فرنسا والعودة إلى الماضي؟

حجم الخط
1

قراءة لوحة فنية والإستمتاع بها لا يتم غالباً إلا بالنظر إليها كاملة. تجزئتها أو النظر إليها من قريب يحجب وحدتها أحياناً كثيرة. ففهم ما يدور في بلادنا العربية الجميلة لا يمكن أن ينفصل عما يجري حولنا وفي العالم. أليس العالم قرية صغيرة؟ ففي إفريقيا، جارتنا وشقيقة شقائنا، تدور أحداث من نوع جديد. فرنسا تعود إليها بقوة من أجل ‘إنقاذ الإنسانية’ فيها. هذا على الأقل ما صرح به هذا الأسبوع الرئيس الفرنسي فرانسوا أولند.
ففي مطلع هذا الشهر واستشعاراً بوضع ‘إنساني كارثي’ واستباقا ‘لمجزرة إنسانية كبرى’ قررت فرنسا أن تتدخل عسكريا في إفريقيا الوسطى، بلد الـ5 مليون نسمة الذين ‘يتألمون ويطلبون عوننا’ بحسب الرئيس الفرنسي نفسه. ‘على الفرنسيين أن يفخروا بجيشهم الذي يتدخل في إفريقيا بدون مصالح يدافع عنها’، قال أولند، الإشتراكي، أمام القمة الأفرو- فرنسية التي عقدت في قصر الأليزيه في 6 كانون الأول/ديسمبر الحالي.
طبعاً بموازاة هذا الهم الإنساني والدافع الضميري، الذي لا أسباب تدعونا للشك به إذا ما عدنا إلى تاريخ وتقاليد الدور الفرنسي في إفريقيا، يذكر أن إقتصاد هذا البلد ممسوك بشكل شبه كامل من قبل كبرى الشركات الفرنسية. فشعب إفريقيا الوسطى ‘الذي يتألم وينادينا’ تتحكم شركة ‘بولوريه’ الفرنسية بكامل قطاع النقل والمواصلات فيه. شركة ‘كاستيل’ تحتكر لوحدها سوق المشروبات والسكر. ‘سفاو تحتكر سوق السيارات، ‘فرانس تيليكوم ولجت السوق منذ بداية العام 2007، ‘آريفا’ بدأت عمليات الاستكشاف، فيما تعزز ‘توتال’ من سيطرتها على سوق تخزين وتوزيع النفط والمحروقات بالرغم من وجود منافس محلي ممثل بشركة ‘ترادكس’ الكاميرونية.
قد يسأل سائل هنا: ولماذا تتدخل فرنسا في هذه البلاد طالما أنها تسيطر على اقتصادها كاملاً، وتشرف عبر ذلك على أواليات السياسة والزعامة في إفريقيا؟ السؤال نفسه طرحه الكثيرون في السابق أيضاً بمناسبة التدخل الأمريكي في العراق حيث قيل يومها أن لا مصلحة مباشرة إقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية بالتدخل في شؤون العراق. فما علاقة ‘الوجع الإنساني’ لشعب دولة إفريقيا الوسطى بالنفط وبالمصالح والمنافسات الدولية الجديدة؟ في هذا السياق لا بد من التوقف عند تصريح الرئيس المخلوع جوزيف تجودويا إلى إحدى الإذاعات الفرنسية: ‘لقد جرى الإنقلاب عليّ بسبب النفط، أعطيت النفط للصين فبدأت المشاكل في الداخل’.
ولمحاولة فهم ما يدور في هذا المجال لا بد من التوقف عند الدور الصيني ‘المسؤول الأساسي عن تراجع الدور الفرنسي في إفريقيا’ حسب هوبير فدرين، وزير الخارجية الفرنسي الأسبق. ففي عام 2005 وبالرغم من ‘المساعدة’ العسكرية والسياسية الفرنسية لوصول فرانسوا بوزيزي إلى سدة الرئاسة في دولة إفريقيا الوسطى قام هذا الأخير بالرضوخ لغزل الصين الإقتصادي ولا سيما في قطاع النفط الإستراتيجي. وفي عام 2008 قامت الصين بمنح هذا البلد قرضا بقيمة 4.4 مليون يورو لبناء مستشفيات ومدارس. تلاه زيارة رسمية إلى الصين نتج عنها ولادة أول ترخيص رسمي يمنح الصين حق استكشاف واستثمار وتطوير حقل النفط في بوروماتا في شمال شرقي البلاد.
لا حاجة ربما إلى الإشارة أن الظهور المتكرر للرئيس بوزيزي إلى جانب المسؤولين قد أثار المسؤولين الأمريكيين.ففي برقية لممثل الأمم المتحدة فريديريك كووك يقول في عام 2009: ‘يظن بوزيزي أنه وجد الطريقة المثلى التي تجعله لا غنى عنه عند الفرنسيين (….) لكن السفارة الأمريكية هنا في بانغي ترى في ذلك خطأ فادحاً’. وفي برقية أخرى أرسلها هذا المسؤول الأممي بعد عدة أشهر فقط كان أكثر وضوحا وتعبيرا عن قلقه من توسع النفوذ الصيني سواء على صعيد التعاون الإقتصادي أم السياسي أم العسكري مقابل التراجع الفرنسي والأمريكي.
التدخل الجديد لفرنسا في إفريقيا الوسطى وفي مالي قبلها بعد التدخل في ليبيا لا يمكن قراءته من خارج الصراع العالمي الكبير الذي يسم عصرنا الجديد بعد مرحلة القطب الواحد على إثر السقوط السوفياتي. فاستعجال الفرنسيين ‘لإنقاذ الشعب في إفريقيا الوسطى من مجزرة محققة’ رافقه، بالصدفة حتماً، كرنفال إقتصادي كبير عقد في 4 من الشهر الحالي في وزارة الإقتصاد الفرنسية في برسي دعي إليه أكثر من 560 رجل أعمال ومستثمر فرنسي وإفريقي بالإضافة لعدد من الشخصيات السياسية والرؤساء والوزراء الإفريقيين.
الرهانات الإقتصادية والثروات والأسواق الأفريقية موضوع الصراع ولبّه على ما يبدو. ففي السادس من هذا الشهر وأمام الرؤساء الإفريقيين المجتمعين في مؤتمر القمة الأفرو-فرنسي في قصر الأليزيه في باريس لم يتردد الرئيس أولند في إعلان النوايا الفرنسية بوضوح: ‘إفريقيا فرصة فرنسا’. ومن أجل ذلك أعلن عن تأسيس صندوق استثماري بقيمة 20 مليار يورو مخصص لإفريقيا. المنافسة حامية والرهانات لم تعد ثانوية الأثر. فالعسكر والسياسة والإقتصاد والمال يسيرون جنباً إلى جنب. ففيما كانت الحشود العسكرية الفرنسية تستعد للتدخل على الأرض كانت الدبلوماسية الفرنسية ترافقها وعلى أعلى المستويات.
لقد صار من المؤكد أن الإستيقاظ الفرنسي في إفريقيا، وحتى في دولنا العربية، ما هو إلا جزء لا يتجزأ من الصراع والمنافسة على ثروات وموارد هذه الدول. فرنسا تستبسل اليوم ولا تبخل بأي غال من أجل استرجاع ‘الجنة المفقودة’. فالإستناد إلى قضايا إنسانية من أجل تبرير تدخلها العسكري لم يعد يقنع أحداً لا سيما وأن غالبية الذين يعترضون ويشاغبون ويهدّدون السلم الأهلي في هذه الدول لم يكونوا إلا حلفاء لها تستعملهم في كل مرة من أجل السيطرة على القرار الإقتصادي لهذه الدول. فـ’السيليكا’، أي الإئتلاف الوطني بلغة البلاد، المؤلف من عدد من الشلل المعارضة والمدعوم من الميليشيات التشادية والسودانية المستقدمة إلى أفريقيا الوسطى، لا يمثل خطراً يتجاوز قدرة القوة العسكرية الإفريقية المتواجدة هناك على فرض الأمن. وأما الإستعجال الفرنسي لإرسال الجنود إلى إفريقيا الوسطى فوظيفته مواجهة الصين والهند لا بضع مئات من الفالتين والرعاع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول S.S.Abdullah:

    احسنت وأجدت وواضح المجهود الكبير المبذول من الكاتبة في جمع وتوثيق من خلال الاستقراء الجيد وهو ما يؤدي مباشرة بسبب ذلك إلى الوصول إلى الاستنباط الرائع في نهاية المقال
    ما لاحظته هو أنَّ الكثير نسي أنَّ قيام الكيان الصهيوني عام 1947 بقرار من الأمم المتحدة كان بواسطة قوى اليسار ممثلة في الاتحاد السوفيتي وفرنسا الجنرال شارل ديغول لكي يكون كيان كرجل عسكري ومثقف للإيجار عند الطلب لصالحهم، وأقصد هنا مثقفي اليسار بشكل عام
    فمهوم جندي تحت الطلب للإيجار هو اسلوب معتمد لدى اليسار بشكل عام في تمرير سياساته إن كانت اقتصادية أو فكرية فهذا هو مفهومه للنظام الديمقراطي ولدينا أوضح مثال على ذلك لينين وما أقامه من كيان في روسيا تحت مسمى الاتحاد السوفيتي.
    ما فات قوى اليسار ممثلة في رئيس فرنسا الحالي هولاند وكذلك الحال بالرئيس السابق ساركوزي هو أنَّ العولمة وأدواتها تعتمد اساليب تعمل على نسف النظام الديمقراطي من الداخل حيث أنَّ النظام الديمقراطي يعتمد على أن يُعطي للنخب الحاكمة حق الاحتكار من جهة وله الحق في التغطية على ذلك من خلال عدم الالتزام بالشفافية من جهة ثانية، في حين أنَّ العولمة أصلا بنيت على ركنين أساسيين هو كسر الاحتكار والإلتزام بالشفافية.
    وهذا بالنتيجة أدّى إلى تعرية المثقف اليساري بشكل عام حول العالم بسبب تواطئه المخزي مع قوى الظلم والاستبداد والاحتكار والاستعباد إن كان ذلك في سوريا أو اليمن أو الكيان الصهيوني أو في جميع أركان أفريقيا كما أوضحته الكاتبة أعلاه
    ما رأيكم دام فضلكم؟

اشترك في قائمتنا البريدية