باريس- “القدس العربي”:
صادق البرلمان الفرنسي، هذا الثلاثاء 23 ديسمبر، بالإجماع على قانون خاص يهدف إلى ضمان استمرارية تمويل الدولة مؤقتًا، في ظل تعذّر اعتماد موازنة عام 2026 ضمن الآجال الدستورية، ما يعكس حالة الانسداد السياسي والمالي التي تمر بها فرنسا، ويؤكد هشاشة التوازنات البرلمانية في ظل تحديات اقتصادية متزايدة.
جاء اعتماد النص بعد تصويت الجمعية الوطنية أولًا، ثم مجلس الشيوخ لاحقًا في اليوم نفسه، ليُقرّ نهائيًا من قبل البرلمان. وقد تقدّمت الحكومة بهذا المشروع عقب فشل اللجنة المشتركة بين النواب وأعضاء مجلس الشيوخ في التوصل إلى صيغة توافقية حول مشروع قانون مالية الدولة للعام الجديد، ما أدى إلى انسداد تشريعي فرض اللجوء إلى هذا الحل الاستثنائي.
القانون الخاص يأتي في سياق أشهر من النقاشات الحادة حول الميزانية، ويُعدّ بمثابة إخفاق جزئي لرئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو، الذي كان قد أطلق حوارًا سياسيًا، لا سيما مع الحزب الاشتراكي، أسفر عن تمرير ميزانية الضمان الاجتماعي للعام الجديد يوم الـ16 ديسمبر الجاري، مقابل تنازلات تتعلق بتمويلها وبملف التقاعد.
لكن الخلافات العميقة بين الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ، الذي يعارض أي زيادات ضريبية جديدة، حالت دون اعتماد ميزانية. وفي هذا السياق، أقرّ رئيس الوزراء بوجود ما وصفه بـ“اختلاف في الإيقاع السياسي بين غرفتي البرلمان”، مشدداً على ضرورة تصحيحه في المرحلة المقبلة.
يتيح القانون الخاص للحكومة تحصيل الضرائب ودفع رواتب الموظفين والاستمرار في تسيير شؤون الدولة. لكنه لا يتضمن أي نفقات جديدة، بما في ذلك الإنفاق الدفاعي، رغم تأكيد الحكومة أن الدفاع يُعدّ أولوية استراتيجية في ظل التهديدات المرتبطة بروسيا. ويعني ذلك أن الدولة ستعمل مؤقتًا وفق ميزانية عام 2025 المجددة إلى حين إقرار ميزانية عام 2026. وسبق للبلاد أن لجأت إلى إجراء مماثل في ديسمبر عام 2024، عقب سقوط حكومة ميشال بارنييه، قبل أن يتم اعتماد ميزانية عام 2025 في فبراير من العام نفسه.
في خطاب رسمي ألقاه من مقر رئاسة الوزراء (ماتينيون)، أكد رئيس الوزراء أن “أخذ الوقت لبناء ميزانية جيدة ليس ضعفًا”، معربًا عن ثقته بإمكانية التوصل إلى اتفاق إذا تم تجاوز الحسابات السياسية الضيقة.
عشية ذلك، شدد الرئيس إيمانويل ماكرون، خلال مجلس الوزراء الذي ترأسه يوم 22 ديسمبر، على ضرورة الإسراع في اعتماد ميزانية “تحترم هدف عجز لا يتجاوز 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وتضمن تمويل أولويات الدولة”.
من المنتظر أن تُستأنف مناقشات الميزانية في يناير عام 2026، وسط مستويات مرتفعة من الدين العام، وغياب توافق واضح حول مسار خفض العجز. وتريد الحكومة البدء في قراءة جديدة لمشروع الميزانية داخل لجنة المالية بالجمعية الوطنية مطلع العام، تمهيدًا لعرضه في الجلسة العامة منتصف الشهر. غير أن المعارضة، وعلى رأسها رئيس لجنة المالية إريك كوكريل (حزب فرنسا الأبية اليساري)، ترى أن السلطة التنفيذية تستخدم القانون الخاص كأداة للضغط السياسي من أجل تمرير الميزانية بسرعة.
في حال فشل التوصل إلى اتفاق خلال يناير، قد تتزايد الضغوط على الحكومة للجوء إلى المادة 49.3 من الدستور، التي تسمح بتمرير القوانين دون تصويت برلماني مباشر، ما لم تُقدَّم مذكرة حجب ثقة.
ورغم أن رئيس الوزراء استبعد هذا الخيار استجابة لمطالب الحزب الاشتراكي، فإن أطرافًا من اليمين والوسط تدفع بقوة نحو استخدامه، مع ما يحمله ذلك من مخاطر سياسية قد تصل إلى إسقاط الحكومة. فبين الحاجة إلى الاستقرار المالي وضغوط المشهد السياسي، يبقى شهر يناير حاسمًا في تحديد مستقبل ميزانية 2026 واستقرار الحكومة.