أثناء نقاش عام كان يُحذّر فيه من انزلاق الجزائر نحو الفوضى والاضطرابات مثل سوريا، قال السياسي الجزائري نورالدين بوكروح بلكنته العاصمية الموزونة وصوته الحاد إلى درجة الإزعاج: «السوريون على الأقل متعلمين وفاهمين، أوروبا فتحت لهم أبوابها واستقبلتهم. احنا يكرهونا، وحق ربي واحد ما يشوف لينا» (لا أحد سيكترث لأمرنا).
في كلام السيد بوكروح نسبة من الصواب. هناك دائما لدى أوروبا نظرة مختلفة إلى عرب المشرق مقارنة بنظرتها لسكان المغرب العربي. هذه النظرة فرضها التنوع الثقافي والديني والعرقي المعقد في المشرق، ورصيد تاريخي من الاضطهاد والحروب كانت أوروبا (ثم أمريكا لاحقا) طرفا دائم الحضور فيها.
مع سكان المغرب العربي كانت العلاقة دائما حادة وخالية من أسباب التعاطف.
لكن ماذا حلَّ بالسوريين «الفاهمين والمتعلمين» حتى تصيبهم كل هذه المعاناة التي يشهد عليها العالم أجمع؟ طالت المعاناة زمنيا وتدحرجت فكان آخر فصولها أن تحوّلت مجموعات من مقاتلي الحرية والديمقراطية ضد الطاغية بشار الأسد ونظامه، وأفواج من الصامدين أمام «المؤامرة الكونية» على سوريا، إلى وقود لحرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، بعيدة عنهم جغرافيا ولا تعنيهم استراتيجيا، مسرحها ليبيا.
اتفقت تركيا وروسيا على وقف لعبتهما في سوريا، ثم اتفقتا على نقلها إلى ليبيا. يجب هنا الثناء على نجاح البلدين في إدارة لعبتهما وإخفاء هذا الموضوع وإبقائه تحت السيطرة. إلى اليوم لم يشاهد العالم بيقين سوريين جلبتهم تركيا يقاتلون في صفوف قوات حكومة الوفاق الوطني. ولم يشاهد في ميادين المواجهة سوريين يقاتلون في صفوف قوات اللواء خليفة حفتر. كل ما هنالك دعاية ودعاية مضادة من معسكري الحرب الليبيَين، ولقطات مصوّرة نادرة وغامضة يجري توظيفها حسب الغرض والموقف مما يجري في ليبيا.
وجود هؤلاء المقاتلين بالعشرات والمئات في الأراضي الليبية، إذا تأكد، يقول عن سوريا أكثر مما يقول عن ليبيا. ويعكس مرارة الوضع في سوريا أكثر منه في ليبيا التي هي مسرح «عمل» هؤلاء المقاتلين الآن.
إذا كان لا بد من عنوان لهذا الواقع المُر، فسيكون: النكسة السورية الكبرى.
الثورة السورية انتهت إلى انتكاسة لم تكن تخطر على بال. وحرب الأسد على «المؤامرة الكونية» انتهت إلى خراب لا خراب بعده.
هؤلاء مثل أولئك، فقدوا حريتهم وسيادتهم فجعلت منهم روسيا وتركيا وقودا لخلافاتهما في ليبيا، بعد أن لعبتا عليهما وبهما في سوريا.
الثورة السورية انتهت إلى انتكاسة لم تكن تخطر على بال. وحرب الأسد على «المؤامرة الكونية» انتهت إلى خراب لا خراب بعده
لو أن الثورة السورية انتهت إلى أي شيء آخر غير النكسة، لَمَا رضيَ المقاتلون السابقون من أجل الحرية بتحويل بنادقهم إلى ميادين أخرى واستهداف الليبيين.
ولو لم ينته «صمود» بشار الأسد في وجه «المؤامرة الكونية» إلى خراب، لَمَا وجد الروس رجلا واحدا داخل سوريا الأسد يجنِّدونه لدعم حفتر أو غيره.
الفئة الأولى أخذتها المرارة مما آلت إليه من حال يعبّر عنها بوضوح ذلك الطفل الذي كشف عن جنس جنينه بإضاءة برج خليفة في دبي ثلاث دقائق مقابل ثروة هائلة بينما يموت أبناء وطنه جوعا وبردا وكمدا في المخيمات. وأخذها خذلان العالم لها ولقضية شعبها، وتواطؤه في كثير من الأحيان مع جلادها. هذا الوضع ترتبت عنه مآسٍ إنسانية واقتصادية واجتماعية كثيرة وكبيرة، لا يشعر بها إلا من عاشها.
والفئة الأخرى أخذها الإحباط من انتصار تسمع عنه في الدعاية الحكومية ولا ترى ثماره في الواقع. وهذا الوضع ترافقه أيضا مآسٍ متنوعة كثيرة لا تقل خطورة.
إضافة إلى فقدان السيادة والقرار، يبدو أن الهشاشة في المعسكرين، والرغبة الجامحة في التحرر من المستنقع السوري نحو أيّ وجهة كانت، سببا آخر في تحويل البنادق إلى المسرح الليبي.
لم يُعرف عن السوريين في معسكر الأسد وفي معسكر المعارضة المسلحة معًا، خلال السنوات الثماني المنقضية، قدرات عسكرية خارقة تُغري بتجنيدهم. لم تثبت أيٌّ من الجهتين جدارة قتالية لافتة وقادرة على حسم مصير المعارك. كانت الحرب بينهما بلا شرف وعبثية بامتياز.
احتاج كل معسكر إلى دعم خارجي ليفرض نفسه على الأرض ويحقق انتصارات تكتيكية بعضها مؤقت ومتقلب. كل ذلك مقابل ثمن، التوجه إلى ليبيا جزء منه، حتى ولو لم يتم الاتفاق على ذلك مقدما.
يعرف الأتراك والروس كفاءة المقاتل السوري من الداخل. لهذا من المستبعد أنهم عوّلوا على هؤلاء المقاتلين في حسم المعارك بليبيا. أقصى طموحات الروس والأتراك من جلب المقاتلين السوريين، منع الهزيمة، كلٌ في معسكره، والحفاظ على رحى الحرب تدور بوقود غير تركي وغير روسي.
مع بداية الحديث عن هدنة أبرمها طرفا الحرب في ليبيا في الأسبوع الثالث من الشهر الماضي، تراجع الكلام عن الطائرات العسكرية الروسية والتركية (و»أجنحة الشام») التي تحط في مطارات ليبيا محمّلة بالمقاتلين السوريين. لكن الطائرات لم تتوقف عن نقل المقاتلين السوريين.
إذا استمرت الهدنة في ليبيا ونجحت العملية السياسية في إسكات صوت البارود إلى الأبد، سيحدث للمقاتلين السوريين هناك ما حدث تقريبا لمقاتلي «داعش» الأجانب بعد هزيمة التنظيم في العراق وشمال سوريا. مع فرق أن الفئة الأولى رعتها منظمة إرهابية عابرة للحدود، والثانية رعتها دولتان عضوان في الأمم المتحدة أمام مرأى العالم وسمعه.
كاتب صحافي جزائري
مقال متوازن
فثوار سوريا مشتتين, أما النظام فمتماسك!! ولا حول ولا قوة الا بالله
قال تعالى ( أما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) صدق الله العظيم