غزة وحكمة سليمان

إن فوز دونالد ترامب بولاية رئاسية ثانية قد أتاح لنتنياهو تحقيق ما كان يصبو إليه، لكنّه ما كان يستطيع ممارسته بدون ضوء أخضر أمريكي. فمع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، جاءه الضوء الأخضر المنشود كي يُنهي المفاوضات على خطة على مراحل تتضمن إفراجا تدريجيا عن المحتجزين لدى الجانبين، إسرائيل و«حماس» وتشمل وقفاً للحرب وانسحاباً للجيش الصهيوني من غزة، وهي الخطة التي أشرفت إدارة جو بايدن على وضعها بالتعاون مع مصر وقطر قبل عام، والتي من الواضح تماماً أنه لم تكن أبداً لدى نتنياهو وحكومته نية على تطبيقها. وبدعم من ترامب، انتقل نتنياهو الآن إلى تغيير منحى الضغط: فبدل أن تستخدم «حماس» ما لديها من الرهائن كورقة ضغط لتنال تنازلات من إسرائيل لقاء إفراج تدريجي عنهم، أعاد نتنياهو احتلال قطاع غزة وأخذ كافة سكانه رهائن، وغدا يهدد «حماس» بالاستمرار بقتل الآلاف منهم والعمل على تهجير معظمهم إن لم ترضخ وتفرج عن كافة المحتجزين لديها، بل وتترك القطاع.
والحال أن أهل غزة باتوا يواجهون احتمالين، لا يلوح ثالث لهما في الأفق المنظور: فإما أن يمضي الحكم الصهيوني قدماً في مشروع استكمال نكبة 1948 باقتراف «تطهير عرقي» جديد يترافق بضمّ القطاع، كما يدعو له حلفاء نتنياهو في أقصى اليمين الصهيوني، أو تجري تسوية تفاوضت عليها الدول العربية، تقضي بخروج قادة ومقاتلي «حماس» وحليفاتها من غزة على غرار خروج قادة ومقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت في عام 1982، ليحل محلهم رجال سلطة رام الله مدعومين بقوات عربية. طبعاً ليس لـ«حماس» أي قول في الاحتمال التطهيري الأول، لكنّها تستطيع التفاوض على الاحتمال الثاني ووضع شروطها.

إما أن يمضي الحكم الصهيوني قدماً في مشروع استكمال نكبة 1948 باقتراف «تطهير عرقي» جديد يترافق بضمّ القطاع، أو تجري تسوية تفاوضت عليها الدول العربية

أما عدا ذلك، فأي خيار آخر لدى «حماس» لتقدّمه؟ إن الاستراتيجية البديلة الوحيدة التي سمعناها من طرف الحركة هي التي تفوّه بها أحد الناطقين باسمها، سامي أبو زهري، يوم الإثنين الماضي، حيث دعا للتصدّي لمشروع التهجير على الوجه التالي: «إزاء هذا المخطط الشيطاني الذي يجمع بين المجازر والتجويع، فإن على كلّ من يستطيع حمل السلاح في كلّ مكان بالعالم أن يتحرّك. لا تدَّخروا عبوّة أو رصاصة أو سكّينا أو حجرا، ليخرج الجميع عن صمته، كلنا آثمون إن بقيت مصالح أمريكا والاحتلال الصهيوني آمنة في ظل ذبح وتجويع غزّة». وهذا التصوّر للمعركة هو تكرارٌ للدعوة التي وجّهها محمد الضيف صبيحة عملية «طوفان الأقصى»: «اليوم، اليوم، كل من عنده بندقية فليخرجها فهذا أوانها، ومن ليس عنده بندقية فليخرج بساطوره أو بلطته أو فأسه أو زجاجته الحارقة، بشاحنته أو جرافته أو سيارته… هذا يوم الثورة الكبرى من أجل إنهاء الاحتلال الأخير ونظام الفصل العنصري الأخير في العالم».
سريعاً ما اتضح في حينه أن المراهنة على مثل هذه الدعوة كانت من الخيال الصرف، إذ لم يحصل شيء منها يجدر ذكره، حتى في الضفة الغربية المحتلة، ناهيك من أراضي 1948 والمحيط العربي. فيا ترى، ما هي فرصة نجاح الدعوة ذاتها اليوم بعد كل ما تكبده شعب غزة من إبادة وخراب؟ أما من يؤيدون هذه الدعوة من خارج القطاع ولا ينفّذونها «بالعبوّة أو الرصاصة أو السكين أو الحجر» وفقاً لتوصية أبو زهري، إنما هم منافقون، يحرّضون كلامياً من بعيد على القتال حتى آخر الغزّاويين. والحقيقة أن «حماس» تواجه اليوم خياراً بين التخلّي عن حكمها لغزة، وهو ما تستطيع أن تتفاوض على شروطه كي تضمن سلامة أهل القطاع وبقاءهم فيه، وبين مواصلة استراتيجية التحرير بالسلاح والأوهام، وهذه الأخيرة، أي الأوهام، أعظم لدى الحركة بالتأكيد من الأولى. هذا ويبدو أن ثمة جدالاً بين قادة الحركة على النهج الذي ينبغي سلوكه إزاء المعضلة التي وصفنا.
يذكّرنا ما بات يواجه «حماس» بالرواية الشهيرة عن حكمة النبي سليمان، لما جاءته امرأتان تتنازعان على أمومة رضيع بعد وفاة رضيع آخر في الدار التي كانت الامرأتان تسكنانها. أمرَ سليمان بشق الطفل بالسيف إلى نصفين ليكون لكل امرأة نصف. فقبلت إحدى المرأتين بينما رفضت الأخرى، مفضّلة التخلّي عن الطفل كي يبقى على قيد الحياة. فأدرك سليمان أن الثانية هي أم الطفل الحقيقية وسلّمها إياه. فهل تُبدي «حماس» عطفاً على شعب غزة مثلما أبدت أم الطفل، فتقبل بالتخلي عن سيطرتها على القطاع حفاظاً على أهله؟

كاتب وأكاديمي من لبنان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول كمال:

    حقائق مولمة … للاسف! العالم العربي تحكمه و تسيطر عليه العواطف …
    الله يرحم الشهداء و يشفي الجرحى و يحفظ ما تبقى من اهل غزة!

  2. يقول فصل الخطاب:

    غزة العزة و معادلة الحسم الإلاهي الذي لم يقل كلمته بعد فإذا قال كن فسيكون وعد رب العالمين وكان وعد الله أمرا مفعولا ✌️🇵🇸☹️☝️🔥🐒🚀

  3. يقول Samir:

    مقال رائع و تحليل واقعي..ليت هنآك أذن واعية..!!

  4. يقول أسامة كلّيَّة سوريا/ألمانيا:

    شكراً أخي جلبير الأسقر. ياترى وهل تنطبق حكمة سليمان على غزة اليوم! أمام فاشية وعنصرية حكومة الإحتلال الإسرائيلي الصهيونية المتطرفة لن ينفع حتى الإستسلام (أي قبول حماس بالخروج من غزة حفاظاً على الغزاوين من التطهير العرقي). انظر لبنان واتظر سوريا أيضاً! على حد معرفتي، والأمر متروك لأهل غزة وحماس بلا شك، المتطرفون الفاشيون لايقفون عن حد. هم فقط يؤمنون بالقوة أي مما يقال في الغرب “قوة اليد” على حساب كل المبادئ والقيم أو بالأحرى هم ليس لديهم ولايؤمنون بمبادئ وقيم ولا حتى باعتبار لأي أساس قيمي ولا حتى لإتفاقات أبرموها مع الأخر. لننظر إلى التاريخ في العالم كله وليس فقط مافعلته الفاشية الصهيونية وسنرى ذاك. برأيي يوجد حل وهو واقعي لكنه بعيد المنال للأسف! وهو أن تقوم الدول العربية مجتمعة بالعمل على وقف هذه الحرب والتطهير العرقي وإبادة الشعب الفلسطيني مثلاً بوقف التطبيع والتحذير بوقف أي اتفاقات محتملة في المستقبل مالم تلتزم حكومة الإحتلال بالإتفاق ووقف هذه الحرب والإجرام البشع ضد الشعب الفلسطيني (الاي اقوم بها ليس فقط في غزة بال بالصفة أيضاً) وسنرى عندها أن أصوات كثيرة في العالم سترتفع بل حتى في داخل إسرائيل وربما تقود إلى سقوط حكومة الفاشيين المتطرفين في إسرائيل!

  5. يقول Mh:

    التاريخ يقول ان إسرائيل لا تلتزم. تأخد ما تريده و تنقض الاتفاق. و هل كلن خروج المنظمه قرارا حكيما؟ لا لم يكن و كان احد تبعاته مجزره صبرا و شتيلا.

اشترك في قائمتنا البريدية