خلال عمليات عودة المواطنين المغاربة إلى مقارّ عملهم، أو إقامتهم بديار المهاجر، المحفوفة بغير قليلٍ من ضروب المعاناة والمخاطر، كانت موانئ شمال المغرب قد عرفت فى المدّة الأخيرة إكتظاظاً شديداً ليس له نظير، حيث شهدت مدن الحسيمة، والناظور، وطنجة، ناهيك عن معابر مدينتيْ سبتة ومليلية السّليبتين تجمّعاتٍ بشرية غيرَ مسبوقة، وازدحاماً للسّيارات على غير العادة، خلال عملية العودة بعد انصرام العطل، إذ تجمهرت فيها أعداد هائلة من المسافرين المغاربة العائدين إلى الديار الأوربية.
كلّ الموانئ المقابلة للضّفاف الأوروبيّة عرفت صَخَباً، ولجَباً، ودَأباً لا مثيل له، حيث سجّلت الكاميرات، والهواتفُ المحمولة مشاهدات مؤسفة نظراً للنّقصٍ الذريع فى الإعدادات التي تتبجّح بها في هذا الشأن الجهات الوصّية المعنيّة بهذا القطاع من المسؤولين المُكلّفين بالمغاربة المقيمين في الخارج وشؤون الهجرة.
تجربة مُواطن عائد من بَلدِه إلى مَهْجَرِه
قبيْل إقلاع البواخر كانت السّيارات تتوارد، وتتوافد، وتتقاطر، وتتسابق وتتلاحق بدون انقطاع لتأخذ مكانَها فى المواقف المُخصّصة للمسافرين، وكانت الحرارة لا تُطاق، كان الناس وُقُوفاً تحت لهيب لفحة شمسٍ حارقةٍ، ملتهبةٍ، حاميةِ الوطيس.
يُضاف إلى ذلك خَصَاص واضح فى المرافق المُخصّصة للنظافة، ودورات المياه، والمراحيض وما أشبه، هذا ما عاشه عشرات المغاربة من العائدين إلى بلدان إقامتهم حسب الأخبار التي وردت علينا من الموانئ المغربية والمرافئ الإسبانية المحاذية للسّاحل المتوسّطي، كان الناسُ فى حيرةٍ من أمرهم، الأطفالُ يصرخون، والصِّبْية يصيحون، والآباء يهرولون نحو مكاتب الشّرطة لختم جوازاتهم، ونحو إدارات، ورجال الجمارك لتنحية تسجيلات خروج السيارات ذات اللوحات الأجنبية من جَوْف الحواسيب الإلكترونية المتطوّرة التي سجّلتها بإتقان عند دخولهم إلى أرض الوطن.
كانت هذه الاجراءات تبدو للعيان لدى رجال الشرطة وكأنّها تسير على خير ما يُرام.. أما عند رجال الجمارك فكنت تراهم يقفون، ثمّ يتحرّكون، يجُولون، ويجُوبون، ويصُولون، وينتظرون، وينظرون نظراتٍ مُمعنة مريبة نحو هؤلاء وأولئك خاصّة الذين يرتدون منهم بِدَلاً رماديّة سميكة شبيهة بمعاطف رجال المطافئ، وكان بعضُهم يحمل أدواتٍ حديديةً دقيقة للعمل لفسخ بعض أجزاء، وأطراف، وواجهات السّيارات التي يتطرّق الشكّ في أذهانهم بشأنها، من مفكّات البراغي، وكمّاشات، وملاقط فولاذية، كانت السيارات تقف مُصطفّة أمامهم وهم ينحنون على هذه، ويتّكئون على تلك، وهناك من يمتحن العجلات المطاطية ويطبطبُ عليها براحة يديه، وهناك من يقوم بإطلالة على المحرّكات، و بين ثنايا الكراسي الأمامية والخلفية وواقيات التصادم، كانت هذه العمليات في بعض الأحيان تدوم بضع دقائق معدودات، وقد تستغرق في أخرى أوقاتاً طويلة مُضنية، مردّ هذه الإجراءات التفتيشية الدقيقة يعود إلى التخوّف من تهريب المحظورات، و تسريب الممنوعات بين العدوتيْن المغربيّة والأوروبيّة.
لا ميز ومحسوبية
تبدو الأمور في الوهلة الأولى اعتيادية، طبيعيّة، وروتينية، ولكنها في العمق تتمّ فى أجواء يشوبها القلق والحيطة، إذ معروف أنّ رجال الجمارك فى الغالب فى مختلف بلدان العالم هم أناس جدّيُون فى عملهم ولا تعلو البّسمة مُحيّاهم إلاّ لماماً، وهو معذورون في ذلك على كلّ حال نظراً للمهمّة الصّعبة والشاقة المنوطة بهم التي تتطلّب الثقة، والأمانة، والوفاء، والصّرامة، والجديّة والإنضباط، ويفوز غالبيّة رجال الشّرطة في هذه المهام بقصب السّبق، لذا فهم حريصون على الإبتسام، وهذا شئ محمود وجميل، أمّا الجمركيّون فمن عادتهم أن ينظروا إلى المُسافرين بنظراتٍ ثاقِبة، صَارِمة، جاحِظة، وهم يحدّثونهم بلغة الآمر النّاهي، (افتحْ أبوابَ السيّارة، افتحْ مُستودَعَها، أنْزِلْ الحقائبَ والحاجيات..)!
يجري التفتيش الدقيق على مختلف الواجهات بتأنٍّ، وتريّثٍ، والكاميرات الذكيّة الخفيّة لا تتوقف عن التصوير، والتسجيل، وهي تراقب رجالَ الجمارك والمسافرين فى آن واحد، وتُوحي بعض عمليات التفتيش للناظر أنّ الأمر يبدو وكأنّ بعض المسافرين فعلاً هم مُهرِّبون أو مُتواطِئون فى التهريب ممّا يُسبّب لبعضهم نوعاً من الإحراج.
وقد أصبحت عمليات التفتيش مؤخّراً تشمل جميع المسافرين على اختلاف درجاتهم في الدّولة، وهذا أمر محمود يدخل في باب الحِرص على أداء هذه المهمّة الدقيقة على خير ما يُرام بالتساوي بين جميع المواطنين بدون ميز ولا حيف، ولا محسوبية في الحقوق والواجبات..! وبعد انتهاء عمليات التفتيش المضنية يتقدّم المواطنون في هدوء بسيّاراتهم المُثقلة بالبضائع، والسّلع، والهدايا والحاجيات الخاصّة بهم وقد أضناهم التّعب والعياء، يتقدمون نحو مدخل الباخرة الرّاسية على حافة الميناء وكأنّهم داخلون إلى فوهةِ مغارةٍ مُعتمة، ومن وراء زجاج سياراتهم السّميك كانت تبدو لهم ممرّات المرآب داخل الباخرة العملاقة وكأنّها دهاليز أنفاق طويلة تتخللها أضواء خافتة، حالكة وباهتة.
اكتظاظ مسبُوق
على ظهر المركب الاسباني العملاق كانت تبدو لنا الأمور فى هذه التواريخ من العام غير طبيعية، ولن نذهب بعيداً فبعض المراكب التي غادرت الموانئ المذكورة أعلاه، وبشكل خاص ميناء مدينة الحسيمة في إتّجاه مدن الساحل الإسباني كانت شبيهة بمراكب الهجرات المُنظّمة، أو الهجرات غير الشّرعية التي أصبحنا نراها هذه الأيام في عرض البحار بدون انقطاع، أو تلك التي كانت تتمّ خلال اندلاع الحروب الكبرى، وتفاقم الأزمات الجهوية، و نشوب الخلافات الدولية، أو عند ما كانت تحطّ الحروبُ أوزارَها، أو يندلع أوارُها.
كان أحد هذه المراكب شبيهاً بالسّفن التي تمخر البحرَ بين أرخبيلات الجزر الآسيوية المتناثرة فى غياهب المحيط الهادي المترامي الأطراف، والتي تُنهي إلينا الأخبار بين الفينة والأخرى أنها غالباً ما تنتهي بكوارث مأساوية مأسوفٍ عليها فى عرض أعالي البحار نظراً لحملها أكثرَ من طاقاتها الإستيعابية من المسافرين، كان أحد المراكب الذي برح ميناء الحسيمة غاصّاً بأفواج هائلة من البشر من أطفال، ورجال، ونساء، وشيوخ، وشباب، وصبيان وصبايا..كلهم ينتمون لأجيال مختلفة، وكانوا ذوي أعمار متفاوتة، على الرّغم من أنّهم دفعوا الثمن المحدّد للرّحلة إلاّ أنهم – على ما يبدو- لم يجدوا المقاعد الكافية للجلوس، فكانوا يتمددّون في كلّ مكان على أرضية المركب، العاملون في السّفينة من ندلاء، ومُرشدين، ورجال النظافة لا يقولون لهم شيئاً البتّة عمّا ما يشاهدونه من إختلالات لا يسمح بها قانون الملاحة الدولي، على عكس ما يحدث، ويُطبّق بصرامة في مراكب السّفر الإسبانية الأخرى الرابطة بين مدن مالقة، والجزيرة الخضراء، وألمريّة، وموتريل وبين مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، وكأنّ هذا التصرّف هو أمر مباح ومسموح به على ظهر هذه السفينة بشكلٍ إستثنائي.. ولا شكّ أنّ هذا المنظر ينبئ أو يُوحي أنّ السّفينة ربما كانت تحمل أزيدَ ما تتحمّله طاقاتها الإستيعابية، وبالتالي لم يجد المسافرون مقاعدَ كافية للجلوس، كان ذلك المنظر يقطّع نياط القلوب.
إنّما أولادُنا أكبادُنا
آهٍ.. على تلك الأجيال الصّاعدة الذين يهاجرون، ويقطعون البحارَ، ويجوبون الفيافيَ والقفارَ لضمان لقمة عيشهم اليومي..مُخلّفين وراءَهم الوطنَ الغالي، وتاركين آباءَهم، وعوائلَهم، وأقاربَهم وراء البحر، هناك خلف الآفاق البعيدة المترامية الأطراف، ويتبادر إلى الذّهن وأنت تنظر إليهم، أو عندما ينتهي إليك أنينُهم، وصِياحُهم، وتأوّهاتُهم، وأنت تُصغي لأحاديثهم، ومحاوراتهم، وشكاويهم، يتبادرُ التساؤل التالي :
أيّ مُستقبلٍ ينتظر هؤلاء ؟ سواء في بلدان مهاجرهم أو في بلدانهم الأصلية ؟، إنك عندما تنظر إليهم تشعر وكأنّهم حديثو النّزول من برج بابل الأسطوري الشّاهق الذي بلبل الله فيه ألسنة هؤلاء الذين حاولوا تسلّقه ورمي الشمس بالسّهام، والنبال، والأقواس، فصاروا يتحدثون فيما بينهم بلغات متباينة غير مفهومة، آبّاء يتحدثون مع أبنائهم، أو أبناء يخاطبون آباءَهم بلغات عديدة مختلفة، وبلهجات بها رطانة يمجّها الذّوق، فتسمع فى كلّ لحظة وحين تمتمات، وهمهمات، وفقرات، أوتعابير متقطّعة أو كلمات متقاطعة من مختلف اللغات : الهولاندية، والألمانية، والإيطالية، والفلامانية، والفرنسية، والإسبانية، والكتلانية، والإنكليزية، وأخيراً الرّيفية الأمازيغية، والدارجة المغربية في ندُرةٍ وخَصاص.!
رحلة العودة
هذه الجالية التي تبذل قصاراها من أجل العودة إلى وطنها الأصلي فى مختلف المناسبات، والتي تواجه مخاطرَ شتّى خلال رحلتيْ الذهاب والإياب، إذ يتعرّض غيرُ قليل من أفرادها لهجومات قطّاع الطرق، واللصوص والعصابات المنظمة المتخصّصة التي تتعرّض لهم مستعملةً مختلف الوسائل، والحيل، والمكايد، والدسائس لسرقتهم، والسطو على أمتعتهم، كما أنهم يعرّضون أنفسَهم وأولادَهم وذويهم لأخطار حقيقية مُحدقة فى الطرقات حيث يكون العياء قد أخذ منهم مأخذَه فيصبحون عرضة لحوادث السير، والتصادم لعدم استطاعتهم توفير الرّاحة اللاّزمة لأنفسهم خلال مسافات السفر الطويلة المضنية، أو أثناء رحلة العودة إلى المهاجر المحفوفة بالمخاطر.
هذه الجالية جديرة أن تحظى بمزيد من العناية، والرّعاية، والإهتمام، وحتى وإن كانت الجهات المعنية الوصيّة تبذل جهوداً مضنية لتقديم الدّعم والمساعدة الضروريين لها كلّ عام، هذه الجالية التي تقارب الستّة ملايين نسمة من مغاربة العالم الذين يدعمون إقتصادَ بلادهم بما يحوّلونه سنوياً إليها من مبالغ طائلة تزيد على 65 مليار درهم من العملة الصّعبة، ينبغي والحالة هذه التفكير بشكلٍ جدّي في خلق آليات عمل جديدة أكثر نجاعة ومردودية من أجل تحسين وضعية هذه الجالية التي بالإضافة إلى معاناتها لمرارة الهجرة، وتجرّع مضض الإغتراب عن الأهل، والبعاد عن أرض الوطن، فإنها تعاني كذلك من منغّصات، وعراقيل، مشقة السّفر، والترحال كلّ عام لإحياء صلة الرّحم مع أهاليهم وذويهم التي يوليها المغاربة والعرب بشكلٍ عام أهمية قصوى في تقاليدهم الحميدة، ومعتقداتهم المتوارثة، وقناعاتهم الراسخة.
كاتب وباحث من المغرب.
تحية تقدير للكاتب الكريم لبيانه المشرق وعروبته الأصيلة كمالاشك بأن سبتة و مليلية مدينتين سليبتين
لقد تكلم الكاتب بإسهاب عن صفحات مؤثرة من حياة المهاجرين المغاربة وبقي أن اضيف صفحة جديدة
كماقال عنها الشاعر
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة
على النفس من وقع الحسام المهند
فقد منع المغرب الشقيق كل سوري من دخوله وشمل ذلك بشكل لايقبلون العقل السوري المتزوج بمغربية فهو محظور عليه دخوله
والمعاناة كبيرة خاصة لظروف خاصة أن الزوجة تعيش في المغرب ويصعب معهالم الشمل بأوربا
لم تحترم حكومة المغرب الشقيق لا عيدا ولا رمضان المبارك ولا جنازة والد زوجتي ولا جراحة عاجلة لزوجتي فقد منعتني منعاباتا في كل تلك المناسبات وغيرها وبشكل تام من دخول المغرب الشقيق بينمابسمح زواج الملك كنت اول من قدم تهنئة بشعري وللأسف كنت ظالما لنفسي بمدح بليد الشعور