مما يظن البعض. بدأ استخدام مصطلح «السكان الأصليين» لوصف المسيحيين في بلاد المشرق، ينتشر قبل عقود في الشتات، في الولايات المتحدة وأستراليا بالذات. ومن قبل بعض غلاة القوميين من الناشطين/المهاجرين. وكان هؤلاء قد تمثّلوا خطاباً ولغة سياسيّة نابعة من سياق تهيكله ثنائيّة المهاجر/الأصلي في بلاد الشتات، ولا شك في أن استخدام المصطلح كان استراتيجيّة فعّالة (ويذكرنا هذا بما سمته المفكرة غاياتري سبيفاك، الجوهرانية الاستراتيجية، وهي توظيف الجواهرانية بشكل مؤقت واستراتيجي لخدمة نضال سياسي لفئة مضطهدة ومهمّشة)، نجحت هذه الاستراتيجية في استمالة وإقناع بعض الساسة بتبنّي القضيّة، لأنه يرسّخ سرديّة بسيطة تختزل تعقيدات الوضع وتاريخ البلاد بالاعتماد على استشراقيّة فجّة يكون فيها «السكان الأصليون» ضحايا في شرق إسلاميّ دائم العنف، طارد للأقليّات، ينتظرون خلاصاً يقدّمه، أو يساعد في تقديمه «الغرب المتحضّر». وجاءت «داعش» وأخواتها وجرائمها المروّعة، لترسّخ، أكثر فأكثر، هذه السردية. ويجيد هذا الغرب التباكي على الأقليات والجماعات المضطهدة بعد أن تكون سياساته وتحالفاته وحروبه قد ساهمت في تدهور أحوالها.
أنا لا أقلل البتة من العنف الخطابي والرمزي والتهميش والإقصاء، ولا العنف الممنهج والجرائم والمذابح، التي اقترفتها الأنظمة العراقية المتعاقبة، بدءاً من النظام الملكي، مروراً بالجمهوريات، ضد إثنيات وقوميات، وانتهاء بنظام ما بعد 2003 الذي مأسس ورسّخ الطائفية السياسيّة وخطاب وثقافة «المكوّنات».
يفترض مصطلح «سكان أصليون» تراتبية معينة وأسبقية ما ،وبالتالي تصبح جماعة ما، أصليّة أكثر من غيرها وجماعات أخرى «أقل أصليّة» أو «ضيوفاً» (هذا ما كتبه، مثلاً، بعض المثقفين العراقيين بعد احتلال الموصل، وتهجير مسيحييها، في مزيج من عاطفيّة مفرطة وكسل تاريخي) وهذا هراء. فلن ينتهي الجدال والصراع حول من هم الأكثر أصليّة. تبدو فكرة المواطنة والمساواة وكأنها بعيدة المنال وصعبة التحقق! الانتماء هو انتماء الوجود في المكان، سواء كان عمر الرموز والآثار والسرديات التي تتبناها وتتخيلها الجماعة آلاف السنين أو 100 سنة!
كاتب عراقي