فرصة نضالية يجب أن لا تضيع

يسأل الإنسان نفسه يومياً، المرة تلو المرّة: ترى متى ستنتهي تلك التمثيلية السَّمجة التي ما إن حاكها الرئيس الأمريكي وعرضها على العالم بصورة مسرحية فكاهية بكائية، حتى انبرى من نصَّب نفسه نبياًّ يهودياً جديداً بشطب هذا الفصل، وتفسيراً لتلك الفقرة، وإدخالاً لتلك التصورات التوراتية الصهيونية الشيطانية، ورفضاً لهذا الشرط وذاك الحل.
لم يبق نتنياهو نيَّة أو أملاً أو تمنِّياً إلا وعصر رحيقها واستبدله بالسموم الصهيونية المعتَّقة عبر ثمانية عقود من الاحتلال. وإذا بنا أمام كتابين، أمريكي وصهيوني لا يلتقيان إلاَّ في أساليب المراوغة والوعود الكاذبة والغموض المستهزئ بذكاء القرّاء.
الأمران اللذان كانا واضحين بشكل صارخ هما ما قاله ترامب بنبرة نيرونية من أنه إذا لم تقبل المقاومة الفلسطينية بكل مكونات العرض المقدّس فإن أمريكا ستسحق وتدمّر كل مكوناتها، بما فيها كل أفرادها، وما قاله المجرم نتنياهو باعتزاز بأن كيانه لن يسمح قط بوجود دولة فلسطينية، فوق ذرّة من أرض فلسطين. لكن المقاومة الفلسطينية بقلبها الوطني الكبير قلبت الطاولة على ثرثرات الاثنين. ما كان باستطاعتها تجاهل دموع وانكسار أطفال ونساء غزة، وهم يتراكضون بين الأنقاض، ويعيشون عيشة الجوع والعطش طيلة أكثر من سنتين، ويصرخون طلباً لنجدة أخوة عرب ومسلمين لهم ليل نهار، من دون جدوى، ومن دون استيقاظ ضمير. فكان أن قدَّمت الرَّد المتوازن العقلاني الوطني الإنساني، الذي هو الآخر كتب كتاباً آخر في ملحمة فلسطين الدامية، التي فضحت وعرّت حضارة هذا العالم اللاَّهي المجنون. ولأنه كتاب مغلَّف بالنبل والتضحية والسمو سيحتاج إلى عمل الكثير من أجل الإبقاء على نقاء نبله وتضحياته وأهدافه.

يجب أن يدفع ويساهم الفلسطينيون بكل جهد لقيام كتلة شعبية تاريخية عربية لتقف إلى جانبهم، وتحارب معهم وتنشر النضال ضد الصهيونية في كل الأرض العربية

لا نجرؤ على أن نلقِّن أحداً درساً، بعد أن لقَّـنت غزة الرائعة العالم ألف درس ودرس، ولكنا فقط نريد أن نلفت نظر الأخوة الفلسطينيين المجتمعين في مصر لمناقشة تفاصيل بقية المشوار، أن نلفت نظرهم إلى الآتي: وبكل تواضع وانحناء أمام الأبطال الذين كتبوا تعريفاً جديداً للبطولة:
أولاً، إياكم أن تنقسم الرؤية الفلسطينية على نفسها في هذه المرحلة. فهذا كل ما يتمنَّاه التحالف الأمريكي ـ الصهيوني ليدخل من خلال أيِّ انقسام لإعادة لعب مسرحية أوسلو الكاذبة والمخادعة تحت مسمى جديد، بل لنكن أكثر وضوحاً: إذا لم تقنع مآسي غزة جميع مكونات الجسم الفلسطيني بضرورة قيام قيادة وطنية واحدة، ممثلة لجميع الفصائل والمكونات، هي التي تقود وهي التي تقرّر وهي التي مجتمعة تحارب، فإن كل ما حدث فوق غزة وكل فلسطين كان عبثاً في عبث، بل نصراً مؤزَّراً للصهيونية المجرمة الخبيثة، ما عاد مقبولاً عدم وجود قيادة واحدة، بالطريقة التي تراها الأغلبية الفلسطينية، تقود النضال في كل فلسطين وخارج فلسطين وترفع صوتاً واحداً مجلجلاً في وجه الاستعمار الصهيوني وأعوانه. أي خلافات عقائدية وفكرية أو تكتيكية من أي نوع كان، يجب أن تؤجَّل إلى ما بعد انتهاء معركة تحرير الأرض والإنسان الفلسطينيين.
ثانياً ـ يجب أن يدفع ويساهم الفلسطينيون بكل جهد لقيام كتلة شعبية تاريخية عربية لتقف إلى جانبهم، وتحارب معهم وتنشر النضال ضد الصهيونية في كل الأرض العربية. سيكون مخجلاً أن يقوم الغير بكل جهد لتكوين تلك الكتلة التاريخية الضرورية، في حين أن قيامها بالنسبة للنضال الفلسطيني مسألة حياة أو موت.
ثالثاً ـ من أجل أن لا يتعرض النضال الفلسطيني الموحَّد لأي ابتزاز، آن عند قيام القيادة الواحدة، أن توجد تلك القيادة وتشرف على صندوق تطوعي شعبي تدخله تبرعات دائمة عربية وغير عربية. لقد خبر الفلسطينيون في الماضي عشرات أنواع الابتزازات المالية من أجل إخضاعهم لهذه الإرادة، أو تلك، فآن أن يتحرروا من ذلك.
إن نداء لشابات وشباب فلسطين: لا تدعوا هذه المرة الفرصة التاريخية التي أمامكم أن تضيع مثلما ضاع الكثير من أمثالها في الماضي، والخلافات بين الأجيال الماضية يجب أن تنتهي. إلعبوا دوراً حاسماً في النقاشات واتخاذ القرارات وأصِّروا على وجود حدٍّ أدنى من الأهداف والسلوكيات النضالية التي ينضوي تحتها كل الشعب الفلسطيني، وكل القوى المساندة الشعبية النضالية الشريفة العربية والإسلامية.
*كاتب بحريني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية