على عكس بطرس الأكبر، وبما لا يشبهه على الإطلاق، لم يجرؤ بوتين على البدء شمالاً و»استعادة» الأراضي الفنلندية والإستونية وغيرها، وعلى موانئ بحر البلطيق هنالك كلّها؛ بل أراد أن « يستعيد» حالياً السيطرة على بحر آزوف، كما فعل بطرس في ما بعد، في حملتيه الشهيرتين اللتين استخلص فيهما مصبّ نهر الدنيبر وما يحيط به، ومصبّ نهر الدون وما يحيط به، وكذلك على معقل القوزاق الشهير في زاباروجيا.
ليستعيد بحر آزوف بمجمله، رفع بوتين راية حماية حقوق أهالي» الجمهوريتين» الصغيرتين المتمرّدتين في دونيتسك ولوغانتسك، من طغيان الأكثرية الأوكرانية وعسفها، ولكنه كان كاذباً في ذلك أيضاً، فقبل حملته الحالية بتسعة أشهر كان قد تقدّم بمقالة مهمة، كان ينبغي قراءتها جيداً يومذاك، لكونها تحدّد بدقة هدف الحرب القائمة الآن، وإلى أمدٍ غير معروف.
في 12 تموز/يوليو من العام الماضي، وبنصّه المنشور في موقع الكرملين، احتوى ذلك المقال على سردية مشوّقة وصادمة في الوقت نفسه، تبيّن التاريخ المشترك الذي كان لروسيا، المثلثة المكوّنات: روسيا العظمى، وروسيا الصغرى، وروسيا البيضاء. مع استفاضة في انتقاء كلّ ما يجمع تاريخ تلك «العظمى» إلى تلك «الصغرى»؛ كما يُترجم اسم أوكرانيا «مالوروسيا» أو «الطرفية- الهامشية» كما يُترجم اسمها الفعلي باللغة الروسية القديمة أيضاً، التي تترابط مع الأوكرانية جيداً. وكانت تسمية روسيا الصغرى مستعملة في العصر الوسيط حتى القرن الثاني عشر، عندما ساد اسمها الحالي، أوكرانيا. وبالمناسبة هذه، فقد ابتدأت نواة روسيا بالظهور في التاريخ حوالي عام 1300 من خلال «بلدية ومنطق موسكو» التي مرّت بثلاث عشرة مرحلة من التوسّع والتبلور عبر التاريخ، حتى وصلت إلى روسيا القرن التاسع عشر، التي نعرفها. «نحن شعب واحد ومصيرنا واحد وسوف نكون واحداً» هذا ما أراد بوتين قوله بوضوح ودون التباس. وقد أنهى مقالته تلك بالقول: «أنا على ثقة تامة في أن السيادة الوطنية الحقيقية لأوكرانيا ممكنة فقط بالشراكة مع روسيا. تشكلت روابطنا الروحية والإنسانية والحضارية على مدى قرون، وتنبع من الينابيع ذاتها، وتوطدت بسبب التجارب والإنجازات والانتصارات المشتركة. قرابتنا انتقلت من جيل إلى جيل. إنها في قلوب وذكريات الناس الذين يعيشون في روسيا وأوكرانيا الحديثتين، في روابط الدم التي توحد الملايين من عائلاتنا. معا كنا دائما، وسنكون أكثر قوة ونجاحا مرات عديدة. فنحن شعب واحد. اليوم، قد ينظر بعض الناس بعداء إلى هذه الكلمات. يمكن تفسيرها بعدة طرق ممكنة. ومع ذلك، سوف يسمعني الكثير من الناس. وسأقول شيئا واحدا – لم تكن روسيا ولن تكون أبدا مناهضة لأوكرانيا. وماذا ستكون أوكرانيا؟ الأمر متروك لمواطنيها لاتخاذ القرار».
قد نراجع نحن السوريين حكمنا على بشار الأسد ونظامه، بأنه الأكثر كذباً في التاريخ، لنرى حقيقة كون بوتين معلّماً لا يُشقّ له غبار في هذا الميدان
ولا يمكن ترجمة ذلك بأي لغة – مفيدة- إلّا بمعنى واحد: هذه أرضنا وهذا شعبنا، ونحن قادمون! في الواقع، وصف الرئيس زيلينسكي المقال على أنه رَجع لقصة قابيل وهابيل، ووصفه الرئيس السابق بوروشنكو على أن تكرار لخطاب هتلر الشهير حول منطقة الزوديت، قبل غزو تشيكوسلوفاكيا. في حين قالت مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي عن المقال إنه «سند تاريخي وسياسي وأمني لغزو أوكرانيا». وقال عضو منتدى ستوكهولم العالمي الحر أندرس آسلوند إنه «على بعد خطوة واحدة من إعلان الحرب». رغم ذلك، تمسّك بوتين ومؤسساته برواية «الضمانات الأمنية» وخطر انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو في فترة التحضير النهائي للحرب.. ثمّ برواية الدفاع عن أهل «الجمهوريتين» اللتين تعرّضتا لحرب إبادة فقدوا فيها 11 ألف ضحية على مدى ثماني سنوات ـ على الأقل. ثمّ بالرواية الأكثر غرابة حول نازية زيلينسكي (اليهودي) أو الانطلاق أيضاً من التفاف أعداد محدودة من الأوكرانيين حول إرث بانديرا أحد قادة حرب التحرير ضد الاحتلال السوفييتي في الحرب العالمية الثانية، الذي اغتالته « كي.جي.بي» في ميونيخ عام 1957.. وهي ظاهرة سلبية لم تظهر إلّا بعد إلحاق القرم وتهديدات بالحرب القائمة الآن، ومعظمها يهدف إلى إغاظة الروس، نحن العرب عرفنا سيلاً من تلك الظاهرة في زمن الحرب العالمية أيضاً.
قد نراجع نحن السوريين حكمنا على بشار الأسد ونظامه، بأنه الأكثر كذباً في التاريخ، لنرى حقيقة كون بوتين معلّماً لا يُشقّ له غبار في هذا الميدان. وربّما لا ينطبق هذا الحكم بالطريقة نفسها على مقالة كاتب روسي مهم اسمه بطرس أكوبوف، بعد بداية الحرب مباشرة في وكالة ريا نوفوستي الروسية الرسمية، تمّ حذفه بسرعة فائقة قبل أن يطلّع عليه العالم، ولكن بعد أرشفته – لأسف القيادة الروسية – وحفظه؛ في حين لم يُحذَف مقال بوتين المشار إليه بالطبع. كان عنوان مقال أكوبوف» عالم جديد يولد أمام أعيننا». جاء فيه أن روسيا بغزوها أوكرانيا «تستعيد وحدتها» وتقدم «الحلّ للمسألة الأوكرانية» في استعادة – ربّما- لنظرية «الحلّ النهائي» للمسألة اليهودية في ألمانيا الهتلرية. تلك المسألة بحاجة إلى حلّ لسببين رئيسين، حسب أكوبوف: أولهما هو عقدة الشعب الواحد المنقسم، التي حدثت عندما فقد الشعب الروسي جزءاً من أساساته الأصلية (كييف) ثم جرى إجباره على العيش في دولتين منفصلتين، كأنهما لشعبين منفصلين أيضاً. وثانيهما منع أوكرانيا من أن تكون معادية لروسيا، ومخفراً أمامياً للغرب. قال أيضاً إن روسيا «تستعيد اكتمالها التاريخي، وتجمع العالم الروسي والشعب الروسي كلّه معاً، من سكان روسيا العظمى وروسيا الصغرى وبيلاروسيا»- انظر كلام بوتين أعلاه. وقد تحمّل فلاديمير بوتين مسؤولية تاريخية بقراره «عدم ترك المسألة الأوكرانية من دون حلّ». «لا أحد في الصين والهند وافريقيا وأمريكا اللاتينية والعالم الإسلامي وجنوب شرق آسيا، يؤمن بأن الغرب يقود النظام الدولي، ناهيك من وضع قواعد اللعبة». قال أبوكوف ذلك قبل أن تصوّت سوريا الأسد وكوريا كيم جونغ إيل وبيلاروسيا لوكاشنكو وإرتيريا آسياس أفورقي وحدها ضدْ قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بإدانة الغزو الروسي، ويا لخجل بوتين! وأضاف بعدها أن روسيا «لم تقم بحربها بتحدّي الغرب وحسب، بل أظهرت أن عصر الهيمنة الغربية على العالم قد انتهى تماماً وأخيراً».
أليس عادياً وطبيعياً إذن أن يقوم أوكرانيون باستدعاء عفاريت القومية المتعصبّة في المقابل؟ كما فعلوا مثلاً مع ذكريات الحرب والاحتلال الروسي، وربّما يفعلون مع حكايات القوزاق وبطولاتهم شبه الخرافية؟! ثم ألا يمكن أن تجد تلك الأزمة ثغرة للتنفيس والتفريغ في الاعتزاز ببياض البشرة وزرقة العيون أمام غيرهم من لاجئي الله الملونين في أوروبا؟! وذلك مجرّد استطراد واقعي، ينبغي ألّا ننساه وننساق في وجه الغطرسة البوتينية الفارغة، لنصل إلى تمييز مضاد، ينسينا ما نعرفه في روسيا من الروعة والإبداع والدفء: أصدقاء شبابنا مِن بوشكين إلى ليرمنتوف وغوغول وتورغينيف وتولستوي ودوستويفسكي وتشيخوف وغوركي وإيتماتوف وأحمدوفا، ومِن آيزنشتاين إلى بوندارتشوك وتاركوفسكي، ومِن ومِن ومِن.. وحين انتصر بطرس الأكبر على السويد في حربه الشمالية الثانية، واستعاد مناطق مهمة من فنلندا والبلطيق كلّه، كان ثمن ذلك هو الفشل الذريع أمام العثمانيين في منطقة البحر الأسود.. وفي حين قد يربح بوتين حالياً بعض الشيء في منطقة البحر الأسود، فإنه لن يربح شيئاً في الشمال، ولا في الغرب. وعلى طريقة تعبير ذلك الكاتب اللامع – المشار إليه أعلاه- فإن ذلك سيرتدّ على «البعد الرابع»- في روسيا ذاتها- ولكن ليس نجاحاً، بل خسارات متسلسلة مقبلة.. مع أن احتمال خراب العالم ليس منعدماً بدوره!
كاتب سوري
بوتين مصمم على خرق القانون الدولي، وإذا كان يدمر أوكرانيا ويشرد أهلها على مرأى ومسمع من العالم دون أن يكون أحد قادرا على التدخل، فما بالك بما فعله بسكان القرم وإقليم الدونباس التي يتم الادعاء بأنها انفصالية، خاصة وأنها مرتع لميليشيات موالية له، ثبت أنه متورط بتقديم الدعم المالي والعسكري لها، وهو الشيء الذي وضعه تحت طائلة العقوبات منذ 2014، هذا دون نسيان انتهاكات خطيرة للسيادة الأوكرانية، ليس أقلها منح جوازات سفر روسية لسكان اقليم الدونباس.
لا نعرف إن كان بوتين محاطا بأشخاص قادرين على التحكم بانفعالاتهم ، يعرفون مايفعلون وقادرين على إبقاء الأمور تحت السيطرة وعلى إسداء النصح له خاصة إذا أحس أنه دخل مستنقعا، أم أنه سيقدم على أفعال متهورة يدفع الجميع ثمنها. (نتمنى أن يكون التهديد بالنووي والكيماوي مجرد حرب نفسية).
أخرج موسى قومه من مصر فلحقهم فرعون لقتلهم فغرق وجيشه وتفككت إمبراطوريته، والآن يحاول زيلنسكي إنقاذ قومه رغم قلة موارد فأحاطهم بوتين وجيشه براً وبحراً وجواً لكن يمكرون ويمكر الله فجند العالم الحر بخدمة الأوكران سياسيا وماليا وعسكريا واقتصاديا وإنسانيا كماً ونوعاً بسرعة فائقة وتكاتف فريد لحكومات وبرلمانات وشعوب وشركات فبات بوتين وجيشه ونظامه محاصرا ومعزولا عالميا وصولا لانهيار الإتحاد الروسي اقتصاديا واجتماعيا وتفكيكه واستقلال مناطق القوقاز وقوميات أخرى محتلة وإبعاده عن بحر الأسود وقزوين والبلطيق.
غريب كلامك كانك مش عربي مسلم
كلامك بدل على تايد الغرب على احتلال وصيطره على كل مناطق الشرق . الغرب فكك ودمر كل دول الاسلام والغرب خدم مصالح إسرائيل اولا وتفكيك أروبا هدف سيطرة أمريكيا على كل الارض مين الذي يستحق لقب هتلر المدافع عن حماية ام الذي يحاصر ويدمر الدول القويه ويزرع ترسانت الاسلحه الخاصه له في كل الدول واستخدام الضغط الاقتصادي والنفسي على الجميع اين الحريه الان في كافة بقاع الأرض التحكم حتى في الامراض المعده واستخدام الحضر سلاح اقتصادي
بوتين يصنع هوية جديدة للعالم وسواء انتصر او لا المعادلة هي أن روسيا غيرت وستغير العالم نحو الافضل مهما كانت النتائج
يجب أن تذهب وتعيش في روسيا لترى بأم عينك التغيير نحو الأفضل الذي تحلم به سيادتك.
من الصعب علينا نحن من خرجنا من تاريخ العالم وجغرافيته ونعيش عالما اخر لا تنطبق عليه ايه معايير حريه ، ديموقراطيه او الحق بالمطالبه بتطبيق معايير حقوق الانسان وحق تقرير المصير ان ندلي بدلونا فيما يحدث كونه يحدث خارج عالمنا المهزوم والمنبطح
ردا على الاخ الكاتب المحترم من سوريا الفيحاء الشقيقة اود ان اقول لك ان روسيا منذ فترة حكم ايفان الرهيب او قبله الى اليوم لم تمسنا بسوء ولم تغزونا ولم تحتلنا نحن العرب من المحيط الى الخليج في حين ان الغرب بصفة عامة لم يتوقف عن تقتيلنا واحتلالنا واغتصاب ارضنا ونهبنا اموالنا وسلب خيراتنا ومنعنا من التطور والوحدة هم العدو يا اخا العرب روسيا لم تتدخل يوما في شؤوننا روسيا صديقة للعرب ساعدتنا في حربنا ضد العدو الصهيوني ساعدتنا بمستشارين عسكريين وباسلحة اثناء حرب ٦٧ و ٧٣ . بوتين غير كاذب بل صادق زد على ذلك ليس لنا الحق التدخل في شان روسيا الداخلي بوتين يريد ان بوحد الشعب الروسي وذلك شانه اليس جميلا ان توحد شعبا الا تتمنى اخي ان نتوحد نحن الشعب العربي في وطن واحد ؟ . تعاطف مع بوتين من اجل توحيد الشعب الروسي لاننا نفتقد ونطمح ونحتاج لهذه الوحدة المنشودة . والسلام عليك اخي ?
الذي نعرفه عن بوتن :هو أنه قارئ نهم ومهتم كثيرا بتاريخ الشعوب السوفياتية .. بمعنى : إنه ليس طرطورا …
روسيا الدولة الوحيدة حاليا التي تتحدى تنمر الغرب الليبرالي الإستعماري الذي دمر الشعوب ونهبها خاصة نحن شعوب العالم الثالث